رفض إيجد اقتراح آني بشأن مكان تناول الطعام.
ارتبكت الفتاة، إذ لم تعتد هذا منه؛ فقد كان في كل مرة يتبع رغبتها بلا اعتراض.
قالت بتردّد:
“إذًا… هل لديك أطباق تفضّلها أنت؟”
ابتسم بهدوء وأجاب:
“دعيني أنا أرشدك.”
تحرّكت العربة ببطء، كأنّ السائق قد تلقّى التعليمات مسبقًا. كان الطريق وعرًا بعض الشيء، غير أنّ آني لم تعترض.
وحين توقّفت العربة، وجدت نفسها أمام مطعم فخم حُجز لهما بالكامل، فلا زبائن ولا ضجيج.
همست آني لنفسها:’يا للجمال!’
إذ كان المكان أنيقًا، هادئًا، ذا طابع رصين يوافق ذوقها تمامًا.
جلست على مقعد أبيض أنيق، وأخذت تتصفّح لوحة خشبية تحمل قائمة الطعام. ما إن وقعت عيناها عليها حتى لمعتا دهشة:
حقًا…
كلّ ما كُتب عليها من أطباق حارّة أو مالحة أو حلوة، كان مطابقًا لما تحب. ابتسمت وقالت بإعجاب:
“لقد أعددت الأمر مسبقًا… أحسنت.”
هزّ إيجد رأسه بهدوء، فيما ظلّت عيناه معلّقتين بأفق الغروب خلف النافذة. جانب وجهه تحت وهج الشمس بدا كمنحوتة، جمال لا يكرّر مرتين.
إنه وسيم… وسيم بحق.
لكنها لم تسمح لقلبها أن يطير إعجابًا؛ فما يهمّها أكثر في هذه اللحظة هو أن تملأ معدتها الجائعة.
سألته:
“وما الذي تنصح به هنا؟”
قال بلا تردّد:
“باستا بحرية حارّة، ستيك بصلصة الخردل، وبيتزا الفراولة.”
انبسطت أساريرها، إذ كانت تلك الأطباق بالضبط ما تشتهيه. أجابته بمرح:
“إذًا فلتطلبها أنت. سأذهب إلى الحمام قليلًا.”
وما إن غابت حتى أسرع بإعطاء الطلب للنادل، وقد احمرّت أذناه كطفلٍ ضبط متلبّسًا.
‘يا إلهي… هل حقًا أعيش هذا؟’
فهذا المطعم كان يحلم أن يأتي إليه معها منذ سبع أعوام. وها هو الحلم يتحقّق.
لو كان حلمًا… فلا أريد أن أستيقظ أبدًا.
حاول تهدئة نفسه برشفة ماء، مخافة أن تلاحظ آني وجهه المحمّر وتسيء الفهم.
وما لبث أن دخل النادل يدفع عربة مليئة بالأطباق: بيتزا مغطاة بالفراولة الطازجة، ستيك متلألئ تحت صلصة الخردل، ومعكرونة حمراء تفوح منها رائحة البهار.
غير أنّ ما بدا لآني وليمة شهية، بدا في عيني إيجد جحيمًا حقيقيًا؛ فهو لا يطيق شيئًا من هذا الطعام. لكنه أقنع نفسه:
‘يمكنني أن آكل… فقط لأجلها.’
عادت آني وجلست بسرور، قلبها يخفق وهي تنظر إلى المائدة.
قالت بابتسامة دافئة:
“أوه… لقد جاء الطعام بسرعة.”
كاد صدر إيجد ينفجر وهو يحبس أنفاسه، لكنّه تمالك نفسه، والتقط السكين والسكين بحركة متقنة. قطع قطعة من اللحم، ووضعها برفق في طبقها.
ضحكت آني بخفّة وقالت:
“شكرًا… سأستمتع به.”
راقبها بترقّب وهي تتذوّق. وحين قالت بابتسامة صادقة:
“إنه لذيذ…”
تهلّل قلبه، وكاد فمه يبتسم من فرط السرور، لكنه أجبر نفسه على التماسك. لقد نجحت جهودي إذن.
ثم وضعت آني المنديل على فمها، وأشارت بذقنها نحو البيتزا:
“جرّب البيتزا أيضًا.”
ظنّت أنّه يحب الفراولة، بينما هو لم يضعها في فمه منذ زمن طويل. ومع ذلك، أخذ شريحة، قطّعها بهدوء، ووضعها في فمه.
… يا للفظاعة!
ماذا يفعلون بالفراولة فوق العجين والجبن؟ لقد كان الطعم غريبًا ينفر منه قلبه ولسانه. ومع هذا، ظلّ وجهه هادئًا، كأنّه يستمتع بها.
لكنّ المحنة لم تنتهِ هنا. فقد رأت آني طبق الباستا أمامه، وأخذت تحدّق به بدلالٍ صامت يفهمه كل رجل.
تنهد إيجد في داخله: الطعام الحار سمّ قاتل بالنسبة لي…
ومع ذلك، لفّ بعض المعكرونة بالشوكة، وابتلعها بصمت.
ولم يتوقف حتى أنهى الطبق بأكمله دون أن يُظهر أدنى نفور.
وعندها فقط، بدأت آني تتناول طعامها براحة، وقد خفق قلبه وهو يراها سعيدة.
التعليقات لهذا الفصل " 71"