ارتسمت ابتسامة إعجاب على وجه آني وهي تتأمل هندام الشاب أمامها، نظرت إلى بدلته بعين متذوقة للجمال، ثم همست برقة:
“تبدو الثياب جميلة… من أين اقتنيتها؟ أنا عادةً ما أبتاع ملابسي من سانيل.”
أجابها الشاب، وملامح السكون تتراقص بين صوته:
“من غرفة الملابس الملكية…”
ارتفع حاجباها دهشة، ورددت في استغراب ناعم:
“من العائلة الملكية؟”
في تلك اللحظة، انطبقت شفتا الشاب الحمراوان في انقباض ثقيل، وكأن ثقل العالم استقر عليهما.
مالت آني برأسها برفق، متسائلة في سرّها:
‘هل له قريب يعمل في غرفة الملابس الملكية؟’
توقفت آني عن السير، انحنت قليلًا، تناولت كأسين من النبيذ الأحمر المتوهج كدم ناضج، ناولته إحداهما أولًا.
راقبته وهو يدير رأسه جانبًا، ويبتلع الرشفة الأولى بشغف خفي.
‘… لعله كان ظمآنًا.’
ارتشفت آني بدورها من ذات النبيذ، وشعرت بحرارة خفيفة تداعب وجنتيها، تورّد بسيط كنسمة تتراقص على خد مشتعل.
أسندت جسدها إلى الحائط، أمالت رأسها قليلاً، وارتشفت رشفة جديدة من كأس آخر، قبل أن تسأله بصوت يفيض بالدفء:
“هل قدماك بخير؟”
كم مرة داست على حذائه الأبيض أثناء الرقص؟ لم تعد تتذكر، لكنها سألته بنبرة تعتذر فيها عن ثقل خطواتها.
أومأ الشاب بصمت خجول.
قالت وهي تحدق في ملامحه الجانبية المرتبة، في وقفته الواثقة المائلة إلى الحائط:
“ترقص بإتقان… لا بد أنك تلقيت تدريبًا راقيًا.”
لم تكن تعرفه بعد، ولكن من النادر أن يُلقّن أحدهم آداب الرقص بتلك الأناقة.
‘لابد أنه ينتمي لمنزل عريق… من أي عائلة أتى؟’
استمر الشراب ينسكب بين كؤوسهما، والكلمات تتراقص كطيور المساء حول شفاههما.
مرت آني بكفها على وجنتها بخفة، وهي تشعر بضوء القاعة يصبح أكثر خفوتًا، يتراقص ويتلاشى تحت وطأة النبيذ.
قال الشاب حينها، وبصوته شيء من التحفظ:
“آنسة آني… هناك ما أود إخبارك به.”
ابتسمت آني بحبور وردّت بخفة:
“حسنًا… يبدو أن المكان يعج بالضوضاء، لنخرج قليلًا إلى الشرفة، ماذا تظن؟”
* * *
صوت خافت للباب وهو يُغلق خلفها، ألقى صريره في قلب الليل.
وقفت آني هناك، تحدق في الأفق من فوق الشرفة، تداعب أصابعها الدرابزين الخشبي بهدوءٍ يشبه الحلم.
اقترب منها الشاب في خطوات مترددة، لكنه وقف على مسافة لا توحي بغرابة، لا شيء في وقفته يوحي بالتكلف، فزاد فضولها اشتعالًا.
‘… أيمكن أن يكون هذا من أثر لانغ؟’
الأشخاص الذين تعلّقت بهم لانغ لم يكونوا كثيرين، لكنهم كانوا دائمًا أولئك الذين تسكن قلوبهم في زوايا قلب آني أيضًا، حتى اصبحت تحبهم بشكل لا إرادي… من دون نقاش.
لكن قلب آني لم يُسلم مشاعره فقط لما تحبه لانغ… كانت تشعر بجاذبية خفية نحو الشاب ذاته؛ إلى طيبته، خجله، ذلك السكون الدافئ الذي يحيطه…
رغبت في احتضانه كأخ صغير لطيف تحب رعايته.
رنّت أصوات صراصير الليل في خلفية السكون، ليل يبعث شعورًا بوجود عالم آخر تمامًا، مفصول عن صخب القاعة خلف الأبواب المغلقة.
كانت آني تعبث بأطراف حذائها حين بدأت هي بالكلام أولاً:
“لكن… لماذا لا تسألني السؤال الذي اعتدت سماعه من الجميع؟”
أمال رأسه نحوها، تساؤل شفيف في عينيه:
“أي سؤال تقصدين؟”
أجابت بابتسامة خفيفة:
“إعلاني بعدم الزواج… عادة ما يسألني الجميع عن السبب.”
كان الجميع من النبلاء والعامة، الغرباء والمقربون، لا يخفون فضولهم إزاء قرارها المفاجئ، حتى من لم يعرفها قبل اليوم كان يجرؤ على السؤال.
مرّت كف آني الرقيقة على وجنتها من جديد وهي تحدق في الحديقة المعتمة، حيث تتوارى أسرار الليل، والكل يتساءل: لماذا اختارت “آني ميل دْسِف” ذلك الطريق؟
وفجأة، جاءها صوته مثل نَفَس صيفي عليل:
“ذلك خيارك يا آنسة آني…”
ثم أكمل بهدوء يقطر احترامًا:
“وأنا واثق أن خلفه سبب وجيه.”
استدارت نحوه، فوجدته يتأمل في الحديقة في سكون تام، كأنما الزمن تجمّد حوله.
ضحكت بخفة… يا للعجب… كيف يُمكن لشخص عرفته منذ لحظات أن يبدو وكأنه يفهمها!
هبت نسمة ليلية باردة، فتطايرت خصلات شعرها البني في الهواء.
بهدوء يشبه ندى الصباح، نزع الشاب معطفه وألقاه على كتفيها، فغمرها عبق أوراق الورد المجفف من جديد.
في تلك اللحظة الغامضة، سألت آني بفضولٍ دافئ وهي تريح ذراعها فوق درابزين الشرفة:
“هل التقينا من قبل…؟”
ثم أضافت بمزاح لطيف:
“لقد بدأت أعتاد على لقائك… الأمر يدعو للدهشة، أليس كذلك؟… أنت لا تتعقبني، صحيح؟”
ضحك الشاب قليلًا، ثم أطلق تنهيدة طويلة وهو يقول:
“في الحقيقة… آنسة آني، أردت أن أخبرك عن نفسي… وأيضًا…”
* * *
حفيف طفيف كسر صمت الليل.
توقف صوته فجأة، وبدأ يفتش في جيب سرواله بترددٍ مبهم، فمالت آني برأسها بحيرة.
‘ما الذي يبحث عنه؟’
مرت ثوانٍ قبل أن تهبط نظراته إلى المعطف الذي ألقاه حول كتفيها.
قال وهو يتلعثم بارتباك واضح:
“عذرًا… هل يمكنني استعادة معطفي للحظة؟”
حدّقت فيه بفضول، ثم ردّت بنبرة ناعمة:
“سأنزعه… لكن لماذا؟”
لوّح بيديه بسرعة، وقد ارتسم الارتباك على قسمات وجهه:
“لا… لا بأس… يمكنك الاحتفاظ به على كتفيك قليلًا… فقط…”
اقترب منها خطوة بخطوة، خطواته بدأت تفقد توازنها وكأن النبيذ أثقل قدميه.
هرعت آني لتدعمه وتمسك بذراعه، تسأل بقلقٍ خالص:
“هل أنت بخير؟”
ثم…
تــووك.
وقع شيء خافت من جيب المعطف الأبيض، التفتت آني برشاقة ورأت الشاب ينحني مسرعًا يفتش في الأرض.
همس بارتباك متلعثم:
“سـ… سألتقطه… أ-أنا…”
راقبته آني وهو يفتش في الظلام بتوتر.
‘لابد أن ما سقط منه شيء ذو قيمة…’
انحنت إلى جانبه لتساعده، وبدأت تنبش في العتمة بأناملها حتى لمست شيئًا صغيرًا بين أصابعها.
رفعت يدها، وقالت بفرح بسيط:
“وجدته… لقد وجدته!”
رفع الشاب رأسه ليلتقي عيناها، لكن القمر كان أسرع في كشف ما يخفيه.
شعرت آني بقلبها يهوي من بين أضلاعها وهي تهمس بدهشة غارقة بالذهول:
التعليقات لهذا الفصل " 58"