كانَ دوق و دوقة أَنتاريس، اللذان أُزيحا عن أراضيهما، في حالة ارتباكٍ شديد و هم يهرعون لاستقبال صهرهم.
رغم أنهم قد تلقّوا إخطارًا مفاده أن إيزار سيزورهم في ساعةٍ باكرة، و هو ما لم يكن معتادًا عليه قط، إلا أنه قد حضر فعلًا.
و حينَ اقتيد إلى غرفة الاستقبال، جال بنظره في أنحاء القصر بوجهٍ بارد تغشاه المرارة.
ذكرى انهيار فريسيا ما زالت حيّة في ذهنه، كأنها حدثت بالأمس فقط.
رغم غياب أتريا عن المكان، إلا أنه متأكد أنها تُنصت من مكانٍ ما، و إن لم تكن تتجسس بنفسها، فستعلم بكل شيء فور مغادرته.
مسح الدوق أَنتاريس العرق عن جبينه، محاولًا الحفاظ على وقاره.
“دوق أركتوروس … ما الذي يدفعك لشرف هذه الزيارة المبكرة؟”
أجاب إيزار مباشرة، دون مواربة:
“الاتفاق المبرم معَ ابنتكم… لنعتبره كأنه لم يكن.”
“…!”
“ألا ترى أن الحديث وجهًا لوجه أفضل من إرسال رسالة رسمية؟”
كانَ هذا أول شيء وجب عليه حسمه ليُجري تسوية معَ الواقع الجديد.
و لا يمكن لأحد سواه أن يتولى الأمر.
بينما أصيب الدوق بالذهول، كانت نظرات الدوقة تُصبح أكثر حدّة، عميقة كـهاوية.
“نحن نأسف أشد الأسف لأننا قدمنا لكَ ابنة غير شرعية… لكن ما الذي كانَ بوسعنا فعله أمام أمرٍ إمبراطوري؟”
هل كانَ من دواعي سرورها أن تتخلى عن زواج رغبت به ابنتها، فقط من أجل نزوة إمبراطور؟! لهذا السبب أنفقت ثروة على المعابد، و غيّرت حتّى نصوص العهد المقدّس، فقط ليتراجع هكذا!
“لقد اتفقنا على أنك ستتزوّج أتريا في الوقت المناسب، و الآن تغيّر كلامك؟ ماذا عن مستقبل ابنتي الثمين؟”
أجابها إيزار بصوتٍ بارد، يخفي مرارة داخله:
“سأعوّضكم عن الوقت و المال الذي أهدرتموه بسببي.”
أما ما أُهدر من طرف اتريا، فـبالكاد كانَ أربعة أشهر، و أما الرشاوى التي دُفعت للكهنة؟ فبإمكانه دفع ضعفها لعكس كل شيء.
تشقّقت ملامح الدوقة المتماسكة أخيرًا عند جرأة صهرها، و كأنها رأت أمامها فجأة شابًا مغرمًا بجنون بتلك الابنة اللقيطة.
رغم أنها قد حذّرت أتريا من قبل، إلا أن الغيظ استعر في صدرها هي الأخرى.
“ما أشدّ هذا العار! كيف تجرؤ على إهانة ابنتي بهذا الشكل؟!”
لكن إيزار لم ينفِ، بل أجاب بنبرة جامدة:
“لن أنكر أن ما حدث كان مخزيًا.”
قالها و كأنما يتحدّاها: “ثم ماذا؟”
كلّ تركيزه خلال الحديث لم يكن عليها، بل على الرجل الذي جلس متصلبًا في مكانه.
“بالمناسبة، دوق أَنتاريس، دعني أسألك مجددًا…”
“م-ماذا…؟”
“لم تخدعني، أليس كذلك؟”
قطّب إيزار جبينه و هو يسترجع ما ورد في تقرير تشارلز.
“والدة فريسيا… التقيتَ بها في شبابك، أليس كذلك؟ لكن يبدو أنها أيضًا اختلطت برجال آخرين.”
في أوج الموسم الاجتماعي في العاصمة.
امرأة، جاءت من الريف محاولةً إنقاذ بيتها المتداعي، جاهلةً بما يجري في هذا العالم القاسي.
لكن إن لم يكن للمرأة سوى جمالها و سذاجتها، فلن تختلف كثيرًا عن بائعة الهوى.
“و في النهاية، طُردت من العاصمة، و أنجبت فريسيا فور وصولها إلى أرضي، و هذا كانَ قبل عشرين عامًا، و لم تكن ولادة مبكرة.”
حتّى و إن اعتبرنا أنها أُهملت لسنوات على تلك الأرض، فالتواريخ لا تتطابق، ليس وفقًا لشهادات القُدامى التي جمعها تشارلز.
في بداية كلام إيزار، بدت الدوقة كأنها تتساءل: لِمَ يحفر في ماضٍ كهذا؟
لكن الآن… كانت تعضّ شفتها بصمت، و قد تلاشى اللون من وجهها تحت وطأة استجواب إيزار.
“و قد قطعتَ لسان تلك المرأة، أليس كذلك؟”
“…”
“شوَّهتَ حياتها للأبد، فقط لأنك أسأتَ الفهم.”
كانت يد الدوقة التي تمسّكت بحاشية فستانها ترتجف حتّى شحب لونها و تيبّست أناملها.
إيذاء عشيقة الزوج لم يكن أمرًا مستهجنًا بالكامل بين نساء النبلاء، حتّى دوق أَنتاريس في حينها ادّعى أنه ليس والد تلك الطفلة، لكن من ذا الذي يصدق كل ما ينطق به الزوج؟
و معَ ذلك، إن كانت قد اندفعت بدافع الغيرة، و أخطأت التقدير في سنوات شبابها…
“لذلك، اتفاقنا… لاغٍ.”
قالها إيزار بصوتٍ حاسم، و هو يُلقي بنظراته بين وجهَي الدوق و الدوقة، اللذَين كانا يبلعان ريقهما وسط صمتٍ ثقيل، بينما تسرّب العرق البارد على جبين الدوق.
“لنترك الأمور كما هي، و لا تتقاطع طرق أحدنا الآخر بعد الآن.”
تهديد مبطّن، و وعيد صريح… أن يلتزموا الصمت إزاء الماضي، أياً كان ما سيفعله هو مستقبلاً.
و حينَ يُغادر إيزار، فلن يكون مستغربًا أن تُفجّر الدوقة غضبها بوجه زوجها، مرددةً سؤالاً لم يغادر شفتيها طوال الوقت: لماذا لم تُوضّح لي كل شيء منذ البداية؟
لكن ما يحدث بين الزوجين، لا يهمّه في شيء.
—
“عليّ أن أُنجز وثائق المعبد بعد.’
ثم…
ذاك الكاهن الذي تجرّأ و قال إن فريسيا مثل أخته…’
الرجل ذو الشعر الفضي، و العينين الحمراوين.
ينبغي عليه أن يلتقيه وجهًا لوجه… ليعرف، تمامًا، ما الذي يُخفيه ذلك الرجل خلف ابتسامته العابثة.
‘وُلِدَ في كنف عائلة فلاحية ضمن أراضي كارينير، و قد تم التعرف على قواه الإلهية الاستثنائية في سنٍ مبكرة، ليصبح تلميذ كاهن في الخامسة عشرة، ثم خدم لاحقًا في معبد دينيب.’
الكهنة يحظون بالاحترام أينما كانوا، مهما كانت أصولهم.
و بحسب تقرير تشارلز، فإن ذلك الرجل كانَ بالفعل متفوّقًا… لكنّ ذلك لم يبدّد ما شعر به إيزار في أعماقه.
داخل العربة المتّجهة نحو المعبد، تمتم بامتعاض، و هو يضرب بقبضته الخشبية على الجدار الداخلي:
“لماذا أشعر بهذا الانزعاج؟”
أُقيمت كارينير قبل ثمانية عشر عامًا فقط، و تقع بالقرب من المنطقة التي كُشِف فيها عن آثارٍ للمتمردين، لكن أكثر ما يثير استياءه… هو وجه ذلك الكاهن.
كانَ وجهه وحده يوقظ في نفسه اشمئزازًا حادًا لا يُعلّل.
‘كأنني أواجه وحشًا.’
و أن تكون فريسيا قد جلست وحدها معَ رجلٍ كهذا، تتبادل الحديث معه بوجهٍ هادئ… أمرٌ كاد يدفعه إلى الغليان.
“الأكاديمية… و الآن المعبد.”
ضحك بسخرية جافة، و جبهته تنكمش بتجاعيد الغضب.
ألبيريو دينيب، الكاهن ذو العينين الحمراوين.
مُجرّد فكرة أن زوجته قد لفتت انتباه رجلٍ آخر، جعلت الدم يتصاعد في عنقه، كأنه يغلي.
كانَ يظن أن النيران المتقدة بداخله ستخمد بعد الليلة الماضية، حينَ أصبحت تخصّه بالكامل.
‘لكن لا…’
الغيرة ما تزال تنبض كـوحشٍ حي في صدره، و التفكير في المرأة التي تركها وراءه في القصر جعله يُضيق قبضتيه لا إراديًا.
هل كانَ هذا… قلقًا؟
‘بأقصى تقدير، هي الآن محاطة بالخادمات فقط.’
لكنه لم يستطع طرد تلك الرغبة الحارقة في أن يُبقيها تحت عينه في كل لحظة، بل أراد العودة إليها فورًا، و تفحّص جسدها كله، من الأعلى إلى الأسفل، ليبحث عن موضعٍ لم يترك عليه أثره بعد.
غير أن العربة توقفت فجأة قبل أن تصل إلى بوابة المعبد.
أسرع أحد الفرسان المرافقين له، و قد ارتسم القلق على وجهه.
“سموّك، يبدو أن الطريق إلى المعبد قد أُغلِق بالكامل.”
“ما الذي يحدث؟”
“يقولون إن حريقًا اندلع ليلة أمس و بسببه، لا يُسمح لأي زائر بالدخول اليوم، و هناك أنباء عن وفاة أحد الكهنة.”
“هاه…”
ترجّل إيزار من العربة، و عيناه مصوّبتان نحو المبنى القابع على الهضبة المنخفضة.
في مثل هذا الوقت من النهار، كان المعبد يُفترض أن يتلألأ بياضًا تحت أشعة الشمس، لكنه الآن مكسوٌّ بدخان رمادي خفيف.
و لو أنصتت جيدًا، لسمعت أصواتًا خافتة تصيح من بعيد، بينما يعملون على تنظيف ما تبقّى.
و يبدو أن النيران اشتعلت في المبنى المنفصل الذي خُزّنت فيه الوثائق المقدسة.
“ماذا نفعل يا سموّك؟ هل نعود…؟”
“ابحثوا أولًا عمّا إذا كانَ الكاهن المسؤول عن شؤون عائلة آركتوروس ما يزال على قيد الحياة.”
فـمنذ أن بلغه خبر وفاة أحد الكهنة، تسلّلَ إليه نذير شؤمٍ بارد، كأن يدًا مثلجة انغلقت حول كتفه.
و غالبًا ما يكون ذلك النذر… صادقًا.
—
حينَ بدأت نسمات المساء الباردة تهبّ برفق، كانت معنويات فريسيا قد غاصت إلى الحضيض.
جسدها ما يزال منهكًا، و الجلوس وحده بدا مهمة شاقة. و فوق ذلك، كانَ شعورها بالهجران يتفاقم، حتّى باتت لا تقوى على كتم الألم.
“قسوةٌ لا تُحتمل…”
تمتمت بصوت خافت، و قد لفت نفسها ببطانية رقيقة.
أين ذهب إيزار؟ حتّى الخدم لم يملكوا إجابة.
‘قضيتُ اليوم كله و أنا أُصارع الألم، و قلبي يوشك أن ينفجر من القلق…’
و بعد كلّ ذلك، لم يتبقَّ لها إلا مرارة مُهينة، تشبه شعور امرأةٍ باعت جسدها لا أكثر.
و الأشد مرارةً… أنها غلّت الشاي بالبذور البرية، خشية أن تُرزق بروحٍ جديدة لا وقت لها.
‘لكن، بعد رشفتين أو ثلاث، لم أستطع أن أتابع.’
في كل مرة ترفع فيها الكأس إلى شفتيها، كانت الغصّة تخنقها كـعجينة لزجة في الحلق، راودها شعورٌ خافت، كأنها كانت تخنق أحدًا بيديها… فهل هذا ما يشعر به القاتل؟
كل شيء انقلب على رأسها، كـفوضى بلا نهاية، و لم تعد حتّى قادرة على التفكير بما عليها فعله بعد الآن.
لكن في تلك اللحظة، وصل إلى أذنيها صوت عجلات عربةٍ تدحرج فوق طريق الحصى.
الزوج الذي اختفى بعد ليلتهم الأولى، قد عاد أخيرًا.
‘كنتُ أظنه سيختفي لأيام…’
و بينما لا تزال الغصة في قلبها، لم تنهض من السرير، بل ظلت متكوّرة تحت الغطاء، تلفّه حول جسدها و كأنها تبني حاجزًا وهميًا.
“همف.”
في العادة، من المفترض أن تستقبل السيدة النبيلة زوجها عند عودته إلى المنزل.
لكن كبرياءها رفض، و ها هي تملك عذرًا وجيهًا: الألم في ساقيها يجعل مُجرّد النهوض عسيرًا.
غير أن الأصوات المرتفعة عند الباب جعلتها تنهض على مهل، بدون أن تقول شيئًا…
‘لابد أنَّ إيزار قادم إلى هنا.’
لم يكن في نهوضها أي رغبة لرؤيته، بل مُجرّد التزامٍ صامت بلقب “الزوجة” و “دوقة القصر”.
و قبل أن يدخل، كانت قد رفعت البطانية حتّى وجنتيها.
“فريسيا؟”
“…”
“ما الخطب؟”
حتّى حينَ اقترب منها، ظلّت تخفض رأسها، لا رغبة لها في النظر إليه… لا الآن، و هي ممتلئة بالضيق و الغضب.
كانَ يقف إلى جوارها، لكنها لم ترفع عينيها.
“كيف تشعرين؟”
“…”
“لماذا لا تجيبين؟ هل أنادي الطبيب حالًا؟”
“مرحبًا بعودتك.”
نطقت أخيرًا، بعدما حطّم الارتباك في نبرته صمتها الثقيل.
رفعت عينيها نحوه بنظرة باردة، كأنها لا تكترث، لكن قبل أن ترى وجهه بالكامل، لفت انتباهها شيء آخر.
يده.
كانَ يحمل علبة صغيرة، لا تكبر راحة كفّه.
“ما هذا…؟”
“خذيها.”
أجاب بصوتٍ مقتضب، واضعًا العلبة في يدها المرتجفة التي لم تزل تُمسك بالبطانية.
“لا أريد أن يُقال إنني لا أؤدي حتّى الحدّ الأدنى من واجباتي كـزوج.”
✨ انضم إلى المجتمع – منتديات الموقع
عالم الأنمي
عـام
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان!
شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة.
سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات.
هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات.
هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
التعليقات لهذا الفصل " 74"