كان صدى صوت آني ما يزال يهمس في أذنَيْ إيجيد كأنّه طيف لم يبرح المكان.
ظلّ جالساً على المقعد، غارقاً في لحظةٍ يتمنّى لو توقّف عندها الزمن؛ يستعيد دفء الغداء البسيط الذي جمعه بها، ويذوقه من جديد في خياله.
ارتسمت على شفتيه ابتسامة رقيقة، وهمس في نفسه:
‘لقد كان لذيذ…’
كانت المائدة هذه المرّة رحيمةً بجسده؛ طعامٌ لطيفٌ، سهل الهضم، بعيد عن قسوة النكهات الحادّة. وكان الحساء الرقيق، الطريّ، تاجَ تلك المائدة.
شكر منزل دْسِف في سرّه على طاهٍ يملك مثل هذه اليد الرائعة. بل أكثر من ذلك… أدرك أنّ كل وجبة تشاركها مع آني ستغدو عنده شيئًا عظيمًا.
تدفّق نور في قلبه حين استعاد صورتها تأكل الشطائر بنهمٍ طفولي، رغم هيئتها الضئيلة.
لكن سكون اللحظة انكسر فجأة—
“أووواه! أمييي!”
قفز إيجيد واقفاً عند صرخة بكاءٍ تخترق الأجواء. تتبّع الصوت حتى أبصر صبياً صغيراً يصرخ بحثاً عن أمّه وأبيه.
‘لا أحد هنا…’
كان المكان نائياً، لا يحيط به سوى السكون. تردّد لحظة؛ فكما يفرّ الكبار من هيبته، هرب الأطفال أيضاً.
‘ماذا أفعل؟’
ثم أقنع نفسه:
‘لا بأس… وجهي مخفيّ بالقناع.’
اقترب ببطءٍ وانحنى حتى غدا على مستوى الطفل، وصوته يخفت:
“أيها الصغير، هل أنت…؟”
لكنّ الصبي انفجر في بكاءٍ أشدّ، فقطع كلامه. ارتبك إيجيد، ورسم ابتسامة مرتبكة خشية أن يُنهكه البكاء.
“أمي! أبي!”
حينها أشار بيده نحو لعبةٍ سحرية عالية مضيئة:
“أتريد أن تركب تلك؟”
وتوقّف البكاء فجأة. تطلّعت العينان المحمرّتان نحو اللعبة البعيدة التي لم يبلُغها. اقترب إيجيد أكثر وهمس بودّ:
“سيحملك الأخ الكبير إليها.”
“…حقاً؟”
“نعم. وبعد أن نركب، نبحث عن والديك معاً.”
ربّت على شعره بحنان، فاستسلم الطفل موافقاً.
وفي تلك الأثناء، رفعت آني رأسها من بين أوراقها، تبحث عن إيجيد الذي غاب عن ناظريها. وحين التفتت بعيداً، كادت لا تصدّق المشهد:
كان الطفل يجلس على كتفي الإمبراطور، يصيح مبتهجاً:
“أسرع يا أخي! هيا أسرع!”
وإيجيد يهرول به، كأنّه أبٌ يلاعب صغيره!
‘ما الذي أراه؟!’
فركت عينيها، لكن الصورة بقيت، واضحة لا تخطئ. كان يلعب بجدّ، يركض ويدور حتى أجهده التعب، ومع ذلك لم يظهر على وجهه أدنى ضيق أو انزعاج.
حين أنزله، تشبّث الطفل بثوبه:
“مرّة أخرى!”
ابتسم إيجيد بحيرة:
“لكن والديك سيقلقان. علينا أن نبحث عنهما.”
لكن الصغير ألحّ، فأخذه ثانية وأخذ يدور به حتى بدا المشهد مبهجاً حدّ الدوار.
تأمّلت آني، مبهوتة:
‘إذن… هو يعرف كيف يضحك هكذا’
أهذا هو الرجل الذي يُوصَم بالطغيان؟ أم أنّ الألسنة المسمومة لطّخته بما ليس فيه؟
ثم جاء صوته، أرقّ مما عهدت:
“هيا يا صغير، حان الوقت.”
“ستجد أمي وأبي، صحيح؟”
“بالتأكيد.”
“وماذا إن لم تجدهما؟”
“سأجدهما مهما كان. أعدك.”
كرّر الطفل السؤال مراراً، والإمبراطور يجيب في كل مرة بالصبر نفسه، بلطفٍ لا يفتر. هناك، خلف جذع شجرة، كانت آني تختبئ، وقلبها يزداد اضطراباً كلما رأت ذلك الوجه المغاير لصورة “الطاغية”.
…
وفي مكان آخر، كان فيز يجرّ خطواته مثقلاً بالهمّ بعد أن أنهكه عتاب رفيقه دوهير، الذي قال ببرود:
“إن ظللت هكذا، فلن تكون سوى عبء.”
زمجر في داخله: ‘وماذا فعلتُ أنا؟ أليست تلك السيدة من منزل دْسِف مثيرةً للريبة؟!’
لكن زميله الذكي انخدع بها كغيره.
“يا فيز.”
‘من ذا الذي يجرؤ على مناداتي هكذا؟’
استدار متجهّماً، لكن عينَيْه سرعان ما أضاءتا فرحاً:
“آه… سيّد روبي؟!”
ابتسم الرجل وربّت على كتفه:
“طالت الغيبة. كيف حاله؟”
ارتبك فيز وأجاب بحماسة:
“بخير! دائماً بفضل سيّد روبي…”
قاطعه بابتسامة مازحة:
“لم أسألك. أسأل عن جلالته.”
خارت عزيمة فيز قليلاً، لكن في داخله بزغ أمل.
‘لعلّ روبي وحده يستطيع أن يعينني. فهو الأقرب إلى قلب الإمبراطور… الوحيد الذي يجرؤ على مصارحته وما يزال حيّاً!’
التعليقات لهذا الفصل " 74"