اللحظة الوحيدة التي كانَ يشعر فيها الإمبراطور بشيءٍ من الارتياح، كانت حينَ يسخر من إيزار، الذي يشبه والده الراحل، المصدر الأول لكل معاناته.
غير أن النظرة في عيني إيزار حينَ يفكر بـ”تلك المرأة” لم تكن بالذل و الانكسار الذي تمناه الإمبراطور، كيف له أن يتحمل مثل هذه الوقاحة؟
“يبدو أن ظهور الوحوش سببه وجودٌ فاسد يثير السخط.”
“جلالتكم؟”
“على سبيل المثال… قد يكون بسبب امرأة شريرة تنشر فسادها دون رادع.”
“……”
“هل يُعقل أن يسمح آدملنت باستمرار مثل هذا الفساد دون عقاب؟”
رمش الكاهن الأعظم ببطء.
امرأة شريرة.
كانَ واضحًا عمن يتحدث.
المعبد، كـبركة راكدة، تتجمع فيها الشائعات و تستقر، و رغم أن القضية طُمست باسم العائلة الرفيع، فلا شك أنها وصلت إلى مسامع الكاهن.
مدّ الكاهن العجوز يده إلى لحيته الطويلة، و مشى ابتسامةً صغيرة على شفتيه.
“بالفعل، جلالتكم.”
—
هل سبق أن شعرت بهذا التوتر من قبل؟ رُبما فقط في يوم زفافها الأول في حياتها الماضية.
أن تقف أمام العائلة الإمبراطورية دون إلكترا، فقط هي و إيزار!
كانَ جليًّا من تعبير وجه إيزار الغاضب عند عودته أن الإمبراطور قد أرهقه، ولو كان قد رأى فريسيا، لكان الأمر أشد سوءًا، خاصة و هي بلا غطاء على رأسها، في فستانٍ مكشوف لا يحميها من نظرات الآخرين، و هو ما أشعرها بعدم الارتياح.
‘أعتقد أن هذه أول مرة أدخل القصر بدون أن أغطي وجهي.’
رغم زياراتها المتكررة في حياتها السابقة، إلا أنها لم تدخل القصر إلا برفقة إلكترا، التي كانت تحرص على إلباسها زينةً محافظة تفوق الأعراف حتى.
‘ارتداء الحجاب في الأماكن العامة يُعد عادة قديمة؟’
رُبما لم يعد ذلك رائجًا في العاصمة، لكن إلكترا لم تعر الأمر اهتمامًا.
<“علينا أن نظهر دومًا كـنساء عفيفات، في كل زمان و مكان، بسبب ما فعلته تلك المرأة، باتت سمعة نساء أركتوروس في الحضيض.”>
تلك المرأة كانت تشير إلى والدة إيزار، كانت إلكترا تلومها على كل انحلال، و تُقدِّم نفسها كـضحية تتحمل وزر الآخرين.
على أي حال، بدا أن ترك انطباع حسن هو الطريق الأسهل لنيل رضا القصر.
ابتسم الأمير ريغيل بودٍّ لفريسيا.
“يسرّني رؤيتك مجددًا، دوقة.”
“لتحلّ بركة آدمانت عليك، يا صاحب السمو. أشعر بالخجل أن أقدم هذا لكم، لكنه من القلب.”
“لا داعي للتواضع، ما هذا…؟”
فتح ريغيل الصندوق الفضي الصغير المصنوع بحرفية، بدا و كأنه زينة تتدلّى منها خرزة زجاجية دائرية.
بينما كانَ يتفحصها، قالت الدوقة بصوتٍ خجول:
“إنها أداة صغيرة تساعد على قراءة الحروف الدقيقة، يا سمو الأمير.”
“آه!”
رفع ريغيل يده إلى جبينه، في الآونة الأخيرة، صار يضيق بعينيه أثناء القراءة.
نظر إلى الهدية، ثم إلى الدوقة، بابتسامة خفيفة مرحة، كانت هدية لطيفة، بل أكثر من ذلك، لم يكن بحاجة لأن يطلبها أحد.
“يا لها من هدية مدروسة، أشكرك… سأ—”
لكن جملته انقطعت، و عيناه حدّقتا في فريسيا بتمعن.
الدهشة و الريبة و الحيرة انعكست في عينيه الخضراوتين، مما جعل فريسيا تتشنج في مكانها.
‘ما هذا؟’
هل ارتكبت خطأ؟ هل هناك شيء غير لائق في الهدية؟
نظرت بسرعة إلى إيزار، تتصبب منها قطرات العرق البارد.
لكن إيزار هو الآخر كانَ يحدّق في الأمير بتجاعيد ظاهرة في جبينه. لم يُعجبه ردّ فعل ريغيل.
‘لماذا ينظر إليه هكذا؟’
لم تزل كلمات الثناء التي قالها الأمير سابقًا عن فريسيا في الأكاديمية حاضرة في ذهنه.
لم يكن إيزار رجلاً غيورًا، لكنه لم يستسغ نظرة الأمير إلى زوجته.
أما ريغيل، فـوضع الهدية مجددًا في الصندوق بلطف، و ابتسم و هو يقول:
“مر وقت طويل منذ رأيتك بهذا الحُسن و السكينة، سأستخدمها بكل امتنان، يا دوقة.”
“أشكرك، سمو الأمير.”
“أرجو أن تستمتعي ببقية الحفل بكل راحة.”
غادرت فريسيا برفقة إيزار و هي تشعر بسعادة غير معتادة، غير آبهة بنظرات الاستياء التي صوّبها أفراد عائلة أنتاريس نحوها.
أما إيزار، فقد تجاهل هو الآخر تلك النظرات المليئة بالحقد الكامن، كانوا على الأرجح يخشون انكشاف آثامهم القديمة، فآثروا البقاء بعيدين.
‘حالما يُؤكَّد مَن هو والد فريسيا الحقيقي…’
قطّب إيزار حاجبَيه لوهلة، متأففًا من بطء سير التحقيق.
كان يظنّ أنّ تضييق دائرة الشبهات سيكون أمرًا يسيرًا، إن كانَ الأب من سلالة تحمل قدرات سحرية غير أنّ الحادثة كانت قديمة للغاية، و التحقق مما إن كانت والدة فريسيا قد التقت بأشخاص آخرين آنذاك، بدا أمرًا بالغ الصعوبة.
‘لكن بما أنّني استعدت ذلك الخاتم المزعج… فـسأنتظر وأراقب قليلًا.’
حينَ استدعى آتريا لاسترجاع الخاتم، ثارت غضبًا و رفضت التخلي عنه، و معَ ذلك، اضطرت السيدة أنتاريس نفسها لإقناع ابنتها بالتنازل عنه، و إن كانَ ذلك على مضض.
‘يالَهُ من موقفٍ مثير للسخرية.’
في البداية، كانَ يشعر بالضيق من نفسه، مستاءً من مدى الغضب الذي اجتاحه لمجرد ظهور عروسٍ من نسبٍ غير شرعي.
لم يكن يتوقع قطّ أن تصبح فريسيا ذات شأن كبيرٍ في حياته، و لهذا بدا كلّ شيءٍ أكثر تعقيدًا الآن.
لاحظ إيزار نظرات فريسيا المتجهة نحو الجانب الآخر من قاعة الحفل، فـسألها بنبرة منخفضة:
“فريسيا؟ ما الأمر؟”
“آه! ظننت أنني رأيت شخصًا أعرفه.”
همست فريسيا، متفاجئة من لمسة يده الخفيفة، كانت تتوقع حضور الكاهن الأعظم في مثل هذه المناسبات، لكن ما لم تتوقعه هو هذا العدد من الكهنة المصاحبين له.
‘رأيت شعرًا فضيًا… هل يُعقَل…؟’
لكن و قبل أن تتمكن من التحقق، أنزل الكهنة أغطيتهم فوق رؤوسهم، مغطين أرديتهم الأرجوانية بالكامل.
و في تلك اللحظة، اقتربت مجموعة مألوفة حتّى باتت ملامحها واضحة، فـانصرفت فريسيا عن الكهنة و التفتت نحو جهة أخرى.
“إنها عائلة دينيب، دوق.”
“……”
“هل نذهب لتحيتهم معًا—”
لكن، في تلك اللحظة، اختفى شعور يد إيزار في راحتها.
‘ماذا؟’
لم يكن قد أفلت يدها تمامًا… بل كانَ قد أحاط خصرها بذراعه.
رفعت فريسيا نظرها نحوه بدهشة، كانت تخشى أن تنزلق من فمها كلمات حمقاء لو تكلّمت.
‘و لكن لماذا…؟’
و لم تكن وحدها من بدت حيرتها جليّة، فـبناءً على الشائعات التي تقول إنّ الدوق لا يُبدي اهتمامًا بزوجته، فقد اتّسعت أعين المتفرجين في دهشة صامتة.
لكن إيزار لم يحرّك يده عن خصرها، بل ثبّت نظره بازدراء على ألبيريو دينيب.
كانَ يعلم أنه يبدو كـمغرَمٍ أحمق بهذه المرأة، لكنه لم يستطع كبح اندفاعه.
ذاك الوغد الذي تجرّأ ذات يوم على التلميح بخطبة ثانية لعائلة أنتاريس…
‘و كأنّه كان سيصبح خيارًا أفضل لفريسيا…’
تلبّسه شعور مفاجئ بعدم الارتياح، فـاشتدّت قبضته على خصرها.
ثم استدار بها، و بدأ بالسير نحو الاتجاه المعاكس.
“سنلقى فرصًا كثيرة لتحيتهم غدًا، هيا بنا.”
“لكن—”
كانت حرارة كفه الملتفّة حول خصرها كافية لجعل وجنتيها تتوهجان خجلًا.
كل موضع يلامسها فيه… كان يشتعل دفئًا.
✦✦✦
بعض الناس يحبّون التفاخر بمن يحبّون أمام العلن، فيما يفضل البعض الآخر إخفاءهم عن العالم كله… و الاحتفاظ بهم لأنفسهم فقط.
الإمبراطور كانَ من النوع الثاني بلا شك.
فـمنذ وفاة الإمبراطورة في وقتٍ مبكر، نقل جميع صورها إلى جناحه الخاص، و معَ مرور الوقت، تلاشت ملامحها من ذاكرة الجميع.
لكن، في الليلة التي أعقبت الحفل الأول…
دخل ريغيل جناح جده الإمبراطور بجرأة.
كانَ أحد الجدران مغطى بستارة من المخمل الأحمر القاني، و إن تذكّر جيدًا، فإن خلفها لوحة مخفية…
همس كبير الخدم بخوف و هو ينظر للستارة:
“يا سموّ الأمير، إن فتحتها من دون إذن، فإن جلالة الإمبراطور—”
“أما ترى الشبه بينهما؟”
“بين من و من، يا سموّ الأمير؟”
“بين الدوقة… و جدتي.”
كاد الخادم يفقد صوابه من وقع تلك الكلمات:
“يـ-يا سموّ الأمير! لا يجوز قول مثل هذا—!”
“انظر بعينٍ محايدة، انسَ نسب الدوقة للحظة.”
امتثل الخادم لأمر الأمير الصارم، و رفع عينيه نحو اللوحة العتيقة للإمبراطورة.
شعرها ليس ذهبيًا خالصًا، بل مزيج من البُني و الذهبي، وجهٌ رقيق، و عيون أورثتها لأبنائها.
ليست جميلة بالمقاييس الشائعة، بل ذات جمالٍ أشبه بروحٍ سكنت غابةً قديمة.
‘حينَ أنظر جيدًا… فعلاً، هناك شبه بينها و بين الدوقة…!’
و وفقًا لذلك المنطق، فإنّ هناك شبهًا طفيفًا بين الدوقة و الأمير نفسه، بُنية جسدية رشيقة، ألوان شعر و عيون متقاربة.
تبدّل تعبير الخادم إلى صدمةٍ صامتة، بينما اقترب ريغيل من اللوحة أكثر و همس لنفسه:
“لماذا؟ لماذا لم يلاحظ جدي ذلك أبكر؟”
فهو مَن رتّب الزواج بين إيزار و تلك المرأة، و حضر الزفاف بنفسه.
و تلقى منها التحية…
و أمام عينيه.
تمتم الخادم بعدما تمالك نفسه:
“إن كانت العروس قد أبقت غطاء الزفاف على وجهها، فمن الطبيعي ألا يراها جيدًا، يا سموّ الأمير.”
“آه.”
بالفعل، لم يرَ الدوقة دون غطاء وجهها إلا اليوم.
‘لكن، معَ ذلك…’
أحبّ الإمبراطورُ زوجتَه الراحلةَ حدّ الجنون، حتّى إنه سمّى أبهى شوارع العاصمة باسمها، و نعى رحيلها طوالَ حياته.
لكن إن لم يُدرك ملامح محبوبته في سلالتها التي تقفُ أمامه الآن…
فيا لسخرية المأساة.
“حتّى عائلة ألفيراتز حضرت اليوم…”
كانَ عليه أن يتعامل معَ الأمر برويّة، كي لا يُنظر إليه على أنه مُجرّد صدفة أو ظنون شخصية.
و لأجل ذلك، كانَ بحاجةٍ أولًا إلى…
“أحضِروا فييلا ألفيراتز فورًا، قولوا لها إن الأمر يتعلّق بالبحث الذي كانت تُجريه في الأكاديمية، و ستفهم المقصود.”
✨ انضم إلى المجتمع – منتديات الموقع
عالم الأنمي
عـام
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان!
شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة.
سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات.
هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات.
هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
التعليقات لهذا الفصل " 81"