في الليل، كانت بين ذراعيه، و في النهار، كانت منشغلة بالتحضيرات لزيارتهما إلى القصر الإمبراطوري، مرّت الأيام كما لو كانت مسحورة بقوس قزح، حتّى حلَّ أخيرًا اليوم الذي كانت فريسيا تنتظره.
‘قصر بيتلغيوس… مضى وقتٌ طويل.’
كانَ المكان مهيبًا إلى درجةٍ دفعتها إلى خفض رأسها دون تفكير، لكنها لطالما شعرت بالنفور من زيارة القصر. فـهالته الساحقة و نظرات ساكنيه ظلّت تذكّرها دومًا بمقدار ما كانت عليه من نقصان.
لكن هذه المرّة… كانَ الأمر مختلفًا، فتاةٌ في مثل عمرها تقدّمت إليها بمحض إرادتها.
ما إن وقع نظر فييلا ألفيراتس على فريسيا حتّى هرعت نحوها بحماس، و قبل أن يبدأ الحفل الرسمي، تمشّت الاثنتان معًا في حدائق القصر.
و بفضل ذلك، ظلّت كوابيس قصر أنتاريس تطوف في ذهنها كـظلّ باهتٍ في الخلفية.
لكن فييلا، التي كانت تُراقب فريسيا عن كثب، سألتها:
“سيدتي… ألن تذهبي لرؤية زوجك؟ سمعتُ أنّ الدوق موجود في القصر.”
“قال إنّ النقاشات معَ جلالة الإمبراطور و سمو ولي العهد ستأخذ وقتًا طويلًا، و طلب مني أن أرتاح إلى حين عودته.”
و لأن فريسا لم تكن تود أن تُزعج نفسها بأمر ذلك العجوز، فقد قَبِلت بسرور اقتراح إيزار بالبقاء معَ فييلا.
‘لا أرغب في مواجهة عائلة أنتاريس بعد.’
كانت تود الانتقام، لكن إن فقدت أعصابها في لحظة غضب، فقد تفسد كل شيء. و كان لا يزال لديها ما تناقشه معَ فييلا.
“قلتِ إنكِ تستطيعين فهم قواكِ بشكلٍ أفضل عبر دمي، صحيح؟”
“نعم! هل نفعل ذلك الآن؟ يمكننا إحضار قارورة زجاجية للدم على الفور!”
“لكن قلتِ إننا بحاجة إلى الذهاب للأكاديمية لتأكيد الأمر بشكلٍ دقيق، أليس كذلك؟”
“الأجهزة هناك، صحيح، لكن إن جمعنا الدم الآن و أرسلناه، فـسنختصر الوقت، الأمر يأخذ وقتًا أطول مما توقعت…!”
أومأت فريسيا برأسها و سألت بجدية:
“هل نحتاج إلى خنجر؟”
“أوه، لا! فقط إبرة، لنأخذ خمس قطرات من الدم… أو عشر؟ لا، عشرون؟”
“عذرًا، دائمًا ما أرتكب مثل هذه الهفوات.”
و في النهاية، نزفت فريسيا ما استطاعت من دمٍ عبر إبهاميها.
✦✦✦
لم تكن زيارة إيزار للقصر الإمبراطوري لمجرد الاستعراض.
“تلك القضية التي أرّقتنا حتّى وصولنا إلى العاصمة…”
كانَ عليه أن يناقش ظاهرة الوحوش الغريبة معَ الإمبراطور، و برغم أن كليهما لا يطيق الآخر، فإن الإمبراطور أدرك أن لا مجال لتجنّب هذا النقاش.
“أوه، دوق أركتوروس… لقد بذلت جهدًا عظيمًا.”
“شكرًا، يا صاحب الجلالة.”
“معَ تزايد ظهور الوحوش مؤخرًا، فإن دَين عائلتكم يتفاقم، لذا استدعيتُ الكاهن الأكبر كذلك.”
ألقى إيزار نظرة فاترة على الكاهن، الذي كانَ يقف جانبًا.
كانَ الشيخ ذو الشعر و اللحية البيضاء يبدو مهيبًا، لكن في الحقيقة، لم يكن يختلف كثيرًا عن رئيس نقابة للربا.
“هل لدى المعبد أي تفسير؟”
فـرغم أنه في العاصمة، ظلّ إيزار و فرسانه يواجهون الوحوش دون توقف، و كانت عائلة أركتوروس تُبقي المعبد على اطلاع بكل المستجدات، لذا آن أوان أن يقدّموا تفسيرًا.
لمعَت عينا الكاهن، و تصلّبت شفتاه.
‘هذا الشاب… عيناه حادّتان كوحش.’
لكنه أخفى انزعاجه تحت قناع من الوقار، و أجاب بصوتٍ جليل:
“عقاب الله لن يظلّ محصورًا بمن ينهبون في الشتاء، على الجميع أن يتوبوا باستمرار و يتأملوا في خطاياهم.”
بمعنى آخر : ليس لدينا أدنى فكرة.
رمق إيزار ريغيل بنظرةٍ جانبية، فأومأ له الأخير بهدوء، و وفقًا لما اتّفقا عليه مسبقًا، فقد حان دور إيزار لتقديم اقتراحه.
“يا صاحب الجلالة، كما تعلمون، تشارك عائلة أركتوروس تقليديًا في مهرجان الصيد، لكن، هل لي أن أطلب إذنًا بانضمامي، و معي بعض من رجالي، إلى فرسان الإمبراطورية هذه المرة؟”
“ماذا…؟”
قبل أن يتمكّن الإمبراطور من الرد، أومأ الأمير برضا على اقتراح إيزار.
“أُقَدِّر عرضك، يا دوق، ما رأيُك، جَدّي؟”
“همم، أتقترح أنَّ الوحوش قد تظهر في قلب القصر؟”
“لا يمكننا التأكّد هذا العام، فرسان آركتوروس هم الأكثر جدارة بالثقة في حالِ حدوث أي طارئ.”
“تسـك.”
و رغم استيائه، لم يكن بإمكان الإمبراطور أن يُوبِّخ حفيده، الإمبراطور المستقبلي، أمام الحاضرين، لذا، صبّ غضبه على هدفٍ أكثر ملاءمة.
“بالمناسبة، يا دوق آركتوروس، هل أنت على وفاقٍ مع زوجتك؟”
“…”
ذلك العجوز اللعين.
تجعّدت جبهة إيزار قليلًا، لقد أراد الإمبراطور أن يُذكِّره بالإهانة التي تلقّاها حينَ زُفَّت إليه “عروسٌ لقيطة” في ليلة زفافه.
‘الإمبراطور يرغب في رؤيتي أغلي غيظًا… بكِبتٍ بالكاد يمكن كتمه.’
و لو أظهر أيّ إشارة إلى ذلك، لاتّخذه الإمبراطور ذريعةً للضغط عليه بأساليب غير متوقعة.
لكنّ الحقيقة… أنّه لم يعُد يُكابد أيَّ غضبٍ ليقمعه.
خطرت بباله فريسيا، التي كانت على الأرجح بصحبة سيدةٍ من عائلة ألفيرتز.
ابتسم إيزار بهدوءٍ تام، و ردّ بصوتٍ ثابت:
“ما زال أمامنا الكثير لنتعلّمه عن بعضنا، لكنني ممتنّ لجلالتكم على هذه الترتيب الكريم.”
“…”
ارتجفت شفتا الإمبراطور، المستترتان خلف شاربه الأبيض.
‘ذلك المتغطرس الوقِح…’
لقد كان يأمل أن يراه يتلجلج خجلًا، لكن رباطة جأشه كانت مستفزّة، بشكلٍ لا يُطاق، لم يكن قد رأى تلك الفتاة عن قرب منذ الزفاف، و لم تكن لديه أدنى رغبةٍ بذلك، لكن من الواضح أنّها قد سحرته.
و حينَ ضاق ريغيل ذرعًا بهذا التوتر العقيم، تَدخَّل أخيرًا:
“فـلننزل الآن، جدي، و أنت أيضًا، يا دوق.”
“تقدّموا أنتم، أيها الأمير.”
“جدي…”
“هذا العجوز سيخلد إلى قسطٍ من الراحة، فـاذهب أنت و اهتم بما يلزم.”
و حينَ غادر الإمبراطور، و قد بدت عليه ملامح الضيق، مرّر ريغيل يده على حاجبَيه، متنهّدًا. فـجدّه كان يزداد حدةً كلما وقف في صفّ شخص لا يطيقه.
في طريقهما إلى قاعة الوليمة، تمتم ريغيل معتذرًا لإيزار:
“أعتذر نيابة عنه، يا دوق.”
“لا بأس.”
فما جرى لم يكن مفاجئًا، طالما أن إيزار في علاقة تعاون معَ الأمير، فـبوسعه أن يتحمّل حقد ذلك العجوز.
“لكن… هل أنت متأكد من أن بإمكاننا المُضيّ قُدمًا في إقامة الفعالية؟”
كانَ إيزار قد ألمح إلى أنّ الوحوش قد تظهر في مهرجان الصيد هذا، مما قد يشكّل خطرًا على العائلة الإمبراطورية. و معَ ذلك، أومأ ريغيل بهدوء.
“حان الوقت لأتخلص من سمعتي كـ أمير ضعيف، إن فررتُ خوفًا، فـستكثر الألسن لاحقًا.”
“إن كنتَ تُصرّ، لكن…”
“هم؟”
“زوجتي ترغب بتقديم شيءٍ لجلالتكم.”
زوجتي.
خرجت الكلمة من فمه برقة قطرة ندى.
و في جميع الأحوال، فإن تلقي شيء من فريسيا، و إبداء سرورٍ ظاهرٍ به أمام الآخرين، كانَ طلبًا غير مُعلن لرفع مكانتها.
“آها، ههه، فهمت، لا تقلق.”
و رغم أن ريغيل ابتسم بلطفٍ و كأنه يفهم المقصد تمامًا، إلا أن إيزار أشاح ببصره، كان الأمر مُجرّد لفتة صغيرة ضمن تعاونهما، لكن نظرة ريغيل جعلته يبدو و كأنه يعتبره رجلاً غيورًا.
‘ليس كذلك إطلاقًا.’
هو فقط قرر أن يُبقي فريسيا إلى جانبه، و خطواته السريعة إلى الحديقة لم تكن إلا لأنه لا يريد أن يترك مجالًا لرجل آخر…
‘لأنني أخلفتُ وعدي ذات مرة.’
كانت تأمّلاً في الحادثة التي وقعت في قصر أنتاريس، و كيف سمح لها أن تحدث.
و رغم أنه كانَ يدرك في قرارة نفسه أن لا هذا الانزعاج، و لا هذا الاضطراب الذي يصاحبه حماسة غامضة، يُبرّران تمامًا تلك الخطوات المتعجلة نحو الحديقة…
فقد كانَ يعلم كذلك أنّ وجود الليدي ألفيرتز و الحُرّاس لم يُشتّت انتباهه لحظة عن فريسيا الواقفة تحت وهج الغروب.
كانت حليّ الزبرجد التي أهداها لها تنثر الضوء على وجهها في ضوء الشمس الآفلة، و قد أرضاه هذا المشهد، لكنه تذكّر أيضًا أنّ هناك الكثير من المواضع التي لم يطبع فيها بصمته بعد.
رضًا عميق، و عطشٌ متّقد.
حضورٌ يجعل المرء يشعر بهذه التناقضات في آنٍ واحد.
و حينَ رأت فييلا ألفيرتز الدوق، انحنت سريعًا كـقطةٍ فزعة ثم انسحبت بهدوء، أما فريسيا، فـتنهدت بارتياح ما إن ظهر إيزار.
‘مهما بدا المكان آمنًا… لا يزال شعورًا غير مريح.’
فما حدث في قصر أنتاريس كانَ لا يزال جرحًا طريًّا. و شعور الأمان لأن إيزار حضر في الوقت المناسب هذه المرة، كانَ مُبهجًا حدّ الغصة.
“دوق، هل انتهيتَ من شؤونك… آه!”
لكن حينَ جذبها إيزار فجأة إلى صدره، تجمّدت يداها في الهواء من شدة المفاجأة.
‘ألسنا… في الخارج؟’
و حينَ قبّل خدّها الأيسر مجددًا، انتفضت فريسيا وتمتمت:
“لا يجب أن تفعل هذا…”
“و لِمَ لا؟”
“لأن! لأن مثل هذه الأمور يجب أن تتم في غرفة النوم…”
رمقت فريسيا محيطها بنظرات متوترة و هي ترتجف بين ذراعيه، لقد سمعت عن أُناسٍ يرتكبون أفعالًا فاضحة في حدائق القصر، لكن بالتأكيد…
لاحظ إيزار أفكارها و وبّخها بضحكة:
“هاها، أتظنين أنني سأضمّك أمام الناس هكذا؟”
“لكن أثناء تدريبات الرماية!”
“و من كانت تلك التي قالت إنها ستتلقى العقوبة أولًا؟”
أشاحت فريسيا بوجهها، غير قادرة على صياغة أي عذر، كانت تعرف تمامًا أن وجهها، الذي احمرّ بشدة، لا يمكن إخفاؤه حتّى في الظلام.
كانت عيناه الذهبيّتان تعكسان وجهها المشتعل بالخجل لقد أراد أن ينفرد بها في الحال.
“من هذا الطريق…”
أمسك بيدها و سحبها معه، فيما كانت وجنتيها تحمرّ من الحرج أكثر فـأكثر.
الليلة… لم تكن لتُغلق ستائرها قريبًا.
—
و في مكانٍ آخر…
بعد أن انتهى الاجتماع مع الدوق و الأمير، همَّ الكاهن الأعظم بالرحيل، لكن الإمبراطور استوقفه بنبرةٍ حادة:
“أيها الكاهن الأعظم، أتـبَعني.”
لهجته القاسية أربكت الكاهن، لكنه دخل الغرفة الخاصة، و أنصت لما سيقوله الإمبراطور باهتمامٍ بالغ.
“إن أنت لَبَّيتَ طلبي… فـسأشارك المعبد أحد الملاذات المقدّسة.”
“سموّك…!”
“ألم تكن تُلحُّ منذ زمن على معرفة موقعٍ واحدٍ على الأقل؟”
“نعم، لكن…”
اهتزت عينا الكاهن الأعظم لدى سماعه عرض الإمبراطور.
باستثناء عائلة أركتوروس، كانَ من النادر وجود أفراد يملكون قدرات سحرية متخصصة، و لم تلد العائلة الإمبراطورية منذ زمن بعيد مستخدمين أقوياء لتلك القوى.
و معَ ذلك، ظلّت أسرة بيتيلغوس تحكم الإمبراطورية بفضل أثرٍ مقدّس ورثته عن آدمانت في الأزمنة القديمة.
أرضٌ مقدّسة تنساب فيها الطاقة السحرية كما لو كانت شبكة من الأوردة المتشابكة.
مكان لا يعلم بوجوده سوى العائلة الإمبراطورية، و لا يمكن الاطلاع على موقعه إلا من قِبل الكاهن الأعظم، من خلال نصوصٍ مقدسة.
“لو كان بإمكاننا استخدام ذلك فقط!”
لحس الكاهن الأعظم شفتيه بتردد، ثم تحدّث بحذر:
“جلالتكم، أما كانت المقامات المقدسة في انحدار مستمر منذ زمن؟ بمكانٍ واحد فقط…”
“إن لم تكن راغبًا، فانسَ الأمر.”
قاطع الإمبراطور طمعه بحدة، كانَ يعلم أن حفيده يحمل نظرةً سلبية تجاه المعبد، و لم يكن ينوي منحه المزيد.
“تلك الأرض لا تزال تزخر بالقوة السحرية، لكن الطريقة لاستغلالها قد فُقدت، سيكون على المعبد اكتشافها مجددًا.”
“إن عهدتم لنا بالأمر، فـسيتولى المعبد الباقي، فما هي رغبة جلالتكم؟”
“…”
هبطت ظلالٌ ثقيلة على كل تجعيدةٍ في وجه الإمبراطور.
لقد توقّف الزمن في حياته منذ عشرين عامًا، منذ آخر مرة رأى فيها أبناءه أحياء.
ابنٌ جنَّ جنونه و هو يصرّ على البحث عن محبوبته المفقودة.
و الإمبراطور ذاته، الذي صرخ بوجهه غاضبًا، و نعته بالعار، و أمره أن يموت في الحال.
الابن الأكبر و زوجته، اللذان اختارا التوجّه إلى فيلا بعيدة حتّى “يهدأ رأس الأخ الأصغر”.
ثم جاءت الجثث الثلاث، بلا رؤوس.
و منذ ذلك الحين، شعر الإمبراطور و كأن كل يومٍ يمضي يخنقه أكثر من الذي قبله.
✨ انضم إلى المجتمع – منتديات الموقع
عالم الأنمي
عـام
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان!
شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة.
سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات.
هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات.
هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
التعليقات لهذا الفصل " 80"