‘دعنا نرى…’
جلست “آني” في سكون يشبه خشوع المطر حين يلامس النافذة، أخرجت دفترها، ومدّت القلم كما تُمدّ اليد لقصيدة، وبدأت تكتب:
«جلالته أعزب منذ وُلِد، أعزب منذ أن تنفّس للمرة الأولى، أعزب، لا لأن قلبه حجَر، بل لأن لا أحد اقترب بما يكفي ليذيب الجليد.»
هكذا كتبت، ثم نظرت للسطور بصمتٍ، وكأنها تود لو تمسح عن وجهه ظلّ الوحدة القديمة.
تنهدت، وهمست في داخلها كمن يناجي مرآة:
“أعقد مما ظننت… يا ترى، هل سيستطيع النجاة من هذا القلب؟”
ثم، كأن الصدفة تنبض بالحياة، رأته يقترب من بعيد…
خطواته لا تصدر صوتًا، وجهه يحمل وسامة هادئة، كالقمر حين يغرق في بحرٍ من الغيم، لكن…
في عينيه شيءٌ خائف. كأن كل أنثى مرآة تكشف ضعفه.
“يرتجف كلما أبصر أنثى، ويتلعثم قلبه قبل صوته.”
أغلقت آني دفترها، نهضت، وأخفت شيئًا من خجلها خلف ضحكةٍ صغيرة.
لكنه كان يقف أمامها مرتبكًا، كطفلٍ لا يعرف إن كان الضوء القادم من الباب يعني خلاصًا أم فخًا.
قال، وكأنه يمشي فوق زجاج:
“هنا… سيكون درسنا؟”
أجابت بنبرة هادئة:
“نعم، يا جلالة الإمبراطور.”
“…ماذا لو رآنا أحد؟”
آه، أيّ رجلٍ هذا؟
قيل إنه قاسٍ، قيل إنه قاتل، قيل إنه يعبث بقلوب النساء كما يعبث الليل بالندى…
لكن من هذا الذي يقف الآن؟
رجلٌ لا يعرف كيف يمسك يدًا دون أن يحمرّ خجلًا؟
قالت له مازحة:
“أتخشى أن يظن الناس أننا نحب بعضنا؟ لا بأس… لعلهم يغارون.”
أخفض رأسه، لم يجب.
قالت في نفسها:
‘وجهه لا يعرف الكذب، لا يعرف القسوة، إنه شفافٌ أكثر من اللازم.’
ثم ابتسمت ورفعت يدها نحوه كمن يدعو ظلًا للخروج من الغابة:
“هيا، رافقني.”
توقف لثوانٍ. عيناه لم تهربا منها هذه المرة.
لم يكن يلبس قناعًا…
ولا يعتمر تاجًا…
ولا يخفي عينيه خلف حجاب الحذر.
‘وجها لوجه… لأول مرة.’
شعر بشيءٍ يتحرك في صدره، شيء لم يجرؤ على تسميته بعد، لكنه جعل يديه ترتجفان كأنهما تُولد من جديد.
‘إنها تمسك بيدي… هل… هل هذه رعشة أم دفء؟’
لكن يده كانت مرتخية، خافتة، كأنها لا تعرف معنى اللمس.
قالت له، وهي تضحك برقة:
“عندما تمسك بيد سيدة، تخيّل أنك تمسك بكوب ماء… لكن لا تتركه ينسكب من بين أصابعك!”
ارتبك أكثر، فشد قبضته قليلاً.
ضحكت:
“هكذا! ألا تذكر كيف أمسكت بي عندما رقصنا؟”
لكنه لم يرد.
تذكّر… في ذلك الحين، كان يخفي نصف وجهه تحت قناعٍ ثقيل.
كم هو غريب…
قيل إنه طاغية، وها هو الآن لا يعرف كيف يُمسك بيد امرأة.
نظرت إليه، تملأها الريبة والدهشة:
“…هل تتصنّع ذلك؟”
لكنه حين نظر إليها، أدركت الحقيقة:
‘لا… ليس تصنّعًا، بل خوفًا… ربما لم يتعلّم أبدًا كيف يكون محبوبًا.’
تململت، وغيّرت نبرة صوتها إلى الحزم الممزوج باللطف:
“حسنًا، دعنا نعيد المحاولة.”
—
وفي الجانب الآخر من المكان، خلف ظلّ شجرة تُحاكي خريفًا صامتًا، وقف “دوهير”، يُراقب المشهد، وعيناه تلمعان كطفل يرى أباه يبتسم للمرة الأولى.
‘جلالتك… لقد خطوتَ خطوةً في طريق لا يُداس مرتين.’
كان يرتجف من فرط التأثر، وجه الإمبراطور، رغم تجلّده، كان يضيء… يزهر.
‘يا لجمال تلك اللحظة… لقد أصبح قلبك مرئيًا.’
فجأة، ظهر “فيز”، وجهه يشعّ بالدهشة:
“ما هذا؟ جلالته يمسك بيد السيدة دْسِف؟!”
تردّد دوهير، وحاول تبرير المشهد:
“ربما… إنها طريقة مواساة ملكيّة… بعد إعلانه العزوف عن الزواج.”
لكن “فيز” أشرق وجهه بنظرة ملهمة:
“آه! فهمت! جلالته… يواسيها! إنه يبني الثقة من جديد! أحب ذلك الرجل!”
سعل دوهير، وقال لنفسه:
‘أحمق… لكنه بريء، مثل سيّده تمامًا.’
ثم التفت مرة أخرى…
ورأى الإمبراطور…
يضحك بخجل، ويخفي وجهه بيديه. ضحكة تشبه الندى حين يُلامس النار لأول مرة.
“فيز” صمت، واتسعت عيناه:
“جلالتك…؟”
لقد فهم.
وللمرة الأولى، رأى “الوحش” الذي تحدثت عنه القصص…
يخجل كطفل، ويحب كما لم يُحب من قبل.
التعليقات لهذا الفصل " 68"