كان إيجيد جالسًا على مكتبه، وجهه شاحب كضوء قمرٍ بارد، يوقع الأوراق بيدٍ خامدة أشبه بآلة تعمل بآخر أنفاسها.
لقد عاد إلى القصر الإمبراطوري في الليلة الماضية، حين نصحه دوهير قائلًا: “سيكون من الحكمة تأجيل الحديث حتى تصحو من تأثير النبيذ.”
لكن مع حلول الصباح، لم تهدأ عاصفة القلق، بل ازدادت ضراوة.
لم تغب عن ذاكرته تلك النظرة المحتقرة، الحارقة، التي رمقته بها آني.
> “لا تقترب مني!”
حتى حساء الثمالة الذي أمر دوهير بإحضاره، لم يستطع إيجيد أن يلمس طرفه، فقد جف ريقه وانطفأت شهيته. لم يكن لديه أدنى رغبة بتذوق أي طعام.
حتى الأوراق البنية التي اعتاد أن يغرق فيها كمهربٍ من ذاته، باتت تنظر إليه باحتقار.
لا… يجب أن أتماسك.
كان يعدل نظارته في محاولة أخيرة للتماسك، يحاول تجميع شتات نفسه ولو ظاهريًا، بينما روحه تتآكل ببطء، وأطرافه تمضي في توقيع الأوراق كمن يحاول النجاة وسط بحرٍ متلاطم الأمواج.
على باب مكتبه، وقف المعاونان كتمثالين صامتين، يتبادلان نظرات مضطربة من حينٍ لآخر. طُلب منهما البقاء بعيدًا، لكن كيف لهما أن يغمضا أعينهما على ما يحدث خلف ذلك الباب؟
أما دوهير فقد شعر بكابوسٍ يعيد نفسه… المشهد أمامه لم يكن غريبًا عليه، فقد رأى وجهًا مشابهًا… يوم أن تُرك شقيقه الأصغر محطمًا، متصدعًا، بعد حب لم يكتمل.
يا إلهي… سأجن.
حاول كبح تنهيدة كادت تفلت من صدره، وانغمس في تأملاته المضطربة.
كان من الواضح أن رد فعل آني لم يكن كما توقع… بل أسوأ. والمشكلة الأكبر أن جلالته أصبح رهينة لمخاوفه، يعجز حتى عن محاولة تصحيح الموقف.
بل إنه ظل عالقًا في التفكير: هل إزعاجه لها بمحاولة الشرح قد يزيد الأمر سوءًا؟
… لا بد من إعداد أعذارٍ مناسبة، حجة ناعمة تُمهّد الطريق.
“جلالتك…”
“عن… الليلة الماضية…”
تجمدت يده في الهواء، يعلوها الختم الملكي الذي اعتاد أن يطبع القرارات المصيرية.
أنت أيضًا، دوهير… تُخفي القلق ذاته.
ارتجفت نظرات إيجيد القرمزية، لكنها لم تعد ترعب دوهير كالسابق، فقد اصبح جلالته أمامه شبيهًا بأخٍ صغير يحتاج للاحتواء أكثر من الطاعة العمياء.
“نعتقد، يا جلالتك، أن مغادرتك السريعة للحفل ربما تركت انطباعًا خاطئًا لدى الآنسة دْسِف… وإن كسب ودها قد يُسهّل طريق دعوتها إلى جانبنا، أفلا نُبادر بتصحيح سوء الفهم؟”
“نعم! أنا أرى الأمر كذلك!”
لم يكن يتوقع من فيز أن يتدخل فجأة، وبذلك الحماس، حتى كادت أذناه تطنّان من صوته العالي… لكن وقع الكلمات على قلب إيجيد كان واضحًا.
عينيه المرتجفتين راحتا تبحثان عن قشة نجاة، ودوهير، وقد شعر بارتخاء القيود حول عنق جلالته، أكمل قائلاً:
“أقترح أن نُهيئ مكانًا مناسبًا، نُمهّد فيه الطريق للحديث بصفاء.”
ارتسمت على ملامحه تلك الابتسامة الهادئة، ابتسامة من يعرف الطريق وسط العاصفة.
* * *
في الجهة الأخرى من القصر، كانت آني جالسة في الحديقة، كفها يسند خدها بينما نظرتها شاردة وسط الأشجار.
بقايا طعم مربى الفراولة لا تزال عالقة على شفتيها… تلك الفراولة التي قطفها ذلك الشاب المجهول بيدين متعبتين وروحٍ بريئة.
حتى الأمس، كانت تتحدث عن لقائها بذلك الشاب وسط عائلتها، تضحك وتتناول الطعام بشهية. لكنها لا تفهم… لماذا أصبح لكل شيء طعمٌ مُر هذا الصباح؟
> “هيك… هيك…”
لم يغب عن ذاكرتها مشهد الشاب الذي كان يخبئ حازوقته براحتيه، خجلًا كطفل صغير.
تمتمت، بنبرة مستسلمة:
“في حياتي… لم أسمع عن طاغية يُصاب بالحازوقة…”
حتى لو أخبرت العالم كله… من سيصدقها؟
عبست قليلاً، تائهة وسط دوامة من الذكريات.
بالأمس كانت مُضطربة، أسيرة للنبيذ والمفاجأة… لكن الآن، حين أعادت شريط الأمس في هدوء، لم تجد في عينيه أي أثرٍ لخبث، أو نية سيئة.
صحيح أنها ما تزال تتردد… ما تزال مشاعرها غير مستقرة… لكن كيف تستطيع أن تتجاهل صدق كلماته في تلك الرسائل؟
لقد قضت الليل في صراع داخلي، تتقلب بين الغضب والتعاطف، بين النفور والتساؤل… تُرى، هل كان يلاحقها منذ زمن طويل؟
طغاة أم رجالٌ عاديون… الجميع يسقط أمام الحب.
أدركت أن كلماته، حتى اختياره لأدق تفاصيل الحديث، كان يحمل احترامًا مبالغًا فيه، كمن يسير على أطراف أصابعه خشية أن يُخدش قلبها.
لقد تربّى على أن يُخاطَب بعبارات الإجلال والرهبة، لكنه خاطبها بكلمات مهذبة… كأنه يُحاول، في كل مرة، أن يكون رجلًا بسيطًا أمامها، مجرد رجل.
تذكرت توتره، صوته المرتبك حين قال:
“آنسة آني… لدي شيء أود قوله…”
ولأول مرة شعرت بوخز خفيف في صدرها… لم يحاول إجبارها على أي شيء، لم يحاول حتى لمسة واحدة.
لكن… ماذا كان سيقول؟
آه… كان يجب أن أستمع لما قاله… لو لم أشرب كل تلك الكؤوس…
التعليقات لهذا الفصل " 61"