في مكانٍ آخر… كانت أصابع كبير موظفي القصر تعبث بشفتيه في صمت، يعتصر ذهنه في تفكير متأمل حول ما ينبغي عليه فعله تجاه دوهير.
انتقى كلماته بحذر كمن ينتقي زهورًا نادرة من بستان مخملي، ثم همس في صوتٍ خافت، لا يكاد يُسمع إلا بين جدران المكان الصامتة.
“هل عرفت السبب وراء تغيّر قلب جلالته؟”
هذا العجوز الذي التهمته سنوات طويلة بين دهاليز القصر، كان يختلف تمامًا عن فيز، لم يكن ساذجًا ولا لاهثًا خلف التسلية…
كانت عيناه المترعتان بالتجارب تلمعان بريبة قاتمة.
كيف لا، والإمبراطور الذي طالما تمسّك بالسواد الكالح، بات الآن يأمر بخياطة ثيابٍ زاهية براقة لم يلبس مثلها يومًا.
لقد كانت صدمة كالصاعقة ضربت القصر بأسره.
“لا علم لي بذلك.” همس دوهير بجمالٍ خادع.
“هذه سرٌ دفين… على الأقل في الوقت الحالي.”
أجاب بذكاءٍ يشبه لمعان نصلٍ مخبوء.
* * *
في تلك اللحظات، جلس إيجيد شامخ القامة على مقعده المصنوع من الخشب العتيق بجوار مكتبه، ثم أمال رأسه لأسفل، واستقر بصره خلف زجاج نظارته ذات الإطار الذهبي البراق.
أمامه، تنتظر قراراته هدية ليست كأي هدية…
بل اعتراف صريح… لا مجال فيه للخطأ ولا للتردد.
على الطاولة، استقرت قائمة الهدايا:
1. خاتم من الألماس.
2. مقتنيات فاخرة من توقيع سانيل.
3. عقد نفيس من المجوهرات.
4. باقة زهور فاخرة.
5. رسالة مكتوبة بخط القلب.
رفع أصابعه برفق، يلامس كل اختيار كأنه يختبر ثقل مشاعره في كل قطعة، يمررها بين أصابعه بإمعانٍ بالغ.
“الخاتم بحوزتي… طلبتُ منتجات سانيل العقد أيضًا جاهز… إن حملت كل ذلك إلى الحفل سيبدو الأمر مزدحمًا مُفرطًا، عليّ الاكتفاء بالأكثر أهمية: الرسالة… والخاتم.”
انزاحت عيناه نحو الصندوق الأحمر الصغير المستقر على سطح المكتب كجمرةٍ ناعسة.
يشعُ بنورٍ أخّاذ كأن نيران غروبٍ متوهج قد انصهرت فيه.
هذا الكنز لم يُخلق إلا لنساء العائلة الملكية، تتناقله الأجيال كتاج غير مرئي.
> “إيجيد، لا تُعطه إلا لامرأة تهب لها قلبك… حتى حياتك.”
أغلق إيجيد الصندوق، وابتسامة دافئة لامست شفتيه.
“هذه المرأة… لا يوجد لها شبيه في هذا العالم الفسيح.”
لقد كانت خطته أخيرًا مكتملة… رقصة واحدة مع آنّي… ثم كشف الحجاب عن هويته الحقيقية.
وبعدها… حتى وإن لم يكن زفافًا، فلا بد أن يهديها قلبه العاري من كل تصنّع… ويبوح لها بحقيقة مشاعره.
وقف أمام مرآته، يتمتم بتلعثم على شفتيه المتخشبتين:
“آنستي… هل لي بشرف هذه الرقصة؟”
لكن، ما إن لفظ الكلمات حتى شعر كأن جدران الغرفة تحولت فجأة إلى جليد…
حتى الهواء بدا خجلًا من وقع صوته.
هزّ رأسه ضاحكًا في سخرية مريرة.
“اهدأ… لن يعرفني أحد… القناع سيتكفّل بإخفاء كل شيء.”
ألم يكن قد تحدّث معها كثيرًا وهو يخفي وجهه خلف قبعة أو قناع؟ لمَ إذن يخشى هذه المرة؟
حتمًا مع التكرار، سيكسر حاجز الخجل والاضطراب.
تنفّس إيجيد بعمق كمن يعلّم قلبه كيف يهدأ.
“… يمكنك فعلها… الكتب تقول إن رقصة واحدة كفيلة بتغيير المسافة بين القلوب.”
رفع يديه في الهواء، وشرع يخطو بخفة ونعومة كما لو كان يحتضن خيالها في حضنه. خطواته لم تكن مجرد حركات…
لقد تربى إمبراطورًا، وعلّمه الزمن كيف يتقن الرقص كما يُتقن فنون الحُكم.
وظل نور حجرته مشتعلاً حتى وقتٍ متأخر من الليل… كما لو كان قلبه يرفض أن ينام.
* * *
ثم أقبل الصباح المنتظر… يوم الحفل الكبير.
استجاب مصمم القصر الإمبراطوري لكل رغباته، حاك له ثوبًا أبيض ناصعًا، بجمالٍ يشبه أجنحة البجع، يخفي فيه كل ملامح الظلال، ويُبرز طوله الفارع وقوامه المتين.
ومع كل تلك العظمة، وقف إيجيد أمام مرآة غرفة ارتدائه، عاجزًا عن رسم ابتسامة واحدة.
“… أليس هذا مريبًا؟”
اعتاد عمره كله أن يلوّن أيامه بالسواد القاتم…
أما اليوم، فقد انقلبت كل معادلاته. كان قلبه يرفض هذا البياض، يداه تعبثان بكُم الثوب بقلقٍ خفي، يمد ذراعيه ليطمئن على ما يعكسه المرآة.
لقد كان كمن يرتدي جلد رجلٍ آخر.
“ربما… يجب أن أبدل ملابسي…”
امتدت يداه إلى القناع الأبيض المستقر على الطاولة، لكنه ما إن رفع رأسه حتى التقت عيناه عقارب الساعة.
منتصف الليل… تمامًا.
تحركت قدماه في الحذاء الأبيض بخفةٍ غير معتادة، كأن ساقيه كانتا تشتعلان توقًا للمضي قدمًا.
* * *
ولم يتعرف عليه أحد عند وصوله إلى قاعة الحفل…
كان القناع حاجزًا صلبًا، وعزلته السابقة عن كل الحشود زادت من غموضه.
حين دخل رجل طويل، وسيم، يشع بياضًا كثلجٍ نقي، انجذبت أعين النساء إليه كالفراشات حول الضوء. أما هو… فكل ما شغل بصره كان “هذه”، آني.
كانت عينيه المختبئتين خلف القناع تفتشان عن ظلها، يلتهمان الحشد بعطشٍ غريب.
‘لا شك أنها هنا… أين هي…’
ثم… توقّف الزمن.
اختفى الجميع… لم يبقَ في القاعة إلا تلك اللحظة… وذلك الجدار الأحمر حيث استندت آني كحلمٍ بعيد.
رآها دون حاجته إلى نظارته… بكل تفاصيلها.
آني… تتحدث إلى خادمتها الطويلة…
وابتسامتها أجمل من أي وقتٍ مضى. قناعها كان امتدادًا لفستانها المتوهج بلون زهرة “الفورسيثيا”، حذاؤها البراق، والعقد الرقيق حول جيدها… كل شيء فيها كان ينبض حياة في عينيه.
مدّ يده إلى صدره، يلمس الرسالة والخاتم اللذين أثقلا عليه طول الأمسية، ثم أطلق زفيرًا ثقيلًا كمن يدفع كل تردده دفعة واحدة.
“… حان الوقت.”
تحركت خطواته البيضاء بخفة نحو امرأة واحدة فقط… تزداد سرعته كلما اقترب… كأن المسافة بينهما تذوب شيئًا فشيئًا.
التعليقات لهذا الفصل " 55"