كانت آني تدور في رقصة هادئة مع الشاب المجهول، وعندما تبادل جسداهما الخطوات على أنغام الموسيقى.
سألت بصوت مشرق يحمل بريق السرور:
“أأنت هو؟ من التقيته في مأوى الجراء الضالة… وفي حقل الفراولة؟”
أجابها بثبات هادئ لا يخالطه ارتباك:
“نعم، أنا هو.”
وانتشر دفء ابتسامة رقيقة على شفتي آني، كزهرة تتفتح في مطلع الربيع.
“يا للعجب… يا لها من مصادفة رائعة!”
لقد جمعت بينهما الأقدار ثلاث مرات…
مرة في مأوى الجراء، ومرة في حقل الفراولة، وهذه الثالثة وسط زحام الحفل التنكري.
ومع أن وجهه مغطى بقناع، إلا أن التعرف عليه بدا كأنه أمر بديهي، شيء يتخطى المظهر ويلامس الروح.
لم تكن آني طويلة القامة كالشاب، ولا كانت بشرتها بالغة الشحوب مثله، وعيناها بالكاد تبرزان من خلف القناع، لكنها شعرت بشيء من الألفة.
قالت، وعذوبة الاستفهام تتراقص على لسانها:
“لقد مضى وقت طويل… لم أتوقع أبدًا أن أراك هنا.”
سألها بنبرة خافتة لكن دافئة:
“كيف حالكِ؟”
كانت الألحان تتردد في القاعة، لكن القرب بينهما منح الحديث سهولة، كأنهما في ركن معزول بعيدًا عن ضوضاء العالم.
أجابت آني، وقد شعرت بحيوية خفيفة تتسلل إلى صدرها:
“كل شيء على ما يُرام… بالمناسبة، هل وصلت إلى المنزل بأمان حينها؟ هل سارت أمورك بخير؟”
“شكرًا لك… نعم.”
تنفست آني براحة، وامتدت ابتسامتها اتساعًا، بينما كان الشاب يبتسم بصمت، صامتًا لكن ليس باردًا.
ثم سألت بخفة، تتأمل عينيه المختبئتين خلف القناع:
“ولكن… هل عرفتني بهذه السرعة؟”
أومأ الشاب برأسه بهدوء دون أن ينطق بكلمة.
فقالت بدهشة ممزوجة بإعجاب:
“لا بد أن لديك نظرًا خارقًا… أما أنا، فعيني ليست دقيقة، لكنني أتعلم التمييز بنظرة سريعة.”
نفى الشاب ببساطة:
“لا.”
رفعت آني بصرها إليه بدهشة، ووقعت عيناها على شفتيه وهما تتحركان ببطء وقال بصوت منخفض رخيم:
“لا نظري حاد… ولا أنا ماهر في التمييز…”
ظل صوته يتردد في أذنها كألحان خفية، ثم أطرقت برأسها فجأة، تحيطها سحابة من شعور غريب لم تعرف له وصفًا.
وفي غمرة تلك اللحظة… زلت قدمها بكعبها العالي وانحرفت قليلاً.
“آه…!”
مدّت يدها تبحث عن شيء تتشبث به، وبلا وعي لامست بأطراف أصابعها قناع الشاب، فانزلق القناع قليلًا من فوق وجهه.
“… آه!”
شهقت بارتباك، وازدادت يد الشاب حول خصرها إحكامًا، داعمة إياها حتى لا تتعثر.
رغم أن خيط القناع ارتخى، إلا أن الشاب لم يبدُ عليه أي أثر لغضب، بل دعمها بحنان وسألها بصوت دافئ يحمل شيئًا من القلق:
“هل أنتِ بخير؟”
أومأت آني برقة وهي تسحب يدها بخجل:
“نعم… لا بأس.”
أطرقت برأسها في خجل، وقد اشتعلت وجنتاها بحرارة غير معتادة.
غير أن خطوات الشاب الهادئة أعادتها إلى قلب الرقصة، ومع كل لفة شعرت بخفة تتصاعد في صدرها.
لم ترقص وسط جمع غفير منذ زمن طويل، ولم تتوقع أن يكون هذا الشاب راقصًا بهذه البراعة.
كانت خطواته مدروسة، أنيقة، كأنها صيغت بإتقان على يد معلم فنون راقٍ.
ومع ذلك، وجدت نفسها تخطئ أكثر من مرة، وكادت تدوس قدمه.
“أنا آسفة…”
ابتسم الشاب في هدوء وقال بصوت رخيم:
“لا بأس…”
لم يكن هناك أثر للضيق في نبرته، بل كانت كلماته رقيقة، جعلتها ترقص دون توتر أو حرج.
انتهت الموسيقى… وتوقفت خطواتهما مع آخر نغمة.
وضع الشاب يده على صدره وانحنى بأدب أرستقراطي خالص:
“لقد كان شرفًا عظيمًا.”
ابتسمت آني وردت التحية، تمسك بطرف فستانها بخفة:
“وأنا أيضًا… استمتعت كثيرًا.”
تعالى التصفيق في القاعة، وبينما كانت تخفض رأسها، تسللت نظراتها بخفة تتأمل هيئته.
فلاحظت أناقة تفاصيل ملابسه، وكيف تبرز ساقيه المستقيمتين بثبات وجاذبية.
كان الحضور يهمسون حوله… لم يكن الرجل مجهولًا في جاذبيته.
‘هناك الكثير من النساء يطاردن رجلاً كهذا… أجل، لقد حان الوقت لأرحل في صمت.’
جالت بعينيها تبحث عن كارلا، حتى وجدتها عند المخرج، تلوّح لها بإشارات صامتة وفم مفتوح:
‘أنا سأغادر أولاً! خذي راحتك! لا تعودي الليلة!’
فتحت آني فمها في ذهول خافت، لكنها لم تجد سوى طرف فستان كارلا يختفي وسط الحشود.
ثم جاءها صوت مهتزّ:
“آنسة آني…”
التفتت، فرأت الشاب واقفًا بتوتر، كتفيه مشدودين كوتر على قوس.
شاهدت تفاحة آدم تتحرك عندما ابتلع ريقه، محاولًا أن ينطق.
“ذاك…”
“نعم؟”
أشار بيده نحو طاولة مرصوصة بزجاجات نبيذ بألوان براقة:
“إن لم يكن لديك مانع… إذا لم تمانعي…”
ابتسمت آني دون أن تدعه يكمل وقالت بنعومة:
“هل تود دعوتي إلى كأس نبيذ؟”
حبس الشاب أنفاسه منتظرًا ردها كطفل يترقب إذنًا من معلمه.
لم تستطع آني كبح ابتسامتها… كان من الغريب أن شخصًا بالغًا يجد صعوبة في عرض بسيط كهذا.
‘كم هو لطيف…’
لم تعد تلتفت لمخرج القاعة، بل نظرت إليه بعطف وقالت بهدوء:
“نعم… بكل سرور.”
لقد كانت أيضًا فضولية حياله، وفوق كل ذلك…
شعرت أنه بحاجة إلى شخص يرافقه.
لقد كان أول لقاء في مأوى الكلاب، وثاني لقاء في حقل الفراولة، وثالث لقاء في حفل تنكري حيث تختبئ الوجوه خلف الأقنعة.
‘أماكن يخفي فيها الجميع وجوههم…’
جمعت شتات التفاصيل في عقلها، وبدأ حدس خافت يتبلور.
‘هذا الشاب… يبدو أنه يخاف الناس.’
أخفت استنتاجها في أعماقها، وسارت بجواره نحو طاولة النبيذ.
وانساب بينهما حديث بسيط، عن أمور الحياة اليومية، تحادثا كما يفعل شخصان يعرفان بعضهما منذ زمن بعيد.
قالت مازحة وعيناها تتلألأ بخفة:
“بفضلك… استمتعت بالفراولة كثيرًا، حتى أنني تناولت هذا الصباح خبزًا مع مربى الفراولة، كان لذيذًا للغاية.”
أجابها بابتسامة صافية:
“يسعدني سماع ذلك.”
كان قليل الحديث، لكن رده كان صادقًا… خجولًا، نعم… لكنه كان صادقًا حتى النخاع.
صمت بسيط، لكنه صمت دافئ… ومن هنا، بدأت القصة تكتب سطورها الخفية.
التعليقات لهذا الفصل " 57"