كانت الثريا المعلقة في سقف القاعة تتلألأ ببريقٍ باهر، تنشر الضوء كأنها تنثر قطعًا من اللؤلؤ على رؤوس الحضور.
أسندت آني ظهرها إلى الجدار الأحمر أسفلها، وشرعت تراقب الناس بنظراتٍ شاردة.
‘يا لكثر عددهم هذا العام…’
كانت القاعة تعجّ بالنبلاء، جميعهم ارتدوا أقنعة تخفي هوياتهم خلف طبقات من الزخارف البديعة.
بعضهم كان يرقص في وسط القاعة، والبعض الآخر جلس إلى الطاولات الفاخرة المزدحمة بالنبيذ وأصناف الطعام، مستمتعين بأقصى ما يمكن لهذا الحفل أن يقدمه.
حاولت آني كبح تثاؤب ثقيل تسلل إلى فمها…
فقد كان الملل يسيطر عليها على الرغم من الموسيقى الكلاسيكية ذات الإيقاع السريع التي تنساب في القاعة.
لقد كان حفل الأقنعة هذا مناسبة قديمة تُقام كل عام في فوركوس، وقد صار يتكرر في حياتها حتى تلاشى بريقه، لم يعد يثير أعصابها ولا يحرّك فيها أي توتر أو رهبه.
إلى جانبها، كانت كارلا، ترافقها كظلها الوفي، تنظر بقلق، ثم أمسكت بكمّ فستان آني بشيء من الحزم.
“آنستي، لماذا لا تتقدمين إلى منتصف القاعة وتبحثين عن شريك للرقص بدلًا من الانزواء هنا في الزاوية؟”
أجابت آني بكسلٍ متعمد:
“هممم… شريك، أليس كذلك؟”
“بلى يا آنستي.”
كانت معدة كارلا تكاد تتلوّى من الغضب بسبب لا مبالاة سيدتها.
فحتى مع الكعب العالي الذي انتعلته آني، لم يكن طولها لافتًا بما يكفي لتبرز وسط هذا الجمع الملكي.
كان يجب عليها أن تجد وسيلة أخرى لتلفت الأنظار إليها.
ولكن آني ظلّت متمسكة بعنادها.
“شريكي لا يمكن أن يكون أي شخص عابر. إن كان أميرًا يمتطي حصانًا أبيض، طويل القامة، وسيمًا، يرتدي بدلة بيضاء… حينها فقط، قد أُفكر في الأمر.”
“… قوليها صراحةً.”
تنهدت كارلا تنهيدة ثقيلة، ولكن آني تجاهلتها بلامبالاة. لم يكن لديها رغبة في الرقص أصلًا، ولم تهتم له مطلقًا.
كانت فقط ترغب في التحديق في الوجوه، تستكشف الحضور بنظرات باردة، تراقب نبض القاعة دون أن تشارك فيه.
الإثارة التي كانت تشعر بها يومًا ما صارت باهتة، كما لو أن قلبها فقد بوصلة الحماس.
ثم همست بخفة وهي تتأمل الأزواج الذين يرقصون بأيدٍ متشابكة وابتسامات مشرقة:
“أنظري، كارلا… الجميع يبدو سعيدًا.”
كلما نطقت، ازدادت نيران الضيق اشتعالًا في قلب كارلا.
“آنستي… حتى وإن أعلنتِ رفضك للزواج، لم تقولي أنك ترفضين الرقص! لقد أتيتِ حتى هنا، على الأقل امنحي نفسك رقصة واحدة.”
ابتسمت آني ابتسامة هامسة، وقالت بلا مبالاة:
“لقد أخبرتكِ… شريكي لا يمكن أن يكون أي أحد.”
“نعم… نعم…”
لكن على عكس ما توقعته آني، لم تجادلها كارلا كثيرًا هذه المرة، بل أجابت باستسلامٍ غريب.
تملكت آني دهشة خفيفة.
‘لماذا تتصرف كارلا بهذه الهدوء المفاجئ؟’
حين التفتت آني إلى حيث تشير كارلا، فوجئت بعينيها تتسعان فجأة.
‘منذ متى؟’
كان هناك رجل ينحني على ركبة واحدة أمامها، يمد كفه نحوها في صمتٍ نبيل.
لم تكن قد رأت بذلته البيضاء من قبل، وكان شعره الأسود يتألق تحت أضواء الثريا بينما غطى قناع أبيض وجهه، مخفيًا هويته تحت غلالة من الغموض.
خط الفك الرشيق، الأنف المستقيم، الملامح التي تتسلل من خلف القناع…
كل شيء فيه كان مثاليًا، كأنه مشهد من لوحة كلاسيكية.
‘… هل… يعرض عليّ رقصة؟’
لقد طلب منها رقصة بطريقة نموذجية نادرة، كما لو أنه خرج لتوّه من صفحات كتاب يحكي آداب النبلاء.
في زمن أصبح فيه طلب الرقص لا يتجاوز مدّ اليد بلا كلمات، كان وقوفه أمامها أشبه بتحفة زمنية.
وبصوت عذب، أكثر رقّة من الموسيقى التي تعزف في الخلفية، قال لها:
“آنستي… سيكون شرفًا عظيمًا لي أن أرافقك.”
خُدرت الحواس، وتلاشت الضوضاء من أذنيها، بينما كانت همسات النساء تتطاير حولها مملوءة بالغيرة والحسد.
نكزتها كارلا برفق في خاصرتها:
“آنستي… ذلك الرجل أفضل من أي أمير على حصان أبيض. ماذا تنتظرين؟ هذا الرجل الرائع قد يجرح كبرياءه بسبب ترددك.”
لم يكن بوسع آني التراجع بعد كلماتها، فارتسم على وجهها ارتباك خجول.
‘رقصة واحدة… لن تضر.’
ترددت للحظات ثم مدت يدها، فوقعت كفها الصغيرة في كف الرجل التي ظلت ممدودة كتمثال رخام صامت.
وقف الرجل، ثم سار بخطوات هادئة ورزينة، يُرافق آني كأمير أسطوري يقتاد أميرةً نحو القدر.
في وسط القاعة، انحنى الرجل أمام آني بانحناءة محترمة، وكانت عيناه المخفية تحت القناع تتلاقى مع نظراتها من خلال الثغرات الصغيرة.
ابتسمت آني ابتسامة خفيفة وقالت بهدوء:
“ألا يؤلمك عنقك بالانحناء طويلاً هكذا؟”
أجاب بصوت مقتضب، فيه دفء مألوف:
“لا بأس.”
كان صوته غريبًا… غريب في ألفته، كأنها سمعته يومًا ما.
حتى أنفاسه المرتجفة بدت مألوفة لديها.
‘ما هذا الشعور…؟’
وفي تلك اللحظة، أحاطت يد الرجل الكبيرة خصرها بلطف، بالكاد تلامسها، كأنها تتعامل مع جوهرة نادرة يخشى أن تنكسر.
لم يسبق لآني أن شعرت بمثل هذه الرقة في المعاملة، لقد كان يلمسها كما يُلامس كنزًا ملكيًا لا يُقدّر بثمن.
رفعت رأسها تتفحصه، ولاحظت ارتجافة طفيفة على شفتيه المشدودتين فوق ذقنه الحاد.
‘أنفاسه… هل يتنفس بانتظام؟ لا يبدو ذلك.’
وضعت يدها اليسرى على كتفه وسألته بخفوت:
“هل… أنت بخير؟”
“نعم.”
كان رده سريعًا، لكن التوتر كان يطفح من صوته.
تأملت وقفته المستقيمة… تذكرت شيئًا مألوفًا…
بشرة ناصعة، بيضاء كالثلج، لم ترَ مثلها إلا مرتين في حياتها.
رجل مأوى الجراء المشردة… والطاغية.
‘مهلا لحظة… الرجل صاحب الجراء؟’
رفعت عينيها مجددًا تتفحصه، فالتقت ملامحه تمامًا مع الصورة التي حفظتها في ذاكرتها، حتى خط الفك الذي يتسلل من تحت القناع لم يكن غريبًا.
فغر فمها في صدمة صامتة.
‘إنه هو… لا شك في ذلك.’
وقبل أن تلتقط أنفاسها، انطلقت الموسيقى… أغنيتها المفضلة… فالس بطيء.
ثم بدأ بخطوة سلسة نحو اليمين، وانطلقت الرقصة، رقصة لم تكن تشبه أي رقصة أخرى.
التعليقات لهذا الفصل " 56"