تتذكّر فريسيا بوضوح ذلك اليوم الذي ظهرت فيه عبارة “بقي من عمرها 299 يومًا”. كانَ وقعُ هذا التغيير عليها كأنَّ رياحًا من الرعب قد جمّدَت قلبها من الداخل.
رغم أنها لا تزال تملك الكثير من الأيام حينها.
لطالما اعتقدت فريسيا أن اليوم الذي تدخل فيه قائمة الثلاثة أرقام سيكون اليوم الذي تنهار فيه تمامًا، لكن حينَ وصل العد إلى 199، كانَ الأمر مختلفًا.
فـبغرابةٍ لم تكن تتوقعها، حافظت على هدوئها… لم تُسحق تحت ثقل الخوف.
و رُبما كانَ السبب أنها أخبرت إيزار عن حياتها السابقة.
—
“ثم، بسبب أوامر جلالة الإمبراطور، لم نُتم زواجنا فعليًا إلا بعد مرور ثلاث سنوات. …و الآن، يبدو الأمر غريبًا بعض الشيء.”
“لماذا؟”
“أمم…”
تنهدت فريسيا بخفة، فيما كانت يد إيزار تمرّ على مؤخرة عنقها.
كانَ صوت قطرات الماء يتساقط برفق في حوض الاستحمام كأنّه يعدّ اللحظات.
بعد انتهاء المأدبة، توجّها معًا إلى جناحهما داخل القصر الإمبراطوري، حيث جذبها إيزار إلى الحمّام دون تردد.
‘أشياء لم أكن لأتخيّلها تحدث لي يوميًا الآن.’
لكن ما كانَ يُدهشها أكثر من أي شيء آخر، هو اهتمام إيزار الشديد بماضيها.
‘يسألني عنه كثيرًا… و كنت مستعدة تمامًا أن يظنّني مجنونة و يبتعد عني.’
رفعت نظرها إليه، فـرأته يطلب منها مواصلة الحديث بعينيه الهادئتين، فـابتسمت بـخجل.
“لقد تفاجأت أن حماسك هذه الأيام يفوق ما كانَ عليه قبل ثلاث سنوات، يا سيدي الدوق.”
“…”
“هل هو تأثير العمر؟ لم أكن أظنّ أن فرق السنوات سيؤثر لهذه الدرجة… أوووه.”
لكن يبدو أنها تجاوزت الحدّ، فقد أمسك إيزر بأنفها بملامح جامدة، دون أن يؤلمها، لكنها أطلقت صوتًا طفوليًا عبر أنفها.
“هل تصفينني الآن بحيوانٍ هائج؟”
“لكن، قبل قليل، قبل أن ننتهي حتى من الغُسل—”
“كفى بهتانًا، ثم ماذا بعد؟”
قاطعها و هو يُمرّر يده على خصرها، حيث ازدادت حرارة بشرتها التي كانت أصلاً متوهّجة من القُرب السابق.
“تابعي، أخبريني عن ذلك الوقت.”
في البداية، كانَ إيزار يسألها عن حياتها السابقة ليتحقّق من صدقها… ليرى إن كانت تهذي نتيجة نوبات الصرع.
‘لكن لا وجود لأيّ تناقض.’
سألها عن مراحل متفرقة، عن وقائع لا تتصل، و معَ ذلك، لم تتعارض إجاباتها.
‘كونها قضت حياتها كـراعية في الدوقية… من المستحيل أن تؤلف كل هذا.’
كما أن قدرتها المبكرة على تبنّي تصرّفات النبلاء، كانت تتوافق تمامًا معَ ما روته.
إن كانت قد عاشت حياة أخرى… فلا يمكن وصف حديثها بالكذب.
لكن رغم ذلك، لم يُرِد أن يُصدّق كليًا، لأنه إن فعل… فـسيُجبر على تقبّل الحقيقة المرّة:
أن أيامها معدودة.
رقيقة و دافئة إلى هذا الحد…
حتّى و هو يرفض الواقع، ظلَّ يُسائلها عن ماضيها.
“قلتِ إنك حملتِ آنذاك.”
“نعم… في ذلك اليوم، حملت.”
“لابد أنك كرهتِ الأمر.”
“عذرًا؟”
“عندما حملتِ أول مرة.”
سألها إيزار بصوتٍ يملأه العبث، فيما كان يحتضن خصرها بقوة تمنعها من الإفلات.
“يبدو أنني لم أعتنِ بك كما ينبغي خلال تلك السنوات الثلاث.”
“آه… حسنًا… ليس إلى تلك الدرجة.”
“لكنّك لا تنكرين ذلك.”
و رغم أن سردها كانَ منسجمًا، إلا أن فريسيا كانت تُمرّ غالبًا مرور الكرام على بعض الأجزاء.
و لم يكن صعبًا على إيزار أن يتخيّل الحقيقة.
“من المؤكد أنني كنت غاضبًا بشدة حينَ تزوّجنا أول مرة.”
فقد ظنّ أن إنقاذه للعاصمة من الوحوش سيكون كافيًا لإعادة مجد عائلته، و ذلك كان هدف حياته الوحيد.
لكن عوضًا عن تحقيق هدفه، نال ما كرهه أكثر من أي شيء… “جائزة” في هيئة ابنة غير شرعية يُضطر إلى الزواج بها.
تاجرَ معَ أتريا بدافع من كبرياءٍ جريح، فهل كان بإمكانه أن يكون مختلفًا حينها؟
حتّى عقد الزواج ذاك… لا بد أنه احترق و تحول إلى رماد في تلك الأيام.
مدَّ إيزار يده ليلامس ساق فريسيا المغمورة في المياه، فـبفضل الينبوع العلاجي، لم يتبقَّ على جسدها أيّ أثرٍ للندوب.
لكن آنذاك…؟
اجتاحه طيفٌ من المشاعر المتضاربة، و غشي مزاجه الكدر، تمتم إيزار بسخرية:
“لا بد أن ذلك الطفل قد تكوّنَ على مضض… بالنظر إلى ما كانت عليه علاقتنا في ذلك الوقت.”
“عذرًا؟”
في الحقيقة، كانَ يرجو جوابًا مختلفًا، كانَ يريد اختبارها… استفزازها… دفعها لتكذيب كلماته المسمومة.
لأن كلما كانَ إنكارها أقوى… كانَ شعورها أعمق.
أنكريه… أرجوكِ.
اغضبي، و ادفعي كلماتي بعيدًا.
و كما كانَ يرجو في أعماقه، التفتت فريسيا نحوه بجسدها، و وجنتاها مشتعِلتان بحمرة الخجل.
“هذا ليس صحيحًا… لقد اقتربنا من بعضنا البعض… بسبب الطفل.”
“حقًا؟”
“نعم، حقًا.”
انزلقت يد إيزار على خصر فريسيا، و سند ظهرها بحنو، فـغدا صوته أكثر عمقًا، مفعمًا بالرغبة:
“تابعي… اقتربنا؟”
و لما ضغطها إليه مجددًا، رفعت فريسيا يديها بتردد، و أسندتهما إلى كتفيه القويتين.
و حينَ تلاقت شفاههما، شعرت فريسيا أن قلبها يكاد ينفجر… فرحًا، و حزنًا، و خسارةً، و لذّةً مؤلمة.
كانت تتحدث عن طفلٍ… لا وجود له.
كائن لم تحتفظ به سوى في قلبها، في أعماق ذاكرتها، لكنّه الآن… بات يحمل معنًى لإيزار أيضًا.
لقد أصبح مهتمًا.
و برغم النهاية المأساوية… شعرت فريسيا بالسعادة، لأنها استطاعت أن تُريه لحظةً من ماضيهما… لحظةً كانت جميلةً كـضوء النجوم.
—
بعد ليلةِ عشقٍ مريرةٍ دفعت بفريسيا إلى أقصى حدودها، استلقت منهكةً بين ذراعيه، غارقةً في سُهادٍ ودفءٍ لم تألفه من قبل.
راح إيزار يُداعب شعرها الكتّاني بصمت، قبل أن يهمس:
“الطِّفل.”
“نعم…؟”
“أتتذكرين، لمن كانَ يُشبِه أكثر؟”
“آه…”
تنهدت فريسيا تنهيدةً خافتة و أسندت جبينها على كتفه.
“لا. لقد دُفِنَ باكرًا جدًا… بعد أن وُلد ميتًا.”
“أرى…”
أخفى إيزر خيبة الأمل في صدره، ثم خيّم عليه الصمت.
‘رُبما كانَ لون شعره سيُشبه لون شعري… كما أُشبه أنا والدي.’
عادةً، يرث الطفل سِمات الوالد ذي الشعر الأغمق.
و بينما جالت هذه الفكرة في ذهنه، أستشعر مرارةً غريبة تتسلل إلى فمه.
كانَ والده بمثابة الشمسِ له، و معَ ذلك، فإنَّ مُجرّد احتمال أن يُشبه ابنه ولّد في قلبه شعورًا بالتمرّد الملتوي.
“لو أنّ الطفل كانَ يُشبهكِ… لكان بخير.”
“…”
“خصوصًا العينين.”
لم تُجبه فريسيا، و كأنها ابتلعت الكلمات، لكن إيزار استمر بلفّ أطراف شعرها حول إصبعه، كأنه لا يُبالي.
“ذات مرّة، سألتُ إن كانَ يُمكننا الذهاب إلى النهر عندما يكبر الطفل قليلًا… لقد طلبتُ ذلك.”
“حقًا؟”
“نعم…”
تسلل إلى ذاكرة إيزار طيف من تلك الأيام القديمة عند سماعه كلماتها.
أطفال العامة يركضون عند النهر، و الفتاة ذات الشعر الكتّاني تعمل وحدها حتّى تتقرّح يداها.
تذكّر كيف كانَ يُراقبها من بعيد، يُمسك سيفه بيدٍ متقرّحة هو الآخر.
“هل نذهب معًا عندما نعود إلى الدوقية…”
“…”
ضمَّ المرأة المتكئة عليه بصمت، كانَ يرغب في احتضانها حتّى تتحطّم بين ذراعيه، و لكن كلما امتلكها، ذُكّر بجسدها الصغير الهشّ.
كانَ شعور العناية بها ممتعًا على نحو غريب.
و كانَ شعورًا أجمل أن تكون هذه المرأة هي فريسيا.
كانت تُحبه، و هو…
الحب…
فتح إيزر شفتيه لحظة.
كلمةٌ كانت مرادفًا لسقوطٍ بائس… و للمرّة الأولى، لم تبدُ بغيضةً له.
لم يستطع قولها بعد، لكنه ضمّ فريسيا إليه بقوة.
“نعم… و سنقوم بأشياء أخرى أيضًا.”
“حسنًا…”
ضحكت فريسيا بخفة، ضحكةً مُفعمةً بالسعادة. و كانت ضحكتها وحدها كفيلةً بجعل مرضها غير قابل للتصديق.
لم يشعر إيزار باليأس، بل رغبة شرسة في التملّك، فـدفن شفتيه في عنقها.
‘لن أترككِ أبدًا.’
للمرة الأولى في حياته، تعلّق بشخصٍ بكلّ ما فيه، كانَ مستعدًا لتحمّل لعنات عائلة أنتاريس على أفعاله الطفولية، و نقمة تابعيه لتكراره أخطاء والده.
لهذا، يجب على هذه المرأة أن تحيا… أن تتنفّس معه، طويلًا.
حتّى آخر ما يُمكن للبشر أن يطلقوا عليه اسم “الخلود”…
✨ انضم إلى المجتمع – منتديات الموقع
عالم الأنمي
عـام
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان!
شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة.
سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات.
هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات.
هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
التعليقات لهذا الفصل " 82"