في هذه الحياة، حينَ التقت به لأول مرة، لم تستطع أن تُفصح عن سرّها.
فقد كانَ بالكاد يكبح غضبه على زواج فُرض عليه من ابنة غير شرعية، و لم يكن هناك داعٍ لإعطائه سببًا إضافيًا لرفع صوته في وجهها.
لكن الأمور تغيّرت الآن.
“و بعد أن فقدنا طفلنا، أظنّ أنني أيضًا متّ بعدها بوقت قصير.”
إيزار، الذي لم يكن قد قبّلها يومًا، أصبح الآن يشتهيها دون تردد، الرجل الذي وصفها يومًا بأنها وصمة عار، و عبءٌ على كرامة العائلة…
معَ أنه، حتّى هذه اللحظة، لم يعتذر عن ذلك بعد.
‘لنضع هذا جانبًا الآن…’
وخزٌ خفيف من الألم مرّ في صدرها، لكنها تجاهلته، إذ خفق قلبها بسرعة و هي تستعدّ للكشف عن أكثر الأسرار أهمية في هذه اللحظة.
و بينما ظلَّ إيزار يُصغي بصمت، أسرعت فريسيا في الشرح.
ثلاث سنوات من الزواج، ثم الحمل المعجزي، ثم الإجهاض المفاجئ…
و معَ أنها روت كل هذا، لم تستطع النطق بالجملة التالية:
<ولادة طفل من والدين مثلنا… لم يكن ليجلب له السعادة أبدًا.>
‘لا داعي لشرح سوء علاقتنا آنذاك.’
لم ترغب أن تُعطي لإيزار الحالي أي تصوّرات خاطئة، كأن تجعله يتساءل: إلى أي درجة كرهها ليقول مثل هذا الكلام؟
لذلك، اكتفت بشرح كل ما يتعلّق بمنحها الرب 365 يومًا، و رغبتها في إنقاذ ريغيل في مهرجان الصيد.
“لهذا السبب أردت زيارة الأكاديمية.”
“…”
“السيدة ألفيرتز قالت إن من المحتمل أن أمتلك قدرة تطهير، فـظننت أنها القوة التي ذكرها آدمانت…”
و معَ اقترابها من نهاية حديثها، بدأت نبرة صوتها تفقد ثباتها، إذ لم يقاطعها إيزار طوال حديثها العاجل، و اكتفى بالإصغاء بهدوء.
فـماذا عساه أن يقول ردًا على كل هذا؟
حتّى النسيم الذي مرّ بينهما بدا مختلفًا، يحمل توترًا غريبًا في طيّاته.
لكن إيزار، ما يزال يلهو بزرّ المعطف بين أنامله، أجاب بنبرة هادئة:
“فهمت…”
كانت نبرته الهادئة كافية لأن تتسع عينا فريسيا بدهشة.
‘ما هذا؟ هل… صدّقني؟’
كانت تتوقع ردًّا باردًا، مثلما فعل حينَ أنكر تذكره لحادثة البحيرة، لكن عوضًا عن ذلك، كانَ ينظر إليها بوجه جامد، و عينين ثابتتين.
“هل لديكِ المزيد لتقوليه لي؟”
“آه! أ-أجل… إذًا. أودّ أن نقضي ما تبقى لي من وقت معًا.”
جمعت يديها معًا، و خفضت رأسها وقد احمرّت وجنتاها.
“وفي المستقبل، أودّ أن أطلب منك… اريد ان نحرص على عدم انجاب طفل.”
رغم أن المدة المتبقية من حياتها ما تزال تتجاوز المئتين، إلا أن التفكير بهذا الشكل جعل الموت يبدو و كأنه شيء يمكنها دفعه بكلتي يديها، لم يعد مرعبًا تحت ضوء الشمس الساطع.
لكن، رغم أنها تتحدث عن جسدها، كانَ طلبها هذا أصعب مما توقّعت.
‘لكن عليّ أن أقولها، الأمر يتعلّق بالوريث.’
ماذا لو مات الجنين أيضًا؟
راودها رجاء متهور بأنها قد تتمكن من إنجاب طفل إن حملت الآن، لكنها أجبرت نفسها على قمع هذا الأمل.
و بعد ثوانٍ قليلة، أجاب إيزار بنبرة باردة:
“إن كانَ هذا ما تريدينه.”
“أوه…!”
فُغرت شفتاها باندهاش، و لم تصدّق أن الأمر مضى بهذه السلاسة، لكن إيزار، دون أن يترك لها مزيدًا من الحيرة، جذبها إلى أحضانه.
“هل هناك شيء آخر تودّين قوله؟”
“لا، أظن أن هذا كل شيء… شـ-شكرًا لك.”
“حسنًا.”
ثم ساد صمت آخر.
لكن، على عكس التوتر السابق، حمل هذا الصمت نوعًا من الهدوء والراحة.
استندت فريسيا إلى صدره، تحدّق بصمت، و قد بدا على ملامحها الذهول، لم تكن تصدّق أن هذا الحديث قد انتهى لتوّه.
‘هل تمّت تسويته حقًا؟’
جرت الأمور بسلاسة عجيبة… لكن شيءًا ما لم يكن كما توقّعت.
‘ما الذي كانَ مختلفًا؟’
قبل أن تتمكن من فك شفرة هذا الإحساس المتداخل بين الارتياح و الارتباك، جاءها صوت إيزار من فوق رأسها:
“هناك أمرٌ خطر ببالي بخصوص قدرتك.”
“نـ-نعم؟”
“من المحتمل أن دوق أنتاريس … ليس والدك الحقيقي.”
“عذرًا؟”
شهقت بدهشة و رفعت رأسها على الفور.
كانت نظرات إيزار جادّة إلى حدٍ قاتل.
“عائلة مثلهم لم تُنجِب مستخدمًا للقوى منذ أكثر من ثلاثمائة عام… و فجأة تظهرين أنتِ؟”
“ذلك لأنّ…”
“من المنطقي أكثر أن يكون والدك من عائلةٍ أخرى تمامًا.”
“…”
رمشت فريسيا ببطء عدّة مرّات، ثمّ خفّضت رأسها، كانت كلماته جارحة، غير أنّها لم تصدمها كما توقّعت.
‘أنا أيضًا… لطالما تساءلت إن كانَ والدي فعلًا هو ذلك الرجل.’
كانت والدتها قد أصرت دومًا أنّ والدها “رجلٌ نبيل”، و لم تكن هناك عائلة أرفع شأنًا من آل أَنتاريس في العاصمة، لذا قبلت بذلك تلقائيًا.
لكن إن كانت هناك احتمالية كما قال إيزار…
“فما الذي جرى لي في ذلك القصر…؟”
ما الغرض ممّا فعلته تلك المرأة الشريرة و آتريا بها؟
‘و ماذا عن كل تلك الكلمات التي تفوّهت بها دوقة أَنتاريس؟’
الكلمات التي سحقت قلبها و قلب والدتها بلا رحمة، و الأفعال البغيضة التي تلتها، كانت تحاول جهدها ألّا تتذكّرها بعد أن شُفي جسدها، إذ كانت تمزّق أعماقها كلّما خطرت ببالها.
و إلّا، فإنّها كانت لتنهار قبل أن تنقضي أيّامها القليلة المتبقّية.
“هاه…”
شعرت بدوارٍ خانق، كأنّ الذل قد التفّ حول عنقها كـحبلٍ غليظ.
و الشعور الذي تبِعه لم يكن إلا غضبًا يخنق الصدر.
لكن أكثر من كرهتهم في تلك اللحظة…
كانَ نفسها.
لقد قبلت بمكانتها خارج التعاليم، ابنة غير شرعيّة، و ظنّت أنّ “هذا ما أستحقه، و هذا قدري.”
‘لماذا رضيت؟’
لماذا، بدل أن تواجِه الذكريات المؤلمة، فرت منها دون أن تغضب أو تثور كما ينبغي؟
كما تفعل الراعيات البسيطات الخاضعات للنبلاء الحقيقيين، لم تتغيّر بعد.
“هاه…”
“فريسيا، اهدئي.”
“نعم…”
عضّت فريسيا على شفتيها، و ضغطت جبينها على كتفه، كانت تريد البكاء، لكن البكاء على تلك الحادثة البشعة بدا كـإهدارٍ للدموع.
كانَ الهواء في رئتيها ساخنًا حتّى الألم، لكن… رُبما بفضل اليد التي كانت تُربّت على ظهرها بلطف.
“فريسيا… هل ما زال الأمر يؤلمك؟”
لم تَغب الرؤية عن عينيها بالكامل، كانت منكمشة بين ذراعيه حينَ همست بصوتٍ خافت:
“أنا بخير الآن…”
بدأت الكراهية و الغضب و العار تخبو إلى مُجرّد ألمٍ عالق في الأعماق.
لكنّها لم تختفِ بالكامل، كما أنّها لم تتوقّف عن كره نفسها لعجزها.
‘لكن… ماذا قال آدمانت؟’
<فيما تبقّى لكِ من الوقت… حقّقي ما تتمنّينه، مهما كان.>
إن كانَ الأمر كذلك، فرُبما يُغفر لها أن تسعى إلى انتقامٍ شخصي و هي تؤدي مشيئة الرب.
نظرت فريسيا بهدوء إلى شيءٍ موضوعٍ في المظلّة الخشبيّة التي جمعتهما.
القوس الذي أهداه لها إيزار، يلمع تحت أشعة الشمس برفق.
—
بعد أن أعادها إلى جناحه، نظر إيزار إلى المرأة النائمة بين ذراعيه.
يبدو أنّها استسلمت للنوم بفعل الإرهاق الجسدي، و الراحة المؤقتة، و التعب المتراكم.
“كم من كلامها… يجدر بي تصديقه؟”
تمتم إيزار، و الحيرة تغمر قلبه.
سماع شيءٍ بهذه الغرابة كانَ كأنّ أحدهم قلب له أفكاره رأسًا على عقب.
لكن أوّل ما خطر بباله حينَ سمع رواية فريسيا كان…
“أمّ فريسيا.”
المجنونة التي كانت في دوقيتهم.
سواء كانت قد جُنّت بعد أن قطعوا لسانها، أو كانت مجنونة بطبيعتها، لم يهمّه.
ما يهم هو “نظرة الناس إليها”.
بعض التابعين كانوا قد أبدوا تبرّمًا صامتًا من زواجه بفريسيا، ولم يمنعهم عن الإفصاح إلا موقفه الصارم.
و هم لم ينسوا ما كانت عليه أمّ فريسيا.
“الجنون داءٌ لا يُشفى منه حتّى بالقوى الإلهيّة، و خاصّة أنّ فريسيا قد أُصيبت بنوبةٍ ذات مرة بالفعل.”
فماذا لو شاع أنّها سمعت صوت آدمانت؟ و أنّها خاضت معجزة لم تُذكَر منذ قرون…؟
“هاه…”
أظلمت نظراته و هو يتأمّل المرأة التي غرقت في النوم من جديد.
<و في المستقبل… أرجوك لنحرص على عدم انجاب طفل.>
رغم أنّه لم ينوِ الإنجاب فورًا، لكن أن ترفض الإنجاب تمامًا، فـتلك مسألة أخرى، خاصّة بعد أن قرّر أن يُبقيها إلى جانبه.
“هل من المعقول أنّها تملك فقط مئتي يوم أو نحو ذلك؟”
أم أنّها روايةٌ نسجتها كي تتجنّب فكرة الحمل؟
“الدوق إيزار…”
لكن صوتًا ناعمًا ناداه، فـنظر نحو الأسفل، كانت فريسيا قد استفاقت من غفوتها، و عيناها صافيتان.
“ماذا؟ يمكنكِ النوم حتّى المساء إن أردتِ.”
“لو كنتَ قد عدت آنذاك، و سمّيت الطفل…”
“…”
“ما الاسم الذي كنت ستختاره؟”
عادت إلى هذا الموضوع.
قطّب إيزار حاجبيه، مستعيدًا أكثر ما حيّره ممّا قالته.
<بعد أن فقدنا طفلنا… أظنّني متُّ بعده بوقتٍ قصير.>
لأنّها كانت تتحدث عن موتها و كأنّه مُجرّد قصة بعيدة، و رغم ما تُكنّه في قلبها، فإنّ ذلك أربكه على نحوٍ لا يوصف.
لكنّه، و هو يُداعب خدّها، أجاب بهدوء:
“هل قلتُ إنني سأُسمّيه؟”
“نعم…”
“ما كانَ جنسه؟”
“كانَ ذَكَرًا.”
عَبَثَت فريسيا بِضعفٍ بأصَابِعِه.
“دوق إيزار … قُلتَ لِي مِن قَبل إنّي إن أرَدتُ شيئًا، فـعَلَيَّ أن أخبرَك…”
“قُلتُ ذلك.”
“معَ أنّي أعلَم أنَّ الطّفلَ لَم يُولَد في هذه الحياة… هل يُمكِن أن نذهبَ معًا إلى شُجيراتِ الورود في القصر؟”
“أُرِيدُكَ أن تُصَلِّي معي لأجله، و لو لِمَرَّةٍ واحدة.”
تِلك الشُّجيرةِ نفسُها ذاتِ الأشوَاك، الّتي كانت قد خَدَشَت سَاقَيها بِقسوةٍ في الماضي.
“ارتَاحِي الآن… “
فما الّذي يُمكِنه أن يقولَه في لحظةٍ كهذه، سوى المُوافقة؟
و حينَ أغمَضَت فريسيا عينيها مطمئنّة، أطلق إيزار تنهيدةً عَميقةً، لم تخرج إلا بعد مُرورِ وقتٍ طَوِيل.
‘أكُلُّ هذا محضُ خيال؟’
هل يُمكِن لِفَتاةٍ أن تَفتَعِلَ كُلَّ تلكَ الكلماتِ المُوجِعة؟ حتّى هو، الّذي لَم يُصَدِّقها في البداية، لَمْ يعُد يستطيعُ وَصفَ أحاسيسها بالكَذِب.
غير أنّ حلًّا بسيطًا خَطَرَ في ذهنِه معَ تَأمُّلِ الأمر:
‘إن هَاجَمَت الوحوشُ حفيدَ الإمبراطور فعلًا، فهذا يعني أن كُلَّ ما قالته صحيح.’
فما من شخصٍ يُقدِمُ على قولِ أمرٍ جلَلٍ كهذا، مالم يكن واثقًا ممّا رآه.
موعدُ دخولِهم إلى القصر كانَ يَقتَرِبُ بسرعة.
و قد باتَ يَرجُو، من أعماقِ قلبِه، أن تكون كُلُّ كلماتِ فريسيا هَلاوِسَ نَاجِمَةً عن نوباتِها فقط…
✨ انضم إلى المجتمع – منتديات الموقع
عالم الأنمي
عـام
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان!
شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة.
سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات.
هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات.
هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
التعليقات لهذا الفصل " 79"