كأنها خافت من أن يتحوّل فجأة إلى شخص قاسٍ… أن يقول لها : كل هذا كان خطأك.
“أرجوك، لا…”
مشاعر غامضة و خوف غير مفسَّر جعل فريسيا تمدّ يدها إلى الوراء بسرعة.
أمسكت بيده التي كانت تشدّها، و توسّلت بصوتٍ مرتجفٍ ممزوج بالدموع:
“لا تفعلها بهذه الطريقة… أرجوك.”
توقف إيزار، أنفاسه تتلاحق، و حدّق بِها و أدرك فجأة كم أن خصرها نحيل.
رقبتها، التي انكشف جزء منها بين خصلات شعرها اللامعة، بدت له حمراء بلونٍ مغرٍ.
كان يرغب في الاستمرار، مرارًا وتكرارًا، لكن…
‘لا تكن مخيفًا إلى هذا الحد…’
‘كن أكثر لطفًا، ولو قليلاً.’
صحيح… لم يمضِ وقت طويل منذ أن قالت له ذلك.
لم يكن يملك تعريفًا واضحًا لـ”اللطف”، لكنه أدرك أن عليه ألا يُخيفها.
“كنتِ خائفة؟”
“هاه… نعم…”
“لن أفعل كما فعلتُ قبل قليل، فـلا تبكي.”
“حسنًا…”
لم تكن تصدّق أن زوجها يستطيع أن يتحدث إليها بهذا الحنان، يهمس لها بهذا الدفء.
‘هل هذه اللحظة حلم؟’
لكن حينَ حاولت لفّ ذراعيها حول عنقه، شعرت بحرارة جسده، بعضلاته تحت القماش، و ثقل حضوره… و كلّه كانَ حقيقيًا.
لقد علّمت نفسها دائمًا أن تتوقع الأسوأ، أن تتقبّل أقل القليل…
لكن قلبها بدأ ينبض فجأة بقوةٍ كادت تفجّره.
“فريسيا…”
“فريسيا، انظري إلي.”
رفع ذقنها لينظر إلى وجهها، كانت عيناها مغلقتين بإحكام.
لكن في تلك اللحظة، أراد أن يرى عينيها… بشدة.
“هاه… افتحيهما.”
“صاحب السمو…”
أمالت رأسها قليلاً، و ارتعشت أهدابها قبل أن تفتح عينيها أخيرًا، و على جفنيها خيط من الدموع.
و حينَ نظر إلى عينيها بلون الأخضر الفاتح، التي استعادت ضوءها الساحر، حبس أنفاسه.
ذلك الضوء الذي اشتاقه بجنون… عاد إليه.
“هاه… دوق إيزار …”
همست باسمه بصوت عذب لا نهاية له، ظنَّ أن صبره قد بلغ أقصى حدوده، لكن سماعها تنطق اسمه بهذا الحنان… جعله يفقد آخر ذرة من اتزانه.
“قولي لي ما الذي تريدينه، بسرعة.”
“هم؟ هيا، أيّ شيء.”
ما كان ليتخيّل يومًا أن يقول مثل هذه الكلمات لامرأة. و خصوصًا امرأة كرهها بشدّة.
لكنّه الآن، أدرك تمامًا لماذا قد يُسرف الرجل دون تردّد لينال رضا امرأة واحدة فقط.
لو أنّه يستطيع أن يحظى بتلك النظرة منها إلى الأبد… لفعل أي شيء.
لكنّ الراعية منحته جوابًا كارثيًا.
“أريدكَ أنت… أريدك أنت!”
كان بإمكانها قول شيء أقلّ استفزازًا.
كان صوتها أكثر سُمكًا و تكسّرًا من تلك الليلة الأولى، و أنينها خافت لكنه شديد التأثير.
كلّ شيءٍ فيها كانَ يدفعه نحو الجنون، أكثر فأكثر.
و من بعد ذلك، لم تُقال أي كلمات واضحة.
كِلاهما غرقَ في لذّةٍ حارقة، حتى خفتَ صوتُ العالم في آذانهما، و تحوّلَ إلى طنينٍ باهت.
كما لو أنّهما غاصا مجددًا… في البحيرة التي غرقا فيها معًا.
____
مضطجعة في حضن إيزار، فكّرت فريسيا بشرود:
‘لقد شربتُ الشاي بالفعل…’
شاي بذر الجزر البري كانت تواظب عليه، و هو من وسائل منع الحمل المعروفة، و معَ ذلك، و كـأي وسيلة، لم يكن مضمونًا بالكامل.
“يا صاحب السمو.”
بعد صمتٍ طويل، تمتمت أخيرًا، محاولة جمع شجاعتها لتفتح معه موضوعًا يثقل صدرها.
“أريد أن أسألك عن شيء.”
“همم؟”
تكوّرت في حضنه أكثر، تراقب تعبير وجهه.
“لماذا أنقذتني من البحيرة، في ذلك الوقت؟”
“هل كان ينبغي أن أترككِ تغرقين؟”
“أوه، لا، لم أقصد ذلك. كنت فقط فضولية لمعرفة لماذا كنت تمرّ من هناك أصلاً.”
“…”
“ذلك المكان ليس قريبًا من القصر، كما تعلم.”
أشاح إيزار بنظره، صامتًا.
تذكّر ذلك اليوم جيدًا. شعورٌ غامض بالترقّب، تغلّفه ذكريات كريهة عن أخيه غير الشقيق. لم يعد يتذكر تمامًا لماذا أحضر إليه تلك الراعية… ماذا أراد منها تحديدًا…
لكنّه نطق بجفاء، و كأنّه يهرب من الحرج:
“لا أتذكّر. من يتذكّر تفاصيل تافهة مضى عليها خمس سنوات؟”
“…”
“و إذا رأيت أحدًا يغرق، تنقذه، بغضّ النظر من يكون.”
“…”
أطرقت فريسيا برأسها، و هي تُخفي امتعاضًا لطيفًا خلف ملامحها.
فهل أنقذها من الغرق فقط حتّى لا تطفو جثّتها منتفخة؟ بدا الأمر ظالمًا، لا سيّما و أنّها تتذكّر تلك اللحظة كـذكرى ثمينة بينما هو بالكاد يُعيرها اهتمامًا.
“لم أنسَ المعطف الذي أعطيتني إيّاه في ذلك اليوم.”
“…”
“رغم أن أمي أحرقته، احتفظت بزرّه على الأقل.”
“حقًا؟”
“نعم…”
في السابق، كانَ “زوجها” ينظر بازدراء شديد للزرّ المعلّق في عقدها، مدّعيًا أنه يُسيء إلى مكانة العائلة.
‘لكن الدوق إيزار الآن…’
لم تعد ترتديه كـقلادة، لكنها تحتفظ به داخل كيس صغير من الحرير مربوط على معصمها.
أخرجت كنزها الثمين وهمست:
“ها هو… هذا هو.”
“…”
أخذ إيزار الزرّ الصغير منها، عاجزًا عن الكلام. و برغم بهتان ملامحه، أدرك أنه يعود فعلًا لمعطفه القديم.
‘لقد احتفظت به طوال هذا الوقت؟’
شعر فجأة أنّ كلماته السابقة، حول نسيانه، بدَت غبية و سخيفة، و الآن… من الصعب أن يدّعي أنه تذكّر.
تبًا… لماذا دائمًا تجعلني هذه المرأة أشعر بالإحراج؟
لكن فريسيا، بوجه مشدود بالتوتّر، سألته:
“هل ترى شيئًا مكتوبًا على ظهره؟”
“نقش؟”
“نعم.”
قبل وفاة والدتها، كانت قد عرضت عليها الرقم “365” المنقوش خلف الزرّ، لكنها صرخت يومها و صفعته بعيدًا عن يد ابنتها.
حتّى ثيا، التي كانت تساعدها في ارتداء ملابسها، لم ترَ شيئًا.
‘يبدو أنّ لا أحد غيري يمكنه رؤيته…’
لكن إيزار، بقوّته على محو الوحوش، لعلّه مختلف.
“في الحقيقة… بدأت أرى عدد الأيام المتبقية لي فيه.”
تراقب بعينين متوسّعتين بينما يتفحّص إيزار خلف الزرّ.
لم يظهر عليه الذهول، ولم يعترض.
فاليوم… بقي لها 215 يومًا فقط.
و لهذا، كان عليها أن تتحلّى بالشجاعة.
أن تبوح بكلّ شيء… قبل أن يغيّر رأيه بشأن منحها حرية الحديث.
“سموّك، في الحقيقة… لقد مُتُّ مرةً من قبل، لكن الاله منحني عامًا آخر، فـجئتُ لأكون بجانبك.”
✨ انضم إلى المجتمع – منتديات الموقع
عالم الأنمي
عـام
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان!
شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة.
سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات.
هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات.
هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
التعليقات لهذا الفصل " 78"