ألقى إيزار نظرةً جانبيّة على فريسيا، التي كانَ وجهها يُشرق بأبتسامةً صافيةً خاليةً من أيّ هم.
‘هل تظنّين أنّكِ تُخفين ذلك جيدًا؟’
رآها، و هي تتأمل الهدايا بعينيها المليئتين بالفضول، دون أن تسأله عن سبب اختياراته، بل مرّت عليها بخفةٍ مقصودة، كما لو أنّها لا تودّ إحراجه.
مُعلّبات زهر البنفسج المُحلّى بالسكّر… هو نفسه لم يكن يعرف لماذا ضمّهما إلى الهدايا.
‘كلّ ما في الأمر أنني أردتُ أن أُهديها إيّاهما، فحسب.’
راودَهُ شعور بالحرج و الانزعاج، دفعه للتفكير بالمغادرة، لكن ابتسامتها الرقيقة كانت كفيلةً بتثبيته في مكانه.
“شكرًا لك، يا صاحب السمو.”
“سأُقدّرها جميعًا… أوه؟”
فريسيا فتحت أحد الصناديق، و اتسعت عيناها بدهشة.
“أهذا… قوس؟”
“لا حاجة لأن تتظاهري بالإعجاب.”
ردّ إيزار ببرود، و هو يراقبها تتأمّل القوس الأبيض.
“بإمكانكِ الاحتفاظ به كـزينة في غرفتكِ، لا أكثر.”
“ماذا؟ لا، ليس الأمر كذلك.”
ابتسمت فريسيا ابتسامةً خالصة.
“شكرًا لك، أعجبني حقًا.”
كانَ القوس المصنوع بيدِ حِرَفيٍّ بارع، قطعةً ثمينة لا تقلّ قيمةً عن المجوهرات الفاخرة.
ناهيك عن أن الصيد بالصقور و الرماية كانا من الهوايات المحببة لدى سيدات الطبقة النبيلة، حيث تشارك النساء في مسابقات الرماية خلال المناسبات الملكية، بينما ينشغل الرجال في صيد الطرائد.
‘لطالما رغبتُ بتجربتها.’
كانت إلكترا و أتريا تمتلكان أقواسًا بديعة الصنع. و لم يكن التميّز في الرماية شرطًا، بل مُجرّد امتلاك القوس كانَ دليلًا على الانتماء إلى عالم النبلاء.
ذلك العالم الذي لم تستطع فريسيا دخوله يومًا، مهما قاومت أو صبرت.
‘و لن أدخله، حتّى آخر يومٍ في حياتي.’
ذلك العالم الذي نبذها بأبشع الطرق هذه المرة،
و رغم أنها لم تعد ترغب في اقتحامه، فإن قدرتها على تحقيق رغبةٍ صغيرة من ماضٍ بعيد منحها شعورًا خفيًا بالرضا.
أما إيزار، فقد بدا مذهولًا لرؤيتها تبتسم بصدق بسبب شيءٍ تافه كهذا القوس.
‘ما الذي يعجبها في هذا الشيء؟’
و معَ ذلك، رؤيتها مسرورة خفّف قليلاً من شعوره بالإحراج، المهم الآن أنها أحبّت واحدةً من هداياه على الأقل.
اقترب منها بصمت، يراقبها و هي تجرّب شدّ وتر القوس بحذرٍ و فضول.
“هل تعرفين كيف تستخدمينه؟”
“آه، نعم… قليلاً.”
“متى تعلّمتِ؟”
“حسنًا… كانت هناك أوقات اضطررتُ فيها للصيد بنفسي.”
حينَ كانت تربي الكتاكيت لتربية الدجاج، كانت والدتها تذبحها عنادًا، فاضطرت للتخلي عنها.
أما الخنازير، فكانت أكثر كفاءة، لكن لا قدرة لها على شراء خنزير صغير، و لم تكن تملك قلبًا يسمح لها بذبح خنزير بجسدها الضئيل.
لذا، حينَ كانت بحاجة ماسّة إلى اللحم، لم يكن أمامها سوى أن تتصرّف بنفسها.
“و كيف حصلتِ على القوس؟”
“قصصتُ غصنًا من شجرة الدردار، و ربطته بخيطٍ من الكتّان.”
“و السهام؟”
“جمعتُ أغصانًا مناسبة، و بَرَيتُ أطرافها.”
لم تكن تملك مالًا لشراء قوسٍ حقيقي، لذا لجأت لتقليد الصيّادين مستخدمة أدواتٍ بدائية،
و رغم أنّ احتمالات الفشل كانت أعلى بطبيعة الحال، إلا أن ذلك كانَ أفضل من البقاء جائعة.
لكن ما لم تستطع كتمانه، هو تلك النشوة التي شعرت بها جرّاء اهتمامه المُفاجئ.
رغم أنّها كانت تفاصيل هامشية من أجل البقاء، إلّا أن اهتمامه منحها قيمة جديدة.
أما إيزار، فقد فوجئ هو الآخر بما سمعه منها.
و نسِيَ لوهلةٍ أن حياتها لم تكن سهلة، و أنها ترعرت تحت ظلّ أمٍ مختلّة العقل.
“و ماذا كنتِ تصطادين غالبًا؟”
“كنّتُ أطارد الأرانب أسفل التل…”
“حقًا؟”
“نعم، و أحيانًا… حينَ يحالفني الحظ، كُنتُ أصيب حمامة.”
همست فريسيا بذلك بخجل، فهزّ إيزار رأسه.
لقد رأى بنفسه كيف رمت حجرًا أصاب جبين ألبيريو دينيب من قبل، لذا بدا الأمر منطقيًا.
‘إن كانت تعرف استخدام القوس… هل كانَ عليّ أن أشتري لها صقرًا أيضًا؟’
أغاظه أنه لم يفكّر بذلك مسبقًا، فـشدّ حاجبيه قليلًا، محاولًا كبح إحساسه بالندم.
يمكن ترتيب ذلك عند عودتهما إلى القلعة،
صقرٌ مدرّب، أنثى ماهرة في الصيد، سيكون الرفيق الأمثل لمراقبتها و هي تتدرّب…
“انتظري.”
تمتم إيزار فجأة، بينما كانت فريسيا تحتضن جعبة السهام بسعادة.
“أليس من المفترض أن تحصلي على إذنٍ منّي قبل الذهاب إلى الصيد؟”
“…!”
“لم تطلبي إذني و لو مرة واحدة أثناء إقامتكِ في أرضي.”
“أوه… اممم…”
“ثُمَّ … ألم تكن تلك الحمامات التي اصطدتِها من النوع الذي هرب من مطبخ القلعة؟”
إذ إنّ السكّان لا يُسمح لهم بالصيد في الأراضي التابعة لعائلة أركتوروس من دون تصريح رسمي.
كما أنّ الحمام يُربّى بالقرب من القلعة خصيصًا من أجل فطائر الحمام، و إذا شوهد طائر هارب، يجب إعادته إلى مطبخ القصر.
استدارت فريسيا برأسها دون أن تنبس بكلمة.
“…”
مظهرها كانَ كافيًا ليُثبت أنها قد كُشِفت، و ارتسمت على شفتي إيزار ابتسامة صغيرة كادت تفلت.
كيف تجرّأت على خداعه بذلك الوجه البريء؟
كانت تُطبِق شفتيها الصغيرتين بإحكام، و تُمعن النظر في الأرض بتوتر، و هو ما وجده جذّابًا على نحوٍ غريب.
كانَ يعلم تمامًا أنّ السكان كثيرًا ما يلجؤون إلى الصيد خلسة لتوفير أجور الصيّادين، كانت تلك المخالفات الصغيرة شائعة، لا سيما في الشتاء القاسي حينَ يندر الطعام.
‘لا نُعاقب الناس بقسوة على أمور كهذه.’
كتم ضحكته بصعوبة، و خفّض صوته ليُخفي نبرة المرح التي زحفت إليه.
“هاه…”
كارثةُ حياتِه… كانت تصطاد خلسةً طوال ذلك الوقت، بنبرةٍ مذنبة و نظراتٍ متوترة.
بينما كان إيزار يفرك وجهه بغيظ، شعرت فريسيا بجفاف في فمها.
‘لقد أخطأت، ماذا عليّ أن أفعل؟’
لم تكن تريد سوى أن تتفاخر قليلاً معَ زوجها، لكن غرورها أعماها، مما أدى إلى زلة لسان، و معَ شخص يكره الخداع أشد الكره!
‘ما نوع العقاب الذي يُفرض على سكان الدوقية عندما يصطادون الطعام بدون إذن الدوق؟’
كانت متوترة جدًا لدرجة أنها لم تستطع التذكر، لكن عندما توقفت عينا إيزار الذهبيتان عندها نظرة حادة، تلعثمت.
“أنا آسفة. سأقبل أي عقاب تمنحه لي.”
“عقاب، هاه.”
عضَّ إيزار شفتيه ليكبح الضحك الذي يكاد يفرّ منه.
شفاهها الصغيرة ترتعش و هي تقول إنها ستقبل العقاب، و وجهها يتورد حمرًا خجلاً…
مرر إيزار يده بخفة على عنقه، كان الشوق يجفف حنجرته كأن الماء اختفى منها، و في تشققات الأرض الجافة، بدأ شوق كان كامنًا يتدفق بحرارة من جديد.
“ما نوع العقاب الذي تريدين أن تتلقيه؟”
“حسناً… أنا…”
نظرت فريسيا إلى أسفل حيث لفّت يد إيزار ببطء حول خصرها، و ارتجفت شفاهها.
لم تصدق بعد أن علاقتهم تغيرت بهذا الشكل، و لا أن لمسات إيزار أصبحت تحمل حرارة واضحة.
‘هل كان هكذا دائمًا؟’
في حياتها الماضية، لم يناما معًا إلا مرة واحدة، و كانت تلك المرة محكومة بضبط النفس الشديد، قبلها و بعدها، لم يلمسها أو يلاطفها بتلك الطريقة العميقة.
شعرت بالخجل من مدى استمتاعها و هي تُسحب إلى حضنه، رغم ارتباكها لذلك.
“أنا أنتظر جوابك.”
همس بصوته الخفيض في أذنها، و يده تداعب وركها برقة.
ذلك اللمس الخفيف جعل فريسيا تحمر خجلاً و هي تنظر إليه، متذكرة كيف كان يمسك وركها بشدة في الليلة الماضية.
“سأقبل أي عقاب تمنحه لي، لكن…”
“لكن؟”
“آمل ألا يكون محرجًا جدًا.”
…
حدّق إيزار في وجهها المحمرّ.
بدأ يفهم قليلًا لماذا لا يستطيع بعض الرجال ترك احضان زوجاتهم طوال اليوم.
يده التي كانت تتجول حول وركيها تحركت ببطء إلى خصرها، و سحبها بقوة نحوه.
“هممم…”
مررَّ شفتاه على عنقها فـأطلقت أنينًا خافتًا أجش، حرارة جسديهما المضغوطين جعلتها تشعر بالدوار.
لكن فريسيا حاولت أن تمسك بيده.
عندما يرغب الزوج في احتضان زوجته، يجب أن تقبل ذلك بامتنان، و معَ ذلك…
تذكرت بذور الجزر البرية التي لم تستهلكها بالكامل بعد، فـشعرت برغبة في الهروب.
طفلهما الثاني، الذي قد يكبر سعيدًا على عكس طفلهما الأول.
أرادت رؤية وجه ذلك الطفل، لكن تذكر عمرها المحدود جعلها تتساءل كيف يمكنها حمل مثل هذه الرغبات المتهورة وغير المسؤولة.
شعرت بالقرف من نفسها.
غطّت فريسيا وجهها بيديها و همست بيأس.
“أشعر بالألم الشديد… “
…
حلَّ صمتٌ محرج بينهما، لكن هذا الألم كانَ أيضًا حقيقة.
قبل إيزار شعرها ببطء و همس في أذنها.
“أفهم، اهدئي.”
ترددت فريسيا قليلاً، لكنه أحاطها بذراعيه.
“الآن، فقط ابقي هكذا ساكنة.”
بالطبع، كانَ يريد أن يخلع عنها ملابسها من جديد، يعضّها و يقبلها…
‘سيكون هناك ليالٍ عديدة أخرى لأحتضنها.’
في الوقت الراهن، شعر بالرضا و الكسل بعد أن احتضنها، كان هذا الشعور بالكسل غريبًا و جديدًا في حياته.
و بينما كانَ يراقب فريسيا تلتقط الأسهم بخجل، تأمل إيزار الخبر الذي سمعه ذلك اليوم.
‘حريق في المعبد…’
و لا عجب في ذلك…
لا يوجد عذر حقًا، فـفي كل الأماكن، كان الحريق حيث تُحفظ عهود عائلة أركتوروس.
كانت عهود الزواج المقدسة أمام الله على مدى أجيال قد احترقت، و على الرغم من إمكانية استعادة بعضها، إلا أن أهمها قد استُهلكت بنيران اللهب.
العقد الذي ألغى عهود فريسيا.
‘هل إذًا حلّت المشكلة من تلقاء نفسها؟’
كانَ بإمكانه قطع العلاقة معَ عائلة أنتاريس، و البحث عن ابنة مناسبة من أسرة وفية من التابعين، سيكون مثل أبيه، يتزوج امرأة من أسرة متواضعة.
‘على الأقل هذه المرأة تحبني.’
كانَ والده مهملًا من قِبل والدته، يُترك لـيغرق في التعاسة، لكن مصيره سيكون مختلفًا، مُجرّد التفكير بذلك كانَ يملأه بالرضا العظيم.
‘هاه.’
شعر فجأة برغبة ملحة في العودة إلى الدوقية بأسرع ما يمكن.
مكان لا يملأ فيه فريسيا آمالًا كاذبة، حيث لا وجود للرجال الحمقى الذين يملأون قلبها بالنوايا المسبقة.
مكان يمكنه فيه أن يختفي معَ هذه المرأة، دون أي سبب يجعلها تتركه.
—
تم إخماد الحريق في المعبد و تنظيف الأضرار بسرعة، مقارنةً بتأثيره الأولي.
كانت المكتبة الفرعية في المعبد، حيث نشب الحريق، بعيدة قليلاً عن المبنى الرئيسي، و بينما كانت هناك «خسائر لا مفر منها»، لم ينع الكهنة على فقدان من تسبب في الحريق.
‘كيف يمكن أن يحدث مثل هذا الخطأ؟’
كانَ الكاهن الأعلى ألفيرج، المشرف على معبد العاصمة، يشعر بالمثل.
و بما أن عقود الزواج الثمينة، التي تشكل مصدرًا هامًا لدخل المعبد، قد احترقت، فـسيفقدوا الآن جزءًا كبيرًا من الميزانية كـتعويض.
و لكن مهما كانَ قلقه من المشاكل المالية، كانَ يعرف كيف يلعب لعبة العلاقات العامة.
“لقد قمتم بعمل رائع حقًا، أيها القس كانوبوس. لولاكم، لكان المبنى الفرعي بأكمله قد احترق.”
“لا حاجة لمدحكم، كانَ ذلك واجبي.”
رفع الشاب الكاهن، و هو راكع على ركبة واحدة أمام الكاهن الأعلى، رأسه.
“لقد قمت فقط بواجبي كـخادم لآدمانت.”
✨ انضم إلى المجتمع – منتديات الموقع
عالم الأنمي
عـام
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان!
شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة.
سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات.
هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات.
هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
التعليقات لهذا الفصل " 76"