رفعت آني صوتها قليلًا، متعمدة أن تُبدد تلك السكينة الثقيلة التي علقت في الهواء:
“بالمناسبة، جلالتك…”
وقبل أن تُكمل، قطعها صوته بهدوء:
“هل هي جميلة؟”
سألتها كدعابة، وردّ عليها بجديّةٍ مفرطة.
ثلاث مرّات.
هزّ رأسه، كما لو أن الجمال، وحده، لا يكفي ليصف ما يشعر.
‘واو… يبدو أنه واقعٌ في حبّها حتى النخاع.’
لم ترَ آني مثل هذه الجديّة من قبل.
فبادرت بسؤالها مرة أخرى، ولكن بنبرةٍ ماكرة:
“وأين تحديدًا تكمن روعتها؟”
أجاب دون أن يتلعثم، وكأن قلبه يتحدّث بدلًا عنه:
“جميلة، طيّبة، حنونة، ذكيّة، رشيقة، شامخة، حكيمة، بارعة، أنيقة، ذكيّة…”
مرّتين ذكر “ذكيّة”.
وكأنها فضيلتها الأعظم.
ولم يكن يتوقّف، بل بدا وكأنه قادرٌ على تسمية مئة صفة أخرى، دون أن يشعر أنه بالغ.
‘كم أحبّها هذا الرجل.’
فكرت آني بصدق.
وتملّكها الفضول:
من تكون تلك التي احتلّت قلب الإمبراطور بهذا الشكل؟
إن نجح الأمر، ستراقبها من بعيد فقط.
فلا يجوز إلا أن تكون مدهشة.
لكن سيل المديح لم ينتهِ بعد.
“قويّة أمام الأقوياء، رقيقة أمام الضعفاء…”
وعندما اقترب المسرح، رفعت آني يديها، تقطع عليه انسياب مشاعره.
“كفى… إن كان جلالتك واقعًا في حبّها، فلا شكّ أنها امرأة عظيمة.”
ثم أضافت بنبرةٍ مرحة:
“والآن بعد أن تعلّمت مني، عليك أن تتودد إليها بجرأة!”
دار برأسه جانبًا، خدّاه المتوهّجان قالا ما لم يجرؤ لسانه على البوح به.
ثم توقّفت العربة، وقالت آني بابتسامة:
“ها قد وصلنا. هيا، اجلس.”
جلسا جنبًا إلى جنب في منتصف القاعة، أفضل مقعدٍ لرؤية كل شيء، لكن قلبه كان لا يرى شيئًا… سوى وجهها.
غطى “إيجد” قبعته أكثر، وأنزل بصره، كمن يخشى أن يُفضح شعوره.
لحسن الحظ، كانت القاعة شبه فارغة.
هدوء الظهيرة أبعد الزحام، لكنه لم يُبعد ارتباكه.
وفي اللحظة التي أمسكت آني بطرف سترته وقالت:
“أظن العرض سيبدأ. أنا متحمسة.”
بدأ الظلام ينسدل على الستار.
شعرت آني بالفرح، وظهر ذلك على ابتسامتها الهادئة.
أما هو…
فقد كان ينظر إليها كما لو كانت هي المسرحية.
‘جميلة…’
رنّت الكلمة في رأسه، لكنها لم تخرج من فمه.
قلبه وحده من قالها.
‘نحن قريبان جدًا…’
تملّكه شعور غريب بالذنب. كأنه يرتكب خطيئة، مع أن المسرح لم يضمّ إلا صمتًا ونغمًا خافتًا.
قبض على كفّه فوق ركبته، خشية أن يُسمع ارتعاش أنفاسه.
ابتلع ريقه الجاف، وأخذ يحدّق في المجهول، ثم عاد ينظر لها.
هل هو تأثير المسرح؟
أم تأثير أن تكون بجواره؟
الزمن انكمش حتى لم يعد فيه سوى “هي”.
ملامحها الجانبية بدت أكثر سحرًا تحت ظلّ الإضاءة، وسعادته كانت مرعبة… مؤلمة من شدّتها.
‘لو أن هذه المسرحية لا تنتهي أبدًا… لو أن الزمن تجمّد في هذا المقعد.’
كم كان سعيدًا، لا لأنه حضر عرضًا، بل لأنه شارك لحظة معها.
ووعد نفسه:
‘في المرة القادمة، سأتحقق من جدول العروض مسبقًا.’
هو يعرف ذوقها جيدًا الآن.
وخوفًا من أن تلتقط نظراته، وجّه بصره إلى المقعد الأمامي. على خشبته المنقوشة، برزت الأحرف: A.D.
كل المقاعد هنا، تقريبًا، تحمل نفس الحروف.
لم تكن مجرد صدفة.
في بوركاوس، عندما يتم تجديد المقاعد القديمة، يوجد تقليد قديم: أن تهدي اسم من تحب، وتنقشه على المقعد. إيمانًا بأن هذا الاسم سيُحاط بالصحة والسعادة.
القليل فقط يفعلونها…
لأن الخشب غالٍ للغاية.
لكن “إيجد”، دون أن يذكر ذلك لأحد، تبرّع بها كلها… باسمها.
‘أن أُشاهدها تجلس هنا، على اسمها، كالحلم تمامًا.’
لكنها كانت مرهقة على ما يبدو، بدأ جفنها يثقل، ثم انحنى رأسها بهدوء.
‘لا بد أنها تعبت. التنقل بالعربة مرارًا وتعليم رجلٍ يُلقّب بالجبّار… لا بد أن ذلك أنهكها.’
ومع مرور الوقت، بدأ لعاب خفيف ينساب من زاوية فمها.
يا لها من بساطة.
ويا له من مشهد لم يتخيّل يومًا أن يراه.
أخرج إيجد منديلاً من صدره، ومدّه نحو ذقنها بحذرٍ شديد.
كانت أصابعه ترتعش، حين لمس المنديل تلك الشفاه التي بدت أكثر امتلاءً مما تخيّل.
وفجأة…
فتحت عينيها.
ارتبك، تراجع، وكأن الحبّ انكشف فجأة في منتصف الطريق.
تصفيق، تصفيق، تصفيق.
بدأت القاعة تصفق، فصفقت آني بعفوية. أما هو، فقد خبّأ يده المرتجفة بسرعة.
رحل الناس، وهدأ المكان.
فقالت آني بابتسامة:
“نقطة إضافية لهذا العرض. ربما بدا مصطنعًا قليلًا، لكني استمتعت به.”
‘لقد مدحتني…’
احمرّ وجهه أكثر، حتى كاد أن يُضيء. ولولا العتمة، لانكشف توهّجه تمامًا.
قالت وهي ترفع إصبعها مهددة:
“لكن لا تفعل هذا أمام السيدة التي تحبها. سيُساء فهمك، وتبدو… منحرفًا.”
ضحكت، ثم أردفت:
“أمزح! لا تُحدق بي بتلك النظرة المخيفة، فحينها، ستبدو… مخيفًا فعلًا.”
ثم وقفت، ومدّت يدها نحوه.
آه…
فتح فمه قليلًا.
ظنّ أنها تطلب المنديل، وبدأ يُفتش جيوبه مجددًا، فزِعًا.
“رجاءً… رافقني.”
رفع عينيه، فرآها باسمة، يدها تتأرجح أمامه كدعابة.
“هيا.”
مدّ يده، وأمسك بها.
لم يستطع مقاومة الطلب، رغم أنه كان يشعر أن وجهه الساذج قد يُفضح إن نظر إليها طويلًا.
تسارعت خطواته.
وهي، كعادتها، قادت الحوار بلطف:
“هل استمتعت؟ كما رأيت… أنا نمت في المنتصف.”
“… أُه.”
“ماذا؟”
‘كان الأفضل…’
كاد أن يقولها، لكنه بلعها.
نظر إلى الزجاج المواجه له، فرأى وجهه. وجنتان حمراوان كالتفاح.
‘أبدو كالأحمق.’
فرك خدّه غير الممسك بيدها، وأخفت الابتسامة نفسها خلف تعبير جامد.
سألته:
“ماذا قلت، جلالتك؟”
هزّ رأسه نافيًا.
ثم…
تذكّر سطورًا من كتاب قرأه فجرًا:
> «كيف تصبح رجلاً جذّابًا؟»
قاعدة أساسية: لا تُظهر الكثير من مشاعرك.
فالطرف الآخر… قد يملّ بسهولة.
فقال بصوتٍ بارد:
“لم يكن سيئًا.”
التعليقات لهذا الفصل " 70"