كانت آني تضغط على صدغيها بكفيها حينما لمع بريق الفضول في عيني كارلا.
“آنستي… لماذا كان معك معطفه ليلة الأمس؟”
يبدو أن عينَي كارلا الحادتين قد اكتشفتا ما أخفته آني بعناية تحت سريرها.
‘لحسن الحظ أنني خبأت الرسائل والخاتم داخل درج المكتب…’
لكن، حتى لو خدعت الجميع، لن تنجح في خداع كارلا. أجابت آني بصوت هادئ متزن:
“كنا نتحدث قليلًا في الشرفة… وأعارني معطفه من باب المجاملة.”
كارلا لم تقتنع وسألت بمزيد من الفضول:
“طالما أعاره لكِ، فعليكِ إعادته. من أي عائلة هو؟”
“بوركوس.”
“كما توقعت… من بلدنا إذن. لكن من أي منزل نبيل؟”
في الواقع، مالك إمبراطورية بوركوس هو بوركوس نفسه… فالاسم وحده يفضح الحقيقة: «إيجيد جان بوركوس».
‘… كيف انتهى بي الأمر إلى هذا التورط؟’
شعرت آني بضيق داخلي غامض، فتمددت قليلًا، تتنفس بعمق قائلة:
“من منزل… بو… بوركوس.”
كارلا عبست بحاجبها:
“هل تمزحين معي يا آنستي؟”
ومع ذلك تابعت بإلحاحها المعتاد:
“متى ستُعيدين المعطف؟ هل أرسله مع الخدم؟”
ثم سألت بجدية:
“أم أنكِ تنوين الاحتفاظ به؟”
تجهمت ملامح آني، فقد كان من العبث أن تذهب إلى القصر الإمبراطوري لتُعيد معطف الإمبراطور بيدها.
لكنها أيضاً لا تستطيع أن تترك المعطف وما رافقه من أشياء في حوزتها.
‘أكاد أفقد صوابي…’
تنهدت بحرقة، لا تعرف إن كانت تخوض حربًا مع عقلها أم قلبها، حتى قطع أفكارها كبير الخدم وهو يركض بلهاث واضح:
“آنستي! آنسة آني!”
كان مشهد كبير الخدم وهو يركض أشبه بخرقٍ غير مألوف لهدوء المنزل.
زاد قلق كارلا التي أمسكت بطرف كم آني:
“آنستي… هل حدث شيء سيء؟”
“لا تقلقي…” أجابت آني بهدوء مفاجئ ورفعت جسدها باعتدال.
وصل كبير الخدم أمامهم، ويداه العجوزتان ترتجفان وهو يقدّم إليها مظروفًا داكن اللون.
“من… من القصر الإمبراطوري… لقد وصلت رسالة…”
أخذت آني الرسالة، قرأتها بعناية، ثم أومأت برفق:
“جهزوا العربة.”
شهقت كارلا في اعتراض فوري:
“آنستي! لماذا تذهبين! لماذا تلبين دعوة أرسلها أحد أتباع الطاغية؟!”
ردّت آني بصوت ثابت:
“لأنها مسألة تخص الدولة.”
“ما الذي يجري بحق؟! لماذا أنتِ بالتحديد؟! إن احتاجوا المساعدة فليطلبوها من السيد ديفيد! أنتِ أذكى منه بمراحل!”
أغمضت آني عينيها، ثم فتحتها ببطء، نبرة صوتها انخفضت، ولكن وقعها كان واضحًا:
“كارلا… كدت أغضب قليلًا.”
في زاوية المكتب، تنحنح ديفيد بخفة، شاب قصير القامة يشبه شقيقته الصغيرة حتى في القامة، رمق الجميع بنظرات تجمع بين الاستغراب والتحفز.
الجميع كان في حالة من الهلع والضجيج، بينما هي كانت تُحضّر قلمها ودفتر ملاحظاتها، تستعد لأي مواجهة قد تأتيها في القصر.
المُرسل هو دوهير دي روبل… كبير معاوني الإمبراطور نفسه.
‘كبير المساعديين يرسل رسالة؟’
هذا وحده كان كفيلًا بإدخال الأسرة في دوامة من الدهشة.
لكن آني قالت ببساطة:
“العربة…”
“جاهزة بالخارج… لا! هل ستذهبين حقًا؟!”
“اذهبوا وقتما تشاؤون… لكن بالنسبة لي… من الأفضل الذهاب الآن.”
وبدأت في جمع أغراضها بهدوء مهيب.
…
وفي حديقة القصر الإمبراطوري، حيث تتلألأ أشعة الشمس بين الأغصان… جلست آني قبالة إيجيد.
جلس هو في صمت، شفتاه القرمزيتان تحركتا أخيرًا ببطء:
‘لم أتوقع… أن تأتي…’
دعاها دوهير قائلاً إنه أعدّ طريقة ليتعارف الاثنان بهدوء، لكنها وافقت على الفور… حتى دوهير لم يكن يتوقع هذا الرد.
كانت خادمتها كارلا واقفة خلفها في توتر بالغ، بينما هي تحتسي الشاي برباطة جأش.
قالت آني بهدوء:
“إدارة شؤون البلاد… لا بد أنها متعبة، جلالتك.”
أجاب إيجيد بخفوت:
“هذا صحيح…”
ثم أضافت بثبات أكبر:
“ولم تخبر مساعديك الحقيقة.”
جفلت الوجوه خلف إيجيد، لكن آني لم تنظر إليهم، نظراتها انغرست في الرجل الجالس أمامها.
وجهٌ جميل بشكل يكاد يُرهق القلب، لكن ملامحه الآن كانت تفيض بمشاعر مُركبة.
‘لا تخافي… هو إنسان مثلك…’
كانت تهمس لنفسها وهي تواصل:
“أنا شخص صريح… لا أجيد المراوغة ولا أحبها.”
ثم اعتدلت في جلستها أكثر:
“لذا… يا جلالة الإمبراطور… أريد أن أتحدث إليك وحدك فقط.”
كارلا شهقت بخفة، لكن آني لم تتراجع، انسحب دوهير وهو يجر فيز المتجمد من الصدمة، حتى اضطرت كارلا لمغادرة المكان.
وبقي الصمت يسكن الحديقة.
أخذت آني نفسًا عميقًا وقالت أخيرًا:
“لقد كنت تلاحقني عمدًا… أليس كذلك؟”
ارتجفت كتفا إيجيد، عيناه المرتجفتان لم تستطع إنكار الحقيقة.
مدّت آني يدها الباردة، وضعت على الطاولة رزمة من القماش:
“لقد كتبتَ كثيرًا… هذا لك… أعيده إليك.”
حدّق في الأغراض… المعطف، العلبة الصغيرة، الرسائل… كل ما نسيه عندما جرفته مشاعره ليلة الأمس.
ثم رفعت آني وجهها… وابتسمت ابتسامة خفيفة:
“وسأساعدك…”
ارتجفت نظرات إيجيد، همس في أعماقه:
‘تساعدني…؟’
أكملت آني، بابتسامة أكبر، بنبرة عفوية صادقة:
“سأساعدك يا جلالة الإمبراطور… على كسب قلب السيدة التي أحببتها.”
التعليقات لهذا الفصل " 62"