بمجرد أن جلست آني في العربة، فتحت النافذة ليدخل هواء الليل البارد. رفعت بصرها فرأت إيجيد واقفًا معتدلًا، يضغط بقبعته إلى الأسفل وهو يحدّق بها بصمت.
لو رآهما أحد لظنّه رجلاً مشبوهًا يفرّ هاربًا.
إنه موقف خطير حقًّا، لكن…
ابتسمت آني وقالت:
“لقد تعبت اليوم. سأذهب أولاً.”
فأجابها بهدوء:
“وأنتِ أيضًا.”
“أحسنت عملاً.”
وانطلقت العربة، فيما أسندت آني رأسها إلى النافذة غارقة في التفكير.
⋆★⋆
حين وصلت القصر، وجدت كارلا واقفة قرب الباب الأمامي. تعجّبت:
ما الذي تفعلينه هنا في مثل هذا الوقت؟ ألم يحن موعد عودتها إلى أطفالها منذ ساعات؟
نادتها بصوت متسائل:
“كارلا؟”
فالتفتت الخادمة، وقالت بلهفة:
“آنستي! آه، انتِ هنا.”
وضعت يدها على صدرها تتنفس الصعداء وقد بدا القلق عليها واضحًا.
“هل كنتِ تنتظرينني؟”
“بالتأكيد! لقد تأخرتِ كثيرًا… خشيت أن يكون ذلك الطاغية قد أذاكِ.”
ضحكت آني قليلًا وأجابت:
“لا تقلقي، أنا بخير.”
لكن كارلا، وقد غلبتها العاطفة، تقدّمت واحتضنت سيدتها بقوة.
“كيف كان يومكِ؟ هل هدّدكِ أو أخافكِ؟”
ابتسمت آني وقالت مطمئنة:
“بالعكس، كان يومًا مريحًا.”
لم تصدّقها كارلا بسهولة، لكنّ ما قالته آني لم يكن كذبًا.
فمن حسن حظها أن كثيرًا من صفاتها تشبه صفات المرأة التي يُحبها إيجد، ولذلك لم تكن بحاجة إلى التفكير كثيرًا، فقط تستبدل نفسها بتلك الصورة.
ومع ذلك، بقي شيء يقلقها بشأن الآخرين.
قالت لرفيقتها:
“كارلا، لقد تأخر الوقت، ابقي الليلة في القصر. وخذي إجازة غدًا أيضًا.”
دمعت عينا كارلا من الامتنان، فربّتت آني على ظهرها مبتسمة. ثم رفعت رأسها نحو السماء السوداء كسواد شعر إيجد، وقالت بهدوء:
“لديّ طلب صغير. قبل أن تغادري غدًا، اطلبي من بات أن يُعدّ بعض السندويشات.”
“هل ستأخذين صندوق غداء إلى القصر الإمبراطوري؟”
“نعم… ولا تنسي، من دون مربّى الفراولة.”
ابتسمت آني ابتسامة غامضة، كأنها تحاول أن تحفظ هذه اللحظة في قلبها.
⋆★⋆
في الجهة الأخرى، كان إيجد قد عاد إلى القصر الإمبراطوري. يده المرتجفة على مقبض الباب تكاد تفلت من فرط الانفعال. لقد بدا وكأنه على وشك أن يصرخ من شدّة السعادة.
أكان هذا موعدًا؟ موعد حقيقي؟ مسرحية ثم عشاء… مع آني وحدها!
لكن صوته قُطع حين سمع مناداة من الخلف:
“جلالتك.”
تجمّد، ثم أعاد ملامحه إلى جديتها المعتادة قبل أن يلتفت. لقد كان فيز واقفًا، وعيناه تحملان تصميمًا ما.
قال فيز بجدية:
“بشأن الآنسة دْسِف… سأهتم بالأمر.”
“… تهتم؟”
“لقد تجرّأت واقتربت رغم أوامر جلالتك. من أجل سلامة جلالتك والعائلة الإمبراطورية…”
لم يسمع إيجبد بقية كلماته، فقد شغلته بداية الحديث.
“كم أخبرتها بالضبط؟”
“لقد حاولت أن أوضح لها الكثير من الأمور بأكبر قدر ممكن من التفصيل، وأنا…”
قاطع إيجبد بغتة، وعلى وجهه صرامة نادرة:
“تحدّثتَ معها طويلًا إذًا؟”
تفاجأ فيز من حدّة مقاطعته، فالأمر نادر جدًا أن يقاطعه الإمبراطور أو يعيد سؤاله. شعر بالارتباك، فتابع بتردد:
“أقصد أنّ الآنسة دْسِف…”
لكن إيجد نطق باسمه الكامل:
“فيز ليرِياس.”
كان استدعاء الاسم كاملاً بمثابة جرس إنذار. فهم فيز فورًا أن شيئًا يسير في غير مساره. نظر إلى سيده بعينين مرتعشتين.
قال إيجيد ببرود:
“قم بواجبك كما يجب… والآن، اغرب عن وجهي.”
شعر فيز أنّ الكلمة الأخيرة لم تكن مجرد أمر بالمغادرة، بل طردٌ مهين. غادر متعثرًا وهو يهمس لنفسه.
أما إيجد، فقد بقي وحده، يضع يده على جبينه المثقل. ربما أعجب فيز بها… فهي جوهرة نادرة بالفعل. لكن… لا، لا يمكن أن أكشف آني لأحد.
كلما حلّ الليل، ازدادت همومه عمقًا. ومع ذلك، حاول أن يشجّع نفسه:
حتى درس الغد… عليّ أن أبذل جهدي.
كان ضوء النجوم يلمع، وكأنّه يذكّره أن السعادة لا تدوم، وأن اللحظات الجميلة أقصر عمرًا من البؤس.
وكذلك حبّه المستحيل لآني. موعد الأمس، الذي كان بمثابة حلم، صار الآن بابًا لأزمة جديدة لم يتوقّعها.
⋆★⋆
“اليوم درسنا سيكون في الهواء الطلق.”
هكذا قال المعلّم، لتصطكّ أسنان إيجد وهو ينظر إلى الألعاب السحرية التي تحلّق في السماء بسرعة هائلة. مجرّد النظر إليها جعله يشعر بالغثيان.
كيف يجد الناس متعة في مثل هذا الجنون؟
لكن حين نظر إلى آني، وجدها ترتدي قناع قطة بيضاء. لقد بدا القناع منسجمًا تمامًا مع هيبتها المعتادة، حتى إنه لم يستطع أن يمنع نفسه من التحديق بها مرارًا.
لحسن الحظ، كان هو الآخر يرتدي قناعًا مشابهًا، إذ كان من الرائج في مدينة الملاهي السحرية “يونيفيسا” أن يرتدي العشّاق أقنعة متطابقة.
أخرجت آني دفترًا وقلمًا وقالت بخفّة:
“اليوم جئتُ لمساعدة جلالتك، وسنقوم بتجربة شيء مختلف. السبب في قدومي هنا أولاً، هو تقرير قُدّم في مؤتمرٍ أخير.”
ثم تابعت بجدية لا تخلو من الدعابة:
“إذا ركب العشّاق الألعاب المخيفة معًا، فإن احتمال وقوعهم في الحب يزداد.”
تألّقت عيناها وهي تسأل:
“ألستَ توافقني الرأي؟”
التقط إيجد كلماتها كمن أُلقي في النار. عينيه اشتعلتا توترًا وحرجًا، ثم تمتم بصوت مبحوح:
التعليقات لهذا الفصل " 72"