في صمتٍ يشبه انحناءة الضوء عند الغروب، استمرّت دروس الحب، وكان لها جمالها الخاص، ذاك الذي لا يُقاس بالنتائج، بل بما يهتزّ في القلب أثناءها.
والفضل، كلّه، يعود إليه… إلى إيجد.
ذاك الذي لم يُعامل الدرس كترف، بل كوصيةٍ يكتبها الزمن على راحة اليد.
كان منصتًا لا يرد، متقبّلًا لا يُجادل، وفي كل مرة يُحاول أن يُطبّق ما علّمته، كانت “آني” تشعر بأن قلبها يُمزَّق بخيطٍ خفيّ من الدهشة.
‘أيعقل أنني أُشاهد الإمبراطور بهذا الشكل؟ كمن لا يعرف كيف يمشي على أرضٍ لم يُطأها من قبل؟’
كان يخجل، يُظهر في وجهه اضطرابًا نادرًا، يعضّ شفتيه، ويلوّذ بعينيه عن وجهها كما يهرب الضوء من خدّ المرآة.
وحين تلتقط هذه الارتجافات، تشعر أنها وحدها مَن يراها، وكأن ممرات القصر الرهيبة، أصبحت أكثر لطفًا…
أقرب إلى ممرات الذكرى منها إلى ردهات العرش.
لا أحد هناك.
الصمت يملأ الأركان كالماء في جوف البئر، لكن الزينة كانت تحكي شيئًا آخر.
“الورد… اليوم أيضًا؟”
علّقت الورود على الجدران كأنها لُآلئ خجولة.
ورداتٌ نُزعت منها الأشواك برقة، بلا خدشٍ، بلا ندبةٍ في ساق أو بتلة.
“من ذا الذي يملك هذا الصبر، وهذه الرهافة؟ أي يدٍ تفكّر بالورد أكثر مما تفكّر بنفسها؟”
وهي تسير وسط الحُسن، ظهر في نهاية الممر وجهٌ تعرفه.
“فيز.”
“مرحبًا… آنسة دْسِف.”
“…آه، نعم. أهلًا بك.”
كان صوته غريبًا، ملفوفًا بطبقة من السخرية الطفولية.
توقّفت “آني”، تتأمل في نبرة التحيّة أكثر من كلماتها.
تعاملت سابقًا مع معاوني الإمبراطور، وكانت قد أدركت أن “دوهير” يُشبه العقل حين يُصبح حكيمًا، أما “فيز”، فكان شيئًا آخر… ريحًا مُقلقة لا تُقرأ بسهولة.
اليوم، أيضًا، كانت نظراته ممتلئة بالرفض.
لكن آني لم تكن من أولئك اللواتي يتهرّبن.
“هل ثمّة ما تحتاجه مني؟”
قال بنبرة يُخفي تحتها الأمر:
“اقترح جلالته أن تتناولوا العشاء اليوم، بعد الانتهاء من جولة بحث السوق… هل توافقين؟”
لم يكن سؤالًا.
كان اختبارًا.
وكان أمرًا، وفي الوقت ذاته… كان طلبًا أن ترفض.
‘لا تفعليها!’
صرخت عيناه، تلك الزُرقة الباردة الممتلئة بنداءٍ مكتوم.
‘هل أخطأت في شيء؟ هل تجاوزت؟’
فكّرت للحظة، ثم هزّت رأسها داخليًا.
لا، لم يكن هناك ما يُثير الغضب.
إذن، لماذا هذا العداء الصامت؟
“تشش.”
أدار “فيز” وجهه، قابضًا ذراعيه في تحدٍ خفيّ.
‘يا للفظاظة…’
ضحكت “آني” في سرّها، وتذكّرت ما قالته لها سيدة نبيلة ذات مساء:
> “القصر مليء بالوجوه التي تبتسم… وتُخفي السكاكين خلفها.”
نظرت إليه بنصف ابتسامة، وقالت:
“بما أن جلالته اقترح ذلك، فلن يكون من الأدب أن أرفض.”
فيز تقلّب وجهه بين الغيظ والاضطراب.
لكنها أرسلت له ابتسامة هادئة، ثم قالت:
“سأسبقك إذًا.”
تركته واقفًا كتمثالٍ نُحت عليه الذهول، وانطلقت بخفة.
—
داخل العربة، جلس “إيجد” بزيٍّ لم يعتده أحدٌ من قبل.
بلا وسام، بلا رتبة، بلا صخب.
فقط قبعة سوداء، وبدلة أنيقة تُشبه المساء إذا ارتدى الصمت.
‘كان محبوبًا… من الجميع. لكن، ماذا حدث كيف تحوّل ذاك الحنون إلى طاغية في أعينهم؟’
كادت أن تسأله، لكنها ابتلعت السؤال، واختارت أن تظل في موقعها… معلّمة الحب، لا مؤرخة الجراح.
—
كان درس اليوم ميدانيًا…
والوجهة: المسرح الأشهر في بوركاوس.
الـمـسـرح…
أرضٌ يجتمع فيها الناس لا ليتفرّجوا فقط، بل ليقتربوا…
ليلتحم الصمت بين قلوبهم أكثر من الكلمات.
العتمة، المقاعد المتجاورة، الضحك المشترك، ويدٌ تمتدّ لتقاسم قطعة حلوى.
“درس اليوم… ليس فقط عن الحب. بل عن القرب، عن اللمسة، عن مشاركة السكون.”
لكن “إيجد” رأى نظرةً غامضة في وجهها، فقال فجأة:
“هل أبدو غريبًا؟”
“…هاه؟”
“أنا… هل أبدو غريبًا؟”
ارتبكت “آني”،
تأملت مظهره…
كان وسيمًا بطريقة تُربك الحواس.
هدوؤه، قبعته، نظراته… كل شيء فيه كان يهمس، لا يصرخ.
“تبدو… رائعًا.”
أدار نظره إلى النافذة، صوته ساكن، ووجهه كأنه لوحة دون تعليق.
لكن ذقنه… ارتجف.
“هل تتحدث كثيرًا معها؟”
“أحاديث بسيطة.”
“قلتَ إنها تُحب المسرح والموسيقى… أي نوع تفضّله؟”
“كل شيء.”
“أتعني… لا شيء؟”
ابتسمت في سرّها.
لا وجود لكلمة “أي شيء” عند امرأة تعرف ماذا تريد.
“ما آخر عرض حضرته؟”
“…ريبيليكا.”
“ستّ آعوام مضت!”
نظرت إليه بدهشة، لكن وجهه ظل كما هو… عدا ارتعاشة الذقن.
“آه، نعم، كانت جميلة… وأنا أيضًا أحببتها.”
قالتها لتُخفف عنه.
“لكن… إن أردت أن تقترب منها، فمن الجيد أن تعرف ما تحب. المسرح يُقرّب أكثر من الكلمات أحيانًا.”
أومأ.
سألته:
“ما العروض الموجودة اليوم؟”
“نان كارينينا، الأيام التي سبقت، وأكسونكاليبور.”
“نان كارينينا.”
قالها فورًا، دون تردد.
“جميل… كنت أفتقدها أنا أيضًا.”
ابتسمت.
هذه المسرحية كانت الأقرب إلى قلبها.
شاهدتها مرارًا… وكانت لا تملّها.
‘آخر مرة شاهدتها… كنتُ برفقة جون، لكن…’
خفت بريق عينيها الأرجوانيتين، وتحوّلت الذكرى إلى ظلٍّ لا يمكن محوه.
‘حتى الحب الذي مضى، يترك ندبةً لا تُرى…’
التعليقات لهذا الفصل " 69"