ارتبك إيجيد، وقد طغى عليه الحرج، محاولًا التبرير، غير أن آني سبقته، تتكلم بهدوء يعرف كل شيء.
“لا داعي لإخفائه عني… أعتذر… لقد حدث أن قرأت الرسالة عن غير قصد.”
في لحظة خاطفة، تدفق الدم إلى وجه إيجيد حتى احمرّ بلون الفراولة الناضجة.
حين أمسك القلم، كان ما كتبه نابعًا من أصدق مشاعره، لكنه الآن، وقد قرأته آني، شعر بالعار الشديد وكأن الأرض قد ضاقت به، متمنيًا لو يستطيع الفرار إلى أي زاوية مظلمة يختبئ فيها.
كانت تلك أول مرة في حياته يستعين فيها بتعابير شاعرية ليبوح بمكنونات صدره، والآن…
كاد يركل الغطاء برجليه خجلاً، كما يفعل أولئك الذين يتقلبون في أسرتهم ليلاً تلاحقهم لحظات خزي قديمة.
‘لابد أنها ستظنني غريب الأطوار…’ تردد صوته المضطرب في أعماقه.
أخذ إيجيد يراقب آني بحذر، يحاول قراءة ملامحها، إلا أن آني، على عكس توقعاته، شعرت بالطمأنينة من تصرفه.
‘بالطبع… هذا هو الشاب الطيب، الساذج… الرجل الذي يشبه جروًا صغيرًا،’ فكرت آني، مبتسمة داخليًا.
رغم ما يحيط به من سمعة الطغيان، لم يكن هذا الرجل، في قرارة نفسه، إنسانًا شريرًا.
لم تكن تعرف كل تفاصيله، لكنها وثقت بحدسها… ذاك الشعور الذي لم يخذلها يومًا.
‘الأفضل ألا أتورط معه قدر الإمكان… ومع ذلك…’
ظلت صورة تلك الرسالة تعاودها، تتراقص أمام عينيها، تذكرها بالدموع التي أفرغتها على وسادتها ذات ليلة.
لقد لمست في تلك الكلمات بوح قلب عاشق، لا قسوة طاغية.
“آه، أيتها الملكة سيلفاس… أحطني بحمايتك مجددًا…” تمتمت آني، تطوي ارتعاش قلبها تحت تنهيدة عميقة.
ثم تابعت، بنبرة ثابتة:
“لقد أعددت الرسالة والخاتم من أجلها، أليس كذلك؟”
“في الحقيقة… لقد تأثرت. عندما رأيت مدى صدق رغبتك… تمنيت لك النجاح.”
“ذلك…”
“هشش… لا داعي للإخفاء بعد الآن، لقد كتمت هذا طويلاً، أليس كذلك يا جلالة الإمبراطور؟”
“…نعم…”
لم يكن هناك ما يمكنه قوله أكثر من ذلك. بتعبير مشوش، أومأ إيجيد بتردد.
قرر أن ينصت لحديث آني حتى نهايته دون مقاطعة.
تنفست آني بعمق، ثم قالت:
“سأبذل قصارى جهدي لأساعدك في الوصول إلى قلبها.”
ثم أضافت، وقد برق في عينيها شيء من المكر الطريف:
“لكن… بالمقابل.”
أخرجت من حقيبتها الجلدية الصغيرة التي أعدتها مسبقًا بعض الأوراق، وابتلع إيجيد ريقه بصعوبة وقد اشتعل وجهه حمرةً وارتباكًا.
لم يكن يعرف إلى أين تقوده هذه المحادثة، كان يدرك تمامًا… لقد وقع سوء فهم هنا.
لكن العجيب أن هذا “سوء الفهم” لم يكن كارثيًا… بل العكس.
ذلك الذي اعتاد أن يرى الأمور إما سوداء أو بيضاء، ها هو يقف في منتصف قلبه المربك.
‘هل أعترف الآن…؟’ جالت الفكرة في رأسه.
‘هل أُخرج الصندوق من معطفي، أضعه على الطاولة البيضاء وأعترف؟’
‘في مثل هذا الوضع… لا… لا يمكنني، ليس الآن…’
تمتم بينه وبين نفسه.
وفي هذه الأثناء، أخرجت آني أربع أوراق بيضاء متتالية، قلم ريشة، وزجاجة حبر صغيرة. دفعت بالأوراق أمامه بثقة تامة.
التعليقات لهذا الفصل " 63"