“جلالتك، أستميحك عذرًا على مقاطعتكم في منتصف حديثكم.”
تراجعَت آني خطوتين إضافيتين إلى الوراء، كأن وقع ظهور دوهير المفاجئ قد ألقى على قلبها بردًا من الحذر.
لكن دوهير لم يُلقي لها حتى نظرة عابرة. قبض على ذراع إيجيد، وانحنى إليه هامسًا بكلمات منخفضة لم تصل إلى سمعها.
تلاحقت نظرات آني نحو فيز، الذي وقف خلف الإمبراطور كظلٍ صامت، وارتعشت شفتيها دون أن تنطق.
‘… أولئك الذين رأيتهم في حقل الفراولة… كانوا مساعديه…’
انكمشت أنفاسها، وتهادت مشاعرها بين الدهشة والحذر، بينما التفت دوهير إليها، محدقًا بعين خالية من الملامح، ونطق بصوت رسمي بارد:
“آنسة دْسِف، نعذرك… فقد طرأت مسألة عاجلة تستدعي مراجعة جلالته على الفور، لذا سأصطحبه الآن.”
ثم انحنى قليلًا باحترام مصطنع:
“نرجو أن تسامحينا على هذا التصرف غير اللائق.”
وما إن أنهى كلماته حتى فتح هو وفيز باب القاعة، مُمسكين بجلالته، ومغادرين به دون أن تنبس آني ببنت شفة.
بمجرد أن انفتح باب الشرفة، انقطعت الموسيقى التي كانت تتهادى كهمس الفجر، واستطاعت أن ترى وجوه الحاضرين وقد انعقدت دهشة على ملامحهم خلف الأبواب نصف المفتوحة.
تطلعت آني إلى القاعة المضيئة بذهول شارد، ثم خفضت رأسها لتلمح فوق المعطف الأبيض الملقى على الأرض…
شيئًا وردي اللون برز بخجل بين ثناياه.
مظروف… وردي.
انحنت تُلملم الأشياء المنثورة أمامها: معطف أبيض ناصع، صندوق صغير لامع من المجوهرات، ومغلف يحمل لون الخجل والاعترافات.
‘… ما هذا بحق؟’
“الطاغية يغادر القاعة! ماذا حدث الليلة؟!”
عادت الأصوات تتعالى، همساتهم تتطاير كألسنة لهب، بينما آني تنظر لما بين يديها باضطراب.
‘… ماذا أفعل بهذه الأشياء الآن؟’
لو حاولت اللحاق به، لن تكون اللحظة مناسبة. لكن تركها هنا…
لا، هذا ليس صحيحًا أيضًا. بعد لحظة من التردد، جمعتهم جميعًا في جيب المعطف الأبيض.
* * *
داخل العربة، وفي طريق عودتها إلى القصر، بقيت آني غارقة في أمواج متلاطمة من التفكير، تتأرجح بين الشك والتساؤل.
رفعت عينيها إلى سقف العربة حيث المصابيح تهتز بإيقاع الطريق، ثم زفرت تنهيدة متعبة، ورفعت كفيها الصغيرتين تتأملهما بصمت.
في كفها الأيسر… صندوق خاتم صغير نصف مفتوح. وفي كفها الأيمن… مظروف وردي اللون.
داخل الصندوق كان يرقد خاتم بلاتيني براق، مصنوع من كنوز بوركاوس الوطنية، لم تلاحظ جماله في لحظة انفعالها الأولى، لكنه الآن يتلألأ أمام ناظريها، يثير تساؤلاتها.
“… لماذا كان هذا مع جلالته؟”
استعادت شريط الأحداث… دعوته المفاجئة إلى صالة كبار الزوار، شراءه كل شيء وقع عليه نظرها في السوق…
ارتسمت في ذهنها صورة رجل يسعى لإظهار وجهه الآخر، الوجه الذي أخفاه عن العالم طويلًا.
اعتادت آني على سماع مشكلات الناس، الكثيرون لجأوا إليها بحثًا عن حل لعذابات قلوبهم…
لكنها لم تتخيل يومًا أن الطاغية، بنفسه، يحمل قلبًا ينبض بالقلق.
كلما تذكرت، اشتد الصداع في رأسها.
‘آه… بحق الجحيم… ماذا يريد مني؟ لماذا يتلاعب بسلامي؟’
استندت إلى الخلف، وزفرت تنهيدة طويلة، أغلقت علبة الخاتم بارتباك وربّتت على صدرها المثقل بالحيرة.
نظرت إلى المغلف الوردي بنظرة تحمل ألف معنى، تعرف أن فتحه خطيئة… لكنها لم تستطع كبح فضولها.
ربما… ربما يحمل هذا الخطاب الإجابة.
ترددت طويلًا… لكن في النهاية استسلمت، وأزاحت الغلاف الوردي بعناية.
“… كتب الكثير…”
وجدت داخل المظروف أربع رسائل مكتوبة بخط يد أنيق، خط لم يتخيل أحد يومًا أن يصدر من كاتب لُقّب بالطاغية.
اعتدلت في جلستها دون وعي، وراحت تقرأ الكلمات بتمعن.
بدأت الرسالة بكلمة “عزيزتي”، دون ذكر اسم، تمامًا كما تُكتب رسائل الحب في بوركاوس.
* * *
عندما أُنهكت الشموع في الغرفة وذابت حتى نصفها، سقطت الرسالة من يد آني، وتسللت تنهيدة عميقة من شفتيها.
“هاه…”
نظرت إلى الرسائل بانفعال مكبوت.
‘… لم يكن يجدر بي قراءة هذا…’
كل حرف كان صرخة مشاعر، كل كلمة اعترافًا صادقًا، لم يكن مجرد حبرٍ على ورق… كان قلب رجل ينبض على السطور.
‘لا علاقة لي بهذا… لا أنا صاحبة هذا الخطاب… ولا أنا من خُصص لها هذا الاعتراف…’
عضّت شفتيها بندم خفي، تشعر بخيانة غير مبررة.
غطّت وجهها في الوسادة، تحاول الفرار من ثقل ضميرها.
‘… حمقاء… مهما كان سُكرك… لم يكن عليك اقتراف هذا.’
ثم… غرزت فكرة خبيثة مخالبه في عقلها.
“… هل كُتب لي هذا؟”
هزّت رأسها تنفي بقوة، تتمنى لو تطرد هذا الجنون من رأسها، لكنها عادت تنظر إلى صندوق الخاتم وإلى الرسائل، تقرأها بعين مشككة.
كان هناك شيء في الكلمات يشير إلى علاقة عميقة، حب وُلد قبل وقت طويل… لكنها لم تتحدث إلى الإمبراطور سوى مرات قليلة.
‘لا يوجد شخص يحب من طرف واحد كل هذه الأعوام دون أن يتبادل حتى كلمة واحدة… مستحيل…’
قهقهت بسخرية مُرة:
‘رقصة واحدة… وهذا ما فعلته بي!’
* * *
كـلـیـك.
دخلت لانغ، جروتها الأليف، الغرفة بمهارة وهي تفتح الباب.
التعليقات لهذا الفصل " 60"