لقد حلم إيجيد بمشهد اعترافه أمام آني آلاف المرات… وربما أكثر.
رسم في خياله تلك اللحظة بمئة شكل ولون، تخيّل الكلمات، تخيّل النظرات، تخيّل رعشة قلبه حين يعترف…
لكن، لم يكن يتوقع ولو لبرهة أن يكشف قناعه أمامها بهذه الطريقة البائسة.
سكنت الأجساد في أماكنها، الزمن توقف بين قلبين، لا صوت يُسمع، لا رمش يُرف.
كانت عينا آني تحديدًا، تحملان عاصفة من الدهشة والخذلان…
وفي أعماقها، كانت تتوالد أسوأ الظنون كأشواك سامة تخنق القلب.
“إذًا… كل اللقاءات الماضية… هل كانت مجرّد خطة محبوكة؟ هل كان يتعقبني عمدًا، يقتنصني في لحظة غفلة، فقط… لكي يؤذيني؟… للانتقام؟”
لم يكن الأمر بحاجة إلى تفكير معقّد… فهو إمبراطور بوركاوس، الحاكم الذي يقبض على العالم بين أصابعه الحديدية، والمال بين يديه قد يشتري أي ضمير… أي ولاء.
أطلت من ذاكرتها الوجوه…
ذاك السائق الغامض الذي تغيّر بلا سبب، والفلاح الغريب في حقل الفراولة…
الأحاديث كلها أصبحت الآن خيوطًا في نسيج خيانة مرسوم بدقة.
“… كل شيء كان مُدبّرًا.”
كان النبيذ قد ذاب في دمائها قبل لحظات، لكنها الآن استُبدلت بسمّ الظنون.
ارتسم على وجهها صقيع الجفاء، قبضت على علبة الخاتم بيد مرتجفة، لكن ملامحها تصلّبت كجليد عتيق.
في لحظة هادرة، انتفض جسدها واقفة، المعطف الأبيض انسحب من على كتفيها وسقط على الأرض بثقل الخيبة.
تــك.
وفي ذات اللحظة، كان قلب إيجيد يهوي مع المعطف إلى قاع لا قرار له.
‘عليك أن تعترف… عليك أن تفتح قلبك الآن.’
لكن السُكر، كثيفًا كضباب خريفي، ارتفع إلى رأسه، خنق أنفاسه حتى آخر قطرة. حين حاول أن ينطق، لم يجد غير أن يضغط جبهته بيده المرتعشة.
استجمع شتات عقله، بالكاد، فقط ليتلقى موجة باردة جرفت كيانه… برد لم يكن من الريح، بل من عينيها البنفسجيتين اللتين اشتعلتا نارًا… جمرة لاهبة خلف ستار من الجليد.
جاءها صوتها كطعنة باردة في منتصف ليل لا نجوم فيه:
“لم أكن أعلم أن جلالتك يجد لذة في لعب هذا النوع الحقير من المزاح.”
ثم زادت الطعنة عمقًا:
“هل استمتعت… بإهانة قلب امرأة؟ هل استمتعت… بالسخرية من مشاعري وحدي؟”
‘لم تكن أبدًا لعبة… لم تكن لحظة سخرية…’
حتى وإن كان حبًا من طرف واحد… إلا أنه كان حبًا صادقًا، شريفًا، نقيًا، نما في ظلال قلبه طيلة سبع سنوات كاملة، لم يخبُ للحظة… لم يتبدّد.
رفع جسده بشق الأنفاس، ولوّح برأسه نافيًا، عاجزًا عن التعبير:
“آنسة آني… أنا…”
لكن صوتها جاءه كصفعة إضافية:
“لا تقترب… لا تخطُ خطوة نحوي!”
تحجر في مكانه… خطواته توقفت، كأنها قُطعت من أصلها، نظراتها كانت كالسكاكين، لا تمنح فرصة للدفء… في عينيها انطبع ماضيه بكل قسوته.
ذاكرته مزّقت جروحه… تذكّر صدى الحكايات القديمة… في حفلة واحدة فقط، كانت الفتيات يختبئن خلف الأعمدة، يهمسن عنه في خفاء:
“لماذا لا يتزوج جلالته أبدًا؟”
“لحسن الحظ… من تريد أن تتورط برجل مثله؟ أشفق على من سُيجبر على الزواج منه.”
“حتى لو كانت الإمبراطورة، من تحتمل أن تحيا كل يوم وجهاً لوجه مع طاغية؟”
امتدت أصابعه المرتعشة نحوها بلا وعي، بلا أمل… فقط لينال نظرة رحمة.
“بصراحة… حتى التواصل البصري معه يشعرني بالغثيان.”
اهتزت عيناه، كما لم تهتز من قبل… وكان قلبه ينزف دون صوت حين رأى آني تنظر إليه بنظرة الخوف ذاتها.
* * *
“دوهير!”
ارتفع الصوت في المكتب، قطع شرود ذهن دوهير الذي كان يُرتّب الوثائق بانشغال عميق.
‘ها نحن مجددًا… وقتي يضيع مع هذا المعتوه.’
رفع عينيه بجمود، نبرة صوته خالية من الحماسة:
“ما بك الآن؟”
مال فيز على كتفه كمن يحمل سرًا عظيمًا وهمس بخبث:
“أحضرت إليك سرًّا من الأسرار الكبرى.”
‘سيكون حماقة جديدة… بلا شك.’
قلّب دوهير الأوراق كمن يسخر بملامحه قبل كلماته:
“أتلهف شوقًا لسماع خرافاتك.”
قال فيز بصوتٍ يحمل زهو المكتشف العظيم:
“جلالته طلب بدلة خاصة… مع قناع لحفلة التنكر… والألوان مشرقة، لا تُخطئها العين!”
توقفت أنامل دوهير في الهواء للحظة قصيرة.
‘هل يفكر فعليًا في حضور الحفلة التنكرية؟’
كان ذلك المكان حيث تُزهر بذور العواطف… حيث تنبت الحكايات.
لكن… حين استعاد براءة جلالته، تلك البراءة المؤلمة، خالجه قلق خفي.
‘آه… لكنه إيجيد… لا بد أن ينجح.’
تذكّر أخاه الأصغر… يوم خرج في موعد مماثل وعاد محطم الروح… لا، لا… جلالته مختلف… جلالته سحق فرسان العدو في رمشة عين.
‘كل هذا قلق لا لزوم له…’
لكن فيز لم يدع للهدوء مجالاً:
“من المؤكد أن شيئًا مثيرًا سيقع بالحفلة… ألا ترى أننا علينا الحضور؟”
دوهير، الذي كان دومًا يسخر من مثل هذه الأمور، لم يستطع هذه المرة أن يغضّ الطرف…
الأمر لم يعد مجرد تسلية، بل اصبح عن الرجل الذي خدمه بولاء.
تردد للحظة، لكن فيز ضغط على كتفه مبتسمًا:
“لو كنت تخشى شيئًا… اتركني أذهب وحدي.”
استدار إليه دوهير بصرامة:
“لا… خذني معك… سأراقبك.”
* * *
كانت القاعة تتلألأ بضياء الثريات، مفعمة بالبشر… يزدحمون كالأمواج.
‘الجنون بعينه…’
لم يكن يحب هذه الأجواء… العلم وحده كان ملاذه، وهدوء الكتب ملاذ قلبه. شدّه فيز من كمه، يهمس بفزع:
“هناك… انظر… هو!”
‘… يا للعجب.’
في قلب القاعة، حيث تتمايل الأرواح على نغمات الكمان… كان إيجيد يرقص مع آني…
الطول مختلف، لكن الروح بينهما رقصة منسجمة لا تعرف فاصلاً.
‘أفضل مما تخيلت… بكثير.’
* * *
راقب دوهير المشهد للحظات… ثم ارتسمت في ذهنه تساؤلات… كيف استطاع فيز أن يميّز جلالته وسط هذا الحشد؟ حتى الطول وحده لا يكفي…
‘آه… بعد تلك المكافأة… يبدو أن عينيه باتت مدربة خصيصًا…’
ظل يراقب، يقنع نفسه ألا يتدخل، لكن قلبه لم يسكن.
‘لِم لا نغادر ونتركهما؟’
كأسٌ بعد كأس… اقتربا من بعضهما أكثر… كان التدخل حماقة.
* * *
لكنه لم يجد راحة… فيز جذب كمه ثانية:
“أعتقد… جلالته يعرض عليها أمرًا كبيرًا! يجب أن نسمع ذلك… ونستغله لصالح رواتبنا!”
“هاه؟”
“كل كلمة ثمينة… لا يمكن تفويتها!”
‘كم أنت ماكر يا فيز…’
لم يكن يريد الخضوع… لكنه خضع.
* * *
من بين الأشجار، جلسا يتجسسان في صمتٍ بارد.
‘أشعر بالبرد… والتعب.’
لكن فيز ابتسم:
“برأيك… ما العرض؟”
“لا شك… درس كل شيء بعناية…”
“صه… اقترب…”
“كن أنت الصامت.”
ابتسم دوهير بخفة… كل شيء يسير في المسار الصحيح.
لكن… مع مرور الوقت… جفّت ابتسامته، وتجمدت ملامحه.
‘… الكارثة تتشكل.’
فك رباط القناع، وقال بثقل:
“فيز…”
“هاه؟”
“انزع قناعك… واتبعني.”
وقف فجأة، ملامحه معبّقة بالإحباط، تبعه فيز دون أن يتردد، ساحبًا قناعه معه.
التعليقات لهذا الفصل " 59"