رفعت فريسيا بصرها أخيرًا إلى إيزار، و نظرت إليه نظرةً مباشرة، كلماتٌ كهذه، من زوجٍ لم يُظهر لها هذا النوع من الاهتمام من قبل… ماذا كانت تعني حقًا؟
ناولها الصندوق ثم حوّل وجهه عنها، و كأن ما فعله لا يستحق أن يُشار إليه.
فتحت فريسيا العلبة بعناية، و قد لفّها شريطٌ كحلي أنيق.
‘آه…؟’
في داخلها، كانت هناك أقراط الزبرجد على شكل دمعة، تحيط بها أحجارٌ شفافة ناصعة كأنها قطرات ندى متجمدة، تشعّ ببريق خافت و مترف.
‘هل يُعقَل؟’
هل كانت ثيا على حق؟
‘هل يمكن أن يكون دوقنا العزيز قد خرج بنفسه ليشتري لكِ هدية؟’
كانت هناك عادةٌ تقضي بأن يُقدّم الزوج هدية بعد ليلتهم الأولى … و إيزار، رغم بروده، قد حافظ على هذا التقليد.
حتّى زوجها في السادسة و العشرين من عمره كانَ قد قدّم لها هدية بعد أيام من ليلتهم الأولى، حينَ استدعاها دون تفسير… و أعطاها إياها بهدوء.
‘التقاليد وُجدت كي نلتزم بها.’
معَ أنه لم ينبس بأي كلمة لطيفة و هو يحتضنها في تلك الليلة.
‘كانت أقراط زبرجد أيضًا.’
معَ أن الحجر لم يكن يَفنى، إلا أنها لم تجرؤ على ارتدائها أبدًا. شعرت أنها ثمينة إلى حدٍّ لا يليق بها. ثم، بعد وقتٍ قصير، وجدت نفسها حاملًا… و لم تتح لها الفرصة لارتداء مثل تلك الزينة الرفيعة.
في النهاية، وضعتها في الصندوق ذاته الذي خبّأت فيه قلادة الأزرار.
بأطراف أصابع مرتعشة، رفعت فريسيا أحد القرطين إلى النور.
‘التصميم و الصنعة مختلفان…’
لكن لماذا شعرت و كأن قلبها يعتصر بشوقٍ غريب؟
انحبست أنفاسها، و عقدت حلقها مشاعر لا تُوصَف، و حينَ رفعت رأسها، رأت إيزار ينظر إليها بصمت، عاقدًا ذراعيه، و كأن ردة فعلها كانت تعنيه بشدة.
في تلك اللحظة، تدفّقت في قلبها شجاعة غريبة… غير مألوفة.
“من فضلك… ضعهم لي.”
“دوق إيزار… أرجوك، ضعهم لي.”
كانت كلماتٌ لم تكن تملك الجرأة على نطقها من قبل. كانت تخشى أن يردّها بجملة كـ «لا تقولي كلامًا سخيفًا كهذا.»
لكن الآن، مدَّ يده نحوها بصمت.
حينَ رأت القرط على شكل دمعة بين أصابعه، بدا لها غريبًا فجأة… و كأنها ترى وجهًا جديدًا له.
لامست يده الفارغة شحمة أذنها بلُطف. و تذكّرت، دون قصد، كيف كانت يده تلامسها في الليلة الماضية… احمرّ وجهها بشكل لا يمكن السيطرة عليه.
و حينَ اخترق دبّوس القرط شحمتها، زاد احمرار وجهها أكثر، و ارتجف صوتها الخافت.
لقد كانت تتقلّب في أحضانه، عارية تمامًا، الليلة الماضية. فـعمَّ الخجل الآن؟ لكن أنفاسه، و حرارة جسده، و عطره… جعلوا رأسها يدور.
و عندما ثبت القرط الثاني في أذنها الأخرى، اهتزّ جسدها في أحضانه دون وعي.
“آه، هذا يؤلم…”
“يؤلم؟”
“الثقب في هذه الأذن أضيق… فقط أبطئ قليلًا…”
بينما انكمشت كتفيها، توقفت يده الكبيرة برهة، كأنه تردّد.
رمشت فريسيا بدهشة، و هي ترى إيزار يحاول صرف نظره عنها بارتباك ظاهر.
تذكّرت حينَ قال زوجها ذو الستة و العشرين نفس الجملة تمامًا… حين أطعمها التوت البري، و اشتكت من أنه أسرع كثيرًا.
“المرء لا يعرف كيف يفعل هذا… إلا إذا فعله من قبل.”
كانَ ذلك في أكثر ليلة أسعدتها في حياتها.
‘كُنتُ أظنه خجولًا في تلك الليلة.’
لم يكن من عادة رجال آل آركتوروس أن يحتضنوا زوجاتهم و يطعمونهنّ بأنفسهم، لكن الآن، في ضوء النهار، استطاعت أن تراه بوضوح.
كانَ حول عينيه شيءٌ أحمر، ووجهه بدا متلبّكًا… خجلًا بحق.
“هل كان خجولًا هكذا في تلك الليلة أيضًا؟”
لكن حين مات طفلهما، أدبر عنها ببرودٍ كأنها لا تعنيه.
لماذا…؟
و حينَ لاذت فريسيا بالصمت، بقي إيزار صامتًا بدوره، مسح وجهه بيده، كأنه لا يعرف ماذا يفعل بمشاعره الجديدة.
رُبما، كانت تلك المرة الأولى في حياته التي يشعر فيها بالخجل.
‘كُنتُ أظن أن هذه المجوهرات ستليق بعينيها.’
و بينما كانَ يُثبّت القرط في أذنها، تجنّب النظر في عينيها، خائفًا من أن تُفضَح محاولاته المرتبكة. كم بدا طبيعيًا، غريزيًا، و هو يلتهمها بشغف في الليلة الماضية، لكنه الآن، أمام طلب بسيط، يشعر بالحرج كـطفلٍ لا يعرف من أين يبدأ.
و معَ أنفه المحموم و حرارةٍ مفاجئة اجتاحت وجهه، مدّ يده يمسحه بخفة… لكن حين وقعت عيناه على وجهها، تجمّد.
“فريسيا؟”
“فريسيا، ما بكِ؟”
انهمرت الدموع من عينيها الخضراوتين بلون الضوء الباهت، تتساقط بصمتٍ ساحق.
أسرع إيزار يُمسك بوجنتيها بكفيه، يمسح الدموع بأصابعه بعجلة، لكن الدموع لم تتوقف… و استمرت أهدابها الذهبية في الارتجاف.
“فريسيا، لماذا…؟”
“أنا… أكرهك.”
تمتمت فريسيا، و هي تضغط جبينها على صدره، تبكي.
منذ أن تعلّمت كيف تذرف الدموع… أصبحت كل ذكرى، كل شوقٍ مكبوت، قادرًا على أن يُسقطها باكية.
“أكرهك كثيرًا… كثيرًا جدًا…”
أكرهك لأنك لم تذرف دمعة واحدة حينَ متُّ.
يوم مات طفلهما.
يوم الحفلة في قصر أنتاريس.
و اليوم التالي لليلتهم الأولى.
كل تلك اللحظات، و الكثير سواها… لحظات قاتلة اضطرّت فيها للوقوف وحدها، بثباتٍ متصنّع، في عالم النبلاء الذي لا يرحم.
لم تكن تطلب كلمات حانية، و لا حُبًا جارفًا… مُجرّد وجوده بجانبها كانَ ليكفي.
لكنه لم يكن هناك.
لم يكن هناك أبدًا حينَ احتاجته، و كرهته لذلك كرهًا جعلها تتنفس بالألم.
‘لكنني أكرهك أكثر لأنك تجعلني أُسامحك بهذه السهولة.’
ما تكرهه أكثر من كل شيء… هو نفسها.
تكره قلبها الذي يُسامحه، مرة بعد مرة، دون مقاومة تُذكر.
تكره ضعفها أمامه، بعدما أقسمت في قلبها أن تكون قاسية كـراعيٍ يذبح حملًا بريئًا… لكنها انهارت كـقلعة رملية هشّة.
شعرت بيدٍ ترفع وجهها المبلل بالدموع، برفقٍ شديد… و كأن لمسة شفتيه على زاويتي عينيها بالأمس قد تحولت الآن إلى ذكرى مؤلمةٍ و مشتاقة في آن.
“لِمَ؟… لِمَ تبكين هكذا؟”
“فريسيا.”
“سموّك… أنتَ… دائماً تتركني وحدي.”
كانت هناك آلاف الكلمات في صدرها، آلاف المشاعر التي تحترق في أحشائها، لكنها لم تستطع أن تنطق سوى بهذه الجملة المرتعشة، و هي تلهث بين شهقات البكاء.
و حينَ رفعت عينيها إليه، انفجرت دموع جديدة، أغرقت مقلتيها بلون الندم و الخذلان.
“بالأمس… كنت خائفة جداً.”
كأنها قُذِفت فجأة وسط عاصفة بلا سابق إنذار، تُجرد من ثيابها، و يُسحق جسدها تحت وطأة رغبته الكاسحة، و كل ما أعقب ذلك… تركها وحدها تواجه الصدمة، الصمت، و الثقل.
أما إيزار، فـبدا كمن سُحب منه الهواء، عاجزٌ تمامًا عن مواجهة هذه الدموع.
“لا تبكي… “
كانَ يريد أن يقول شيئًا لطيفًا، أن يهمس لها بكلماتٍ تبعث الطمأنينة… لكن صوته لم يعرف غير الجفاء.
و لمّا عجز عن أي شيء آخر، ظلّ يمسح دموعها بيده مرارًا، رغم أنها لم تتوقف.
“ما الذي تريدينه؟ قولي لي.”
في تلك اللحظة، أشرقت ملامح فريسيا بشيء من الهدوء وسط الحمرة التي لوّنت وجهها، و تمتمت بشفتيها المرتجفتين:
“أرجوك… لا تكن مخيفًا… مثل البارحة.”
“أرجوك… كُن ألطف قليلًا.”
لم يقل شيئًا، لكنه أومأ برأسه.
طالما أنها لا تنوي الرحيل، فلا بأس بأي شيء.
“ضعي ذراعيكِ حول عنقي.”
و إن قبّلها بلطف كما طلبت، فـليكتمل ذلك، لا بُدَّ أن يضُمّها إليه.
و حينَ فَتَح شفتيها ببطءٍ، و انزلق لسانه نحوها، ارتعشت فريسيا و تشبثت به.
على عكس تلك الليلة الأولى، كانت هذه القبلة بطيئة، ساحرة، تُذيب التفكير و تُشعل الوجدان.
و حينَ طبع قبلةً دافئة على خديها، حيث سقطت الدموع، أغمضت فريسيا عينيها، تلهث في صمتٍ مشوش.
أسئلةٌ كثيرة كانت تغلي في أعماقها.
هل أصبحت الآن زوجةً محبوبة… لا مُجرّد زوجة نافعة؟
و هل، حينَ كانت حاملاً، كانَ زوجها حينها… يحمل لها شيئًا من المشاعر أيضًا؟ هل كانَ هذا ما انعكس في عينيه تلك الليلة، حينَ قدّم لها التوت البري؟
من بين كل ما كرهته في إيزار، كانَ هذا الجرح الأكثر وحشيةً، و الأشد مضاءً.
لكن حينَ استحضرت ذكريات تلك الليلة… و التوت… و الأيام الساكنة التي أمضتها في جناحه حينَ حملت، بدأ شعور جديد يتسلل إلى صدرها.
‘رُبما … هو أيضًا تحطم حينَ فقدنا الطفل.’
إن كانَ الأمر كذلك، فـرُبما… فقط رُبما … بإمكانها أن تسامحه.
شعرت و كأن العقدة السوداء في قلبها بدأت تتفكك، ببطء.
و أصبح بإمكانها أن تعاهد نفسها مرة أخرى أن تبقى إلى جواره ما بقي لها من عمر.
‘إن كانَ هذا الرجل… يحبني حقًا… فـحينها، ما قلته له ذات مرة لا يعود قائمًا.’
كانت قد همست له ذات يوم، أنها إن شعرت أنه يلمسها بدافع الشهوة فحسب، فسوف تُدمّره.
و قد نطقت بها من قلبٍ لا يمزح.
‘لأن هذا كانَ أقل ما أستحقه.’
لكنها، في ذات الوقت، كانت تتمنى بكل قواها ألا يحدث ذلك أبدًا.
تدميره… يعني أن إيزار قد خانها بأقسى طريقة.
هي قادرة على احتمال برودته، و خيبته، حتّى تجاهله… لكنها لن تتحمل أن يسخر من مشاعرها.
أما ما إن كانَ ذلك سيؤذيه فعلاً… فذاك أمرٌ آخر.
‘و رُبما … أستطيع إخباره بسرّي.’
أن وقتها… يوشك على النفاد.
أن كل ما قاله الرب لها… كانَ حقيقيًا.
بعد أن انتهت تلك القبلة التي شبعت روحها بحلاوة الذوبان، بدأت صناديق غريبة تصل إلى غرفة فريسيا واحدًا تلو الآخر، بلا توقف.
“ألم تكن هديّة الأقراط هي النهاية؟”
سألت فريسيا بدهشة و اتّساع في عينيها الفيروزيتين، غير أنَّ إيزار تحاشى نظراتها و كأنّه يهرب من شيءٍ يعرف أنه لا يجيد التعامل معه، لكن حينَ التقت عيناه بعينيها المتوسّلتين في صمت، لم يَسَعْه سوى أن يتنهّد و يتذمّر ببرود:
“أنتِ لا تريدين أرضًا، و لا حتّى الخروج إلى شارع مايا… فـكيف لي أن أعرف ما الذي يعجبك؟”
“آه…”
احمرَّ وجه فريسيا خجلًا، و أخذت تعبث بأقراطها بخفّة، كانت قد رفضت سابقًا الهدايا و الاقتراحات، مدفوعة بما شعرت به من انكسارٍ و ارتباكٍ بعد تلك الليلة.
لهذا أرسل كل هذه الأشياء المختلفة…
بين المجوهرات التي أهداها لها، كانَ هناك قطع أخرى من الأحجار ذات اللون الأخضر الفاتح، تشبه عينيها بدرجات متفاوتة.
و بينما كانت تقلب الهدايا بهدوء، توقفت عند إحدى العلب و مالت برأسها بتساؤل.
زهور بنفسج محفوظة في السكر، موضوعة داخل مرطبان زجاجي صغير.
“…؟”
كانت الحلويات المسكّرة نادرة و ثمينة، و لكن… هل يهدي الرجل زوجته زهورًا سكّرية بعد ليلة الزفاف؟ أليس هذا غريبًا قليلًا؟
و هنا مرطبان آخر… ورود مسكّرة، و كأنها تأتي كـزوجٍ معَ الأول…
نظرت داخل المرطبان، ثم إلى شكل الزجاج المنحني الأنيق، و كأن قيمته تكمن في تصميمه أكثر من محتواه.
هل كانَ يختار الهدايا للنساء دون فهم لما يليق؟ أم أنه ببساطة… لم يهدي امرأة من قبل؟
و حينَ فكّرت بعمق، وجدت أنَّ ذلك قد يكون صحيحًا فعلًا.
رجُلٌ بمكانة دوق مثله، إن قدّم هدية لامرأة، فلا بُدَّ أن تكون من الأسرة الإمبراطورية، و لكن الأخيرة خالية من النساء، أما الهدايا الرسمية، فمن المؤكد أنّ السيدة إلكترا كانت تتكفّل بها.
إذًا… هل أكون أوّل امرأة تتلقى هدية شخصية من الدوق إيزار؟
أخفت ابتسامتها خلف المرطبان الزجاجي، ثم اختلست النظر إليه، كانَ واقفًا بذراعيه المتقاطعتين، و ملامح وجهه تنطق بالضيق.
بدا كمن أدرك للتو كم كانت هداياه مبعثرة و غير مترابطة.
أيعقل أنه لاحظ ذلك الآن فقط؟
أطرقت فريسيا رأسها قليلًا، و ارتسمت على شفتيها ابتسامة حزينة، ما زالت تودّ التذمّر و الشكوى مما سبّبه لها، لكنها كرهت نفسها لأنها شعرت بالفرح رغم كل شيء.
✨ انضم إلى المجتمع – منتديات الموقع
عالم الأنمي
عـام
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان!
شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة.
سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات.
هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات.
هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
التعليقات لهذا الفصل " 75"