كان باب غرفة الاستقبال موصدًا بإحكام، تحوم خلفه أسرار تُنسَج في الخفاء.
ألصق فيز أذنه بخشب الباب، مغمضًا عينيه، مستسلمًا لرهبة اللحظة، بينما أمسك دوهير بياقة سترته وجذبه بتأنيب:
“… سيدي الكبير.”
“اصمت قليلاً… قد أسمع شيئًا.”
رغم أن منظره كان مثيرًا للشفقة، فإن انحطاط فيز لم يعرف حدودًا.
رفع دوهير يده لجبينه، لم يكن مصابًا بالحمى… لكنه شعر بحرارة تتصاعد من الضيق.
‘هل يظن أنه سيسمع شيئًا حقًا؟ آه… يا لرعونته.’
فيما ظل فيز يهمس بسخافاته:
“لماذا لا أسمع شيئًا؟ هل يتحدثان عن أسرار خطيرة؟”
تمتم دوهير، نبرة السخرية تتسلل لصوته:
“ألا تعلم أن هذه الغرفة معزولة عن الأصوات بشكل مثالي؟”
“آه… صحيح! لهذا السبب تُدعى غرفة الاستقبال الخاصة.”
ارتعشت زاوية فم دوهر بيأسٍ مكتوم.
‘لا أصدق أن هذا الرجل… رئيسي المباشر.’
حاول كتمان إحباطه، شد ياقة فيز أكثر، وسحبه بقوة.
“آه… مهلاً! إلى أين نحن ذاهبون؟ علينا حماية جلالته!”
“لو استمررت بهذه الحماقة، لن ينتهي الأمر على خير… بل سيتدهور.”
“أيها الأحمق!”
وبينما كان يسحب فيز كدمية محشوة، التفت دوهير بنظرة خاطفة إلى الباب المغلق.
‘تم حظر الدخول مسبقًا… ومن الواضح ان دْسِف قادرة على إدارة الأمر بذكاء.’
تراءى له وجه الإمبراطور إيجيد المتيبس خلف الباب، فانحنى دوهر قليلًا وهمس في نفسه:
‘جلالتك… قاتل بعزم.’
رفع قبضته في الهواء كمن يهتف للتشجيع، ثم خطا مبتعدًا بخطوات ثابتة.
في الداخل، جلست آني على الأريكة، فتحت حقيبتها الجلدية العتيقة، وأخرجت منها أوراقًا متعددة.
طرطق… طرطق…
رتبت الأوراق بدقة وهمست بثبات:
“اعرف عدوك… واعرف نفسك… تنتصر في كل معركة. أولًا… علينا تحليل حب جلالتك… هل استوعبت؟”
كاد إيجيد أن يرد بفطرته المعتادة لكنه كبح الكلمات في حلقه، تذكّر أن آني طلبت منه التحدث ببساطة.
لقد قضى الليل يسهر ويتدرّب، والآن قال ببطء، كمن يخطو خطواته الأولى:
“… مفهوم.”
ابتسمت آني بإعجاب وتابعت:
“جيد… أول سؤال… ما الفئة العمرية للسيدة التي تحبها جلالتك؟”
“في العشرينيات… منتصفها إلى أواخرها.”
‘همم… يميل لمن هن أكبر منه؟’
تأملت آني حمرة خديه الطفيفة ونظراته الخجولة.
“هل هي اجتماعية؟ تحب الحفلات والمناسبات؟”
هز إيجيد رأسه بعنف نافيًا.
“طعامها المفضل؟”
“الأطعمة الحلوة والمالحة… أو الحلوة والحارة… والحلويات.”
‘هاه… ذوقها يشبه ذوقي… النساء جميعهن يتشاركن حب الحلويات.’
أومأت برأسها بإدراك، ثم واصلت:
“هواياتها؟”
“علاقتها بإخوتها؟”
“نوع الرجل الذي تفضله؟”
توقف إيجيد للحظة حين سُئل عن “نوعها المفضل”، ثم، وهو يجاهد صوته، أجاب:
“… الرجل الجذاب…”
‘… ماذا؟’
ارتسمت على وجه آني ابتسامة مشوبة بالدهشة، فكلما تقدمت في الحديث، بدت صورة الفتاة التي يحبها إيجيد… أقرب وأقرب إلى انعكاسها هي نفسها.
ومع ذلك، تماسكت… أومأت كمن عقد العزم:
‘حسنًا… هذا لصالحنا.’
لم يكن الأمر سيئًا، بل فرصة ذهبية… إن كانت في مثل عمرها وطباعها، فستكون الطريق إليها أسهل.
همست آني لنفسها:
“الحقيقة أن إرضاء امرأة بصفات معينة ليس بالأمر السهل… من الصعب أن يبدو شاب صغير مثيرًا وجذابًا.”
لكن حين نطقت بكلماتها غير المتعمدة، لاحظت ظل حزن يمر على وجه الإمبراطور كطفل فُقدت منه لعبته.
‘… هل تحطم قلبه؟’
رفعت قبضتها أمام فمها وسعلت بخفة:
“جلالتك… أتدري ما يميز الرجل الحقيقي؟ ثقته بنفسه! كن واثقًا.”
“… واثق؟”
“نعم… الثقة. يُقال عنك إنك تُحطم كل شيء أمامك… هذا… مزاح.”
رأت في عينيه وهجًا غريبًا… كأنه طفل يُشجَّع للمرة الأولى.
‘… ما هذا الشعور العجيب؟ هل أشعر بفخر كمعلمة؟’
شدّت قبضتها بحماس:
“الحب مطرقة عادلة… لا يعوقه جدار… فقط تقدم بثقة… لكن لا تنسَ احترام الطرف الآخر… حين تُقال كلمة (لا)… تتوقف فورًا.”
كانت واثقة من احترامه للحدود، رأته يهتم بالكلاب المشردة، واحترمها كـ”مدربة حب”.
“… فهمت؟”
أومأ إيجيد بحماس، بعينين تلمعان كطفلة ترى حلمها يتحقق.
‘كلما نظرت إليه… ذكّرني بلانغ حين كانت صغيرة…’
ابتسمت آني بعذوبة… فكرة ترويض الطاغية عبر دروس الحب باتت فكرة ساحرة.
‘لو نجح الأمر… قد يكون عونًا لعائلتي… وربما… لأخي…’
لكن فجأة… نهض إيجيد بسرعة:
“انتظري.”
“… ماذا؟”
غادر مسرعًا دون إجابة.
‘… هل ذهب للمرحاض؟’
تطلعت آني نحو الباب بدهشة.
في الخارج… قبض الإمبراطور على مقبضي الباب بكلتا يديه.
دق… دق…
قلبه كان يقرع أقوى من إغلاق الباب.
انحنى، يهمس لنفسه بعذاب:
“آآآه… ماذا أفعل…”
لقد ضحكت آني…
ضحكت أمامه!
‘سأموت من التوتر…!’
وفوق هذا… تحدث معها بلا ألقاب… ببساطة…
‘تحدثتُ… مع الآنسة آني… لا… مع آني فقط…’
رفَع رأسه… لا وقت للتردد… عليه الإمساك بهذه اللحظة.
خطر بباله كتابٌ تصفّحه ذات مرة: “كيف تصبح رجلًا مثيرًا!”
‘قالوا… فك الأزرار… وأظهر قوتك!’
بأطراف أصابعه المرتجفة، فكّ زرّيْن من قميصه، ورخّى رابطة عنقه.
‘هوووه… رجل جذاب… رجل جذاب…’
ابتلع ريقه بصعوبة…
المعركة الحقيقية… على وشك أن تبدأ.
التعليقات لهذا الفصل " 66"