حدّقت آني في إيجيد مطوّلًا.
ذلك الوجه الذي ظلّت تكسوه آثارٌ حمراء باقية من القناع، لم يفقد وسامته. غير أنّ شيئًا آخر لفت انتباهها أكثر من ملامحه.
‘لقد اختفى بريقه مرّة أخرى.’
أين ذاك الرجل الذي ضحك مع الأطفال للتوّ؟
ها هو الآن يجلس قبالتها في العربة، يرمق النافذة بعينين باردتين خاليتين من الحياة.
تأمّلت شفتيه المتصلّبتين، فخالجها شعور بالأسى.
‘إنه يبدو أجمل حين يبتسم…’
أليست تلك الابتسامة قادرة على أسر قلب أيّ امرأة؟
‘لو أنّه اريها لتلك السيّدة التي يحبها، لكسب نقطته بسهولة. بل ولربّما لو رآه الآخرون، لخفّ رعبهم من الإمبراطور قليلًا…’
شدّت آني على شفتيها الممتلئتين ثم نادت بخفوت:
“جلالتك.”
وكأنّه كان بانتظار صوتها، تحرّكت عيناه نحوها سريعًا. لكنها، المنشغلة بانتقاء كلماتها بدقّة، لم تلحظ ذلك اللمعان في نظره.
قالت متردّدة:
“في الحقيقة… رأيتك قبل قليل وأنت تلعب مع الطفل.”
ظلّ صامتًا، وقد تيبّست كتفاه المربّعتان، كأنّه حُشر في زاوية ضيّقة.
فتظاهرت آني بعدم المبالاة وأردفت بنبرة عفوية:
“كان من الرائع أن أراك تبتسم.”
ارتجفت عيناه للحظة، فشعرت بالارتياح. لم يغضب.
‘جيّد. فلأواصل إذن.’
“ما رأيك… أن نتدرّب قليلًا؟”
“…”
“هيا، جلالتك. ابتسم.”
“…الآن؟”
تلوّن وجهه بالحرج. لم يكن سهلًا عليه، مهما توسّلت، أن يبتسم بلا تحضير. فقد اعتاد ألّا يرى في ابتسامته سوى قسوة قاتلٍ أو ابتذالٍ بغيض.
لكنه تذكّر كلماتها الماضية، فتنفّس ببطء.
قالت له بحزمٍ لطيف:
“ألم تخبرني أنّك تريد كسب قلبها؟ إذن فهذا جزء لا غنى عنه. لا شيء يُطمئن البشر أكثر من ابتسامة صادقة.”
تنهّد إيجيد بضعف، فأيقنت آني في سرّها:
‘لقد أسرتك.’
كان دائمًا هشًّا حين يتعلّق الأمر بالحب. في كل مرّةٍ يظهر فيها هذا التردّد، تدرك آني عمق صدقه.
‘لأنّه بالفعل… يحبّها.’
وبالفعل، راح يرفع زاوية شفتيه بتردّد، يعيد المحاولة أكثر من مرة، ثم سأل بصوتٍ خجول:
“هكذا… هل يكفي؟”
ابتسمت آني نافية:
“لا، لا. لا يكفي أن تبتسم بفمك وحده. يجب أن تبتسم عيناك أيضًا.”
“إذن… هكذا؟”
“ليس بعد، جلالتك. ليكن الأمر طبيعيًّا أكثر… همم، اسمح لي لحظة.”
مالت بجسدها إلى الأمام، ورفعت سبابتيها لتلمس برفق أطراف عينيه، محاولة أن تُرخي ملامحه.
‘يا للعجب… بشرته ناعمة كأنها من حرير. أيّ رجل يملك هذا النقاء؟ لا بدّ أن مستحضراته من أندر ما في المملكة… لكن، لا. ليس وقت هذه الأفكار.’
حرّكت أصابعها حول عينيه وقالت:
“هكذا… طبيعي أكثر. ابتسامة دافئة.”
ثم أضافت بابتسامة مشجّعة:
“تخيّل أنّني أنا تلك السيّدة التي تحبّها… وأنك تُحاول أن تبدو في أجمل صورة أمامها. هيا، جرّب مجددًا.”
احمرّت وجنتاه بخجل… وفي تلك اللحظة اهتزّت العربة بعنف.
“آه…!”
فجأة مالت آني بجسدها إلى الأمام، ووقعَت بين ذراعيه.
ارتبكت. يدها الصغيرة أمسكت بلا وعيٍ بفخذه القويّ.
‘يا إلهي… لقد لمستُ فخذ الإمبراطور! أيّ جنون هذا؟’
سحبت يدها بسرعة، مرتبكة، وهمّت بالاعتدال:
“أنا آسفة… سأتراجع حالًا…”
لكن العربة واصلت ارتجاجها على الطريق الوعر. وفي لحظةٍ أخرى، انزلقت لتجلس مباشرة على فخذه.
تلاقت نظراتهما المرتبكة وسط هدير العجلات.
‘هل سيظنّني… غريبة؟’
سارعت لتبرير نفسها:
“المعذرة… لم يكن قصدي… فقط تمهّل…”
لكن يدًا قوية لامست خصرها لتثبتها في مكانها، وصوتٌ هادئ قريب قال:
“من الخطِر التحرّك في عربة تهتزّ.”
ارتجفت أنفاسها. عيناه الحمراوان لم تعُد فيهما رهبة، بل دفء غامر ولطف غير مألوف.
هتف قلبها في ارتباك، بينما داعب النسيم خصلات شعره الأسود، ولم يزح نظره عنها لحظة.
قالت بتلعثم:
“أمم… حسنًا. سأُبقي ذلك في بالي. لكن… يمكنك أن تُتركني الآن. وزني… أكثر مما يبدو.”
ابتسم بخفوت:
“لستِ ثقيلة أبدًا. حين تتوقّف العربة، يمكنك التحرك.”
“لكن… أشعر بالحرج قليلًا.”
خفّ قبضته على خصرها، لكنه لم يتركها تمامًا. أمسك يدها، وأجلسها إلى جانبه، ولم يُفلت يدها إلا بعد أن استقرّت.
‘ما هذا؟… انها المرة الاولى التي نجلس هكذا جنبًا إلى جنب.’
خيم صمتٌ غريب على المكان. تبادلا أنفاسًا متقطّعة، فيما اختلج صدر آني بسعالٍ خفيف لكسر الجوّ.
ظلّ إيجيد يرمقها بقلق، كأنه يخشى أن تكون قد أصيبت بأذًى. فأشارت بيدها مطمئنة:
“لا تقلق… أنا بخير.”
لكنّه عضّ شفته، مظهرًا استياءً خفيًّا. لم يكن يخفي مشاعره كما في السابق، وهذا ما حير آني.
‘هل… هو غاضب؟’
ألا ينبغي أن يغضب لو تضرّرت المرأة التي تسانده في كسب ودّ تلك السيّدة؟ بل، ألن يكون الأمر أشدّ قسوة على قلبه لو كان في داخله ميلٌ آخر؟
تردّدت، ثم قالت بصوتٍ مهيب:
“جلالتك… أعتذر. سأكون أكثر حذرًا كي لا يتكرّر هذا.”
صريرٌ مفاجئ أعلن توقّف العربة.
‘حسن الحظ…’
ابتسمت آني بهدوء، وأشارت إلى الباب:
“سأذهب الآن. أشكرك على لطفك.”
التعليقات لهذا الفصل " 75"