“لا تُخفي الحقيقة يا سيدتي… أخبريني بصدق، ما الذي حدث؟”
أجابت آني بنبرة ثابتة تخفي خلفها ارتباكًا:
“لقد قلت كل ما في جعبتي بالفعل.”
كانت المفارقة الساخرة، أن أكثر ما وجدت آني صعوبة فيه لم يكن خداع الطاغية، بل كان خداع كارلا، خادمتها التي تعرف تفاصيل أنفاسها.
وجه كارلا، الجالسة مقابلها في عربة تترنح مع حركة الخيول، كان خالياً من أي لمحة للمرح المعتاد… لقد كان وجهًا أكثر رهبة من وجه الطاغية ذاته.
شعرت آني بقطرات عرق باردة تزحف على ظهرها.
‘إنها تشبه شبحًا جائعًا…’ لمعت الفكرة في ذهنها، مشيرة بذلك إلى إصرار كارلا المخيف على معرفة الحقيقة.
رغم ذلك، واجهت آني نظرة خادمتها المتقدة بالحيرة بنبرة متماسكة، مخفية كل اضطراب:
“كل ما كان… نصائح تجارية لا أكثر. جلالته كان في الجبهة الأمامية مؤخرًا.”
تقلصت عينا كارلا بغضبٍ صامت، وانفجرت قائلة:
“لماذا تستمرين في ترديد هذا الهراء؟”
ابتسمت آني بسخرية خفيفة:
“لأنه الحقيقة… أم تودين مني أن أختلق كذبة لم تحدث قط؟”
تنهدت كارلا، تنهيدة من تلك التي تحمل خيبة أمل عميقة. لا يمكن لعقلها أن يتقبل أن الطاغية يستدعي شخصًا إلى القصر الإمبراطوري فقط لمجرد تبادل الحديث في التجارة.
كانت لا تعرف فحوى ما دار بين سيدتها والإمبراطور… لكنها خافت عليها كما تخاف أم على رضيعٍ ضائعٍ عند شاطئ مظلم.
لم يكن الأمر متعلقًا بذكاء آني، الذي طالما اعتبرته كارلا يقينًا لا يتزعزع، بل لأن جنون الطغاة لا يخضع للمنطق.
تمتمت كارلا بقلق يشوبه الغضب:
“ذلك الطاغية المجنون… لم يكن برفقته خدم ولا مساعدين… رجلٌ كهذا لا بد أن يكون قاتلًا… يجد لذةً في رقصة السيوف.”
“كارلا…”
قاطعتها آني محذرة.
لكن كارلا لم تتوقف، وأطلقت نيران شكوكها:
“ولماذا لم يكن هناك مرافقون هذه المرة كما كان الحال في السوق؟ أتظنين أنه تركهم من أجل راحة الخدم؟”
كان هذا ما حيرها أكثر من أي شيء آخر… الطاغية كان معروفًا بعدم تحركه من دون خدم أو مساعدين… فلماذا الآن… بلا أحد؟
واصلت كارلا تضييق الخناق على سيدتها:
“ألا يُحتمل أن كل ما يُقال صحيح… أنه قتلهم جميعًا كما تقول الشائعات؟”
حاولت آني أن تبقى ثابتة، رغم الاضطراب الذي بدأ يزحف إلى داخلها:
“كفى… جلالته ليس بذاك السوء الذي تتصورينه.”
ردت كارلا بعينين غارقتين في قلق حارق:
“وكيف يمكنكِ أن تعرفي هذا؟ الأمر أخطر مما تتخيلين… أخطر بكثير.”
في عينيها، لم يكن مجرد قلق… كان خوفًا صريحًا من أن تقع سيدتها العزيزة في قبضة شيء مظلم… شيء قد يترك أثرًا لا يُشفى في قلبها.
مدت آني يدها، وأطبقت بأصابعها الصغيرة على يد كارلا المرتجفة:
“جلالته قدّم لي دعوة مهذبة… عرضًا راقيًا… لم يكن ابتزازًا ولا تهديدًا. لو كان من أولئك الرجال المجانين، لما التزم بأدنى أعراف اللباقة. كل شيء موثق… جميع العقود بحوزتي… وانظري… هذا توقيع جلالته.”
لكن كارلا، التي التقطت الورق بعينين مرتابتين، تمتمت:
“ليس كل ما نراه يمثل الحقيقة.”
تنهدت أخيرًا، وكأنها سلّمت أمرها لما لا قدرة لها على تغييره.
دخلت آني القصر بخطى ثابتة، مستمرة في تهدئة قلب خادمتها بكلمات رخيمة.
“لذلك، في الفترة المقبلة، سأذهب وأعود من القصر الإمبراطوري… خذي… هذا هو العقد.”
وضعت آني الوثيقة على الطاولة، يدها الصغيرة تخط في الهواء ثقلاً لا يُرى.
في لحظة خاطفة… عمّ الصمت، وغمرت الدهشة وجوه الأسرة جميعًا… كان صمتًا أكبر حتى من يوم إعلانها رفض الزواج منذ ستة أعوام.
نقرت آني لسانها داخل فمها بضيق:
“كنت أتوقع رد فعل صادم… لكن ليس بهذه الحدة.”
خيم الشحوب على وجوه الجميع… وحدها والدتها، لوبيز، ظلت هادئة في مقعدها.
تنحنحت آني قليلًا قبل أن تواصل بلهجة هادئة مدروسة:
“لا داعي للمبالغة في القلق… هذا أمر بسيط، وجلالته سيكافئ عائلة دْسِف بقدر عادل…”
لكن صوت أخاها، ديفيد، اخترق الغرفة كالبرق:
“آني ميل دْسِف… هل جننتِ تمامًا؟!”
جذبت هيريا، زوجة أخيها، كمّه بقوة وهمست:
“عزيزي… لا تخاطبها بهذه القسوة…”
إلا أن ديفيد لم يكبح جماح غضبه:
“اصمتي… يبدو أنها لا تعرف كم أن حياتها ثمينة!”
حتى والد آني، الذي طالما افتخر بابنته التي صنعت لنفسها اسمًا يتردد صداه في الإمبراطورية، لم يستطع إخفاء امتعاضه… بل عبس حاجباه حتى تجعدا بشراسة.
“ابنتي… ذخر عائلة دْسِف… تفاخر بها البلاط… ومع ذلك… تتجرأ وتقول إنها تحالفت مع الطاغية بكل بساطة!”
ضغط بقبضته على الطاولة بقوة، كأنما يريد أن يقتلع الخشب:
“حتى لو جلبتِ لنا أرباحًا… هذا أمر لا يمكن قبوله إطلاقًا! كلمة في غير محلها وسيفه سينقض عليكِ… وإن نطقتِ بما لا يعجبه… فسيُنهش لحمك في المجالس!”
“أبي…”
لكن صوته كان صلدًا، قاطعًا:
“عودي إليه فورًا… سأُسوي هذا بيدي.”
كانت آني على وشك الرد، لكن لوبيز قاطعتها بنعومة قاتلة:
“آني…”
“نعم يا أمي…”
“كيف كانت حفلة التنكر؟”
تبدل محور الحديث، كريح خريفية تغير مسارها، فتجمدت العائلة في مكانها من الدهشة.
قالت لوبيز، بصوت ناعم كأمواج بحيرة راكدة:
“هل اكتفيتِ بالتجول هذا العام أيضًا؟”
كادت آني أن تنفي، لكنها ارتبكت… خُيل لها وجه إيجيد… ذلك الرجل الذي دعاها فجأة للرقص… وعينيه العميقتين تلمعان في ظلال الأقنعة.
أخذت نفسًا عميقًا، ثم همست وهي تهز رأسها بخفة:
“لا… لقد رقصتُ… مرة واحدة فقط.”
ارتسم فضول دافئ في عيني لوبيز، وقالت بابتسامة غامضة:
“فهمت… يمكنكِ الانصراف.”
“لكن…”
“سأتولى البقية.”
التقت نظراتها بعيني زوجها… ثم مسحت ببصرها الحاد جميع أفراد العائلة.
ارتعشت الأكتاف… حتى ذلك الرجل الذي اعتبر نفسه سيد المنزل… لأنه في هذا القصر… السيدة الحقيقية، حاكمة العائلة، كانت لوبيز… لا أحد سواها.
وبينما غمر الوجوم الأرجاء، تمتم ديفيد أخيرًا:
“أمي… هذا تهور… الطاغية خطر محدق.”
ابتسمت لوبيز ابتسامة باردة:
“ليس بقدر ما تتخيل… جلالته لم يمد يده أبدًا بالسوء على الخدم الذين يعملون في شؤون الإمبراطورية.”
التعليقات لهذا الفصل " 64"