‘إن حَمَلتُ بطفلٍ الآن، فـسأحتاج إلى تسعة أشهرٍ إضافية لأضعه… ما لم أُجهِض مبكرًا.’
بحسب عُمرها المتبقي، لن يكفيها الوقت لحمل طفلٍ مكتمل، و إن وُلد، فقد تكون قد فارقت الحياة قبل رؤيته.
‘في أسوأ الأحوال… قد أموت و أنا ما زلتُ أحمِل به.’
جسدها بدأ يبرد تدريجيًّا من هول الفكرة التي باغتتها.
و إذ لاحظت الخادمات شحوبها، تبادلن نظراتٍ قلقة و سألنها بحذر:
“سيّدتي، هل أنتي بخير؟ هل نجلب لكِ طعامكِ سريعًا؟”
“آه، نعم…”
حتّى ارتداء ملابسٍ نظيفة بات مرهقًا عليها، احتاجت إلى مساعدتهن في كل شيء. لذا، لم يكن واردًا أن تتناول طعامها خارج هذه الغرفة.
في هذا الجناح الذي غاب عنه صاحبه الأصلي، بقيت فريسيا وحيدة.
و قبل أن تهمّ الخادمات بالمغادرة، أمسكت فريسيا بأحد الأكمام.
“ثيا، انتظري، ابقي هنا.”
“أجل، حاضر!”
أضاءت عينا ثيا ببريقٍ من الحماس، و هرعت إلى جانب سيدتها.
بدا و كأنها في غاية السعادة، و كأن فريسيا أخيرًا استقرّت في بيتها و أصبح المستقبل واضحًا أمامها.
لكن تلك البهجة ما لبثت أن تحوّلت إلى حيرةٍ حينَ سمعت طلب فريسيا:
“ثيا، أريدكِ أن تجلبي لي بعض بذور الجزر البري.”
“ماذا؟ و لِمَ ستُستخدم؟”
“لأُعدّ بها مرهم للجسم…”
رفعت فريسيا كمّها، متظاهرةً بإخفاء خجلها، كانَ الجلد الرقيق في باطن معصمها مليئًا بكدماتٍ أرجوانيّة باهتة.
“انظري… هذا حال جسدي.”
“آه، يا إلهي، نعم.”
تمتمت ثيا و قد احمرّ وجهها، كانت قد رأته من قبل في الحمّام، لكنّ المشهد ما زال صادمًا.
‘ما كان أحدٌ في الدوقية سيتوقّع هذا، أليس كذلك؟’
من كان يتخيّل أن السيدة، التي غادرت نحو مكتب الدوق في وضح النهار، ستُسحب إلى غرفة النوم فورًا؟
حتّى الخادمات اللواتي وضعن الطعام على الباب و هرعن للهرب، كانت وجوههن محمرّة كالكرز.
فالأصوات التي تسلّلت من شق الباب حينها كانت… مُحرِجة حد الاحتراق.
و المشهد الذي خلّفته تلك الليلة المجنونة: ملاءات ملوّثة، و ثوبٌ ممزّق، كانَ كافيًا ليُفهم كل شيء.
الليلة تلك، أصبحت “ابنة أَنتاريس غير الشرعيّة” زوجة دوق شرعية بحق.
حتّى الآن، كانت مُستبعدة من شؤون الإدارة، محرومة من اتخاذ القرارات داخل الدوقية، لكن كل شيء على وشك أن يتغيّر.
لم يعد هناك سبب للتقشّف أو لتجنّب الأنظار.
“آه! يمكننا الآن استخدام أشياء أكثر فخامة! ألن يكون من الأفضل أن نُحضر زيتًا عطريًا مميزًا؟”
“لا، لقد وبّخني الدوق سابقًا لأنني استخدمت العطور.”
“أوه… فهمت! سأذهب فورًا إذًا، سيدتي!”
أدارت فريسيا وجهها برفق، تخفي انزعاجها من حماس ثيا المُفرِط.
‘هل خدعتها بما يكفي؟’
كانت تعرف استخدام بذور الجزر البري، كانَ من المألوف بين النساء كـوسيلة منعٍ للحمل.
اكتسبت تلك المعرفة قديمًا و هي تتسلل للاستماع إلى أحاديث النساء، أو أثناء جمع الأعشاب للغنم في أيام الرعي.
‘أشهر الأعشاب لمنع الحمل هي عشبة الكوهوش الأزرق، و الميرمية… حسب ما سمعت.’
قيل إن الميرمية هي الأقوى، لكنها لم ترغب باستخدامها.
‘سمعت عن نساءٍ لقين حتفهن بسببها…’
تقيّؤ دم، آلامٌ مروّعة في المعدة، فقدانٌ للوعي… الآثار الجانبيّة كثيرة، و إن أخذتها امرأة ضعيفة البنية بطريقةٍ خاطئة، قد تموت فورًا.
‘حتّى وإن كانَ عُمري محسوبًا مسبقًا، لا أريد أن أقصّره أكثر. و لا أريد موتًا مؤلمًا.’
الأعشاب التي فكّرت بها أولًا كانت مشهورة للغاية، مما يجعل طلبها أمرًا مريبًا.
لكن بذور الجزر البري… تُستخدم أحيانًا لأغراض تجميلية، لذا حتّى لو كُشف أمرها، يمكنها الادّعاء أنها لمرهم أو لوشن.
و معَ ذلك، حينَ عادت ثيا من حديقة المطبخ و هي تحمل كيسًا قماشيًّا منتفخًا، عجزت فريسيا عن النطق.
لماذا شعرت و كأنها تشاهد ذبح حيوانٍ لأول مرة في حياتها؟
“سيّدتي! أحضرتُ البذور! هل أطلب من الطاهي أن يستخرج الزيت منها فورًا؟”
“…”
“سيّدتي؟”
“أعطيني إيّاها فقط في الوقت الحالي…”
أجابت فريسيا بتردّد، و هي تمدّ يدها لتأخذ الكيس.
‘يقولون إن الحمل ليس أمرًا سهلًا… و دورتي الشهرية أصلًا ليست منتظمة.’
لكن، أليس من الحكمة أن تكون حذرة؟ خصوصًا بعد أن قيل إن روح طفلها الأول، ذاك الطفل المغطى بالأشواك، قد عادت إلى أحضان الله.
‘و لكن، ماذا لو… كانت هناك إمكانية لطفلٍ آخر؟’
أصبحت أصابعها باردة و هي تلمس الكيس القماشي.
طفل.
كانَ هناك زمنٌ تعلّقت فيه بفكرة الإنجاب، بكلّ بؤسها، على أمل أن تُحبّ، على أمل أن تجد لنفسها مكانًا في قصر الدوق.
أن تحيا فقط… أن تُرى.
لكن الآن؟ ماذا لو أنجبت طفلًا فعلًا؟
‘أُريد فقط أن أرى وجهه.’
أن تعرف كم يشبهها، و كم يشبه إيزار، أن تتأمّل عينيه، و أنفه، و فمه.
أن تلمس أصابعه الصغيرة و أقدامه الناعمة، و تحتضنه بقلبٍ يعرفه من اللحظة الأولى.
و حتّى لو كانت فتاة، فـستُنسَب إلى بيت الدوق، و تُمنَح حياةً خالية من الفقر و الذل.
‘و الأهم… أنها لن تُضرَب كما ضُرِبت أنا.’
لن تكون يداها خشنتين من قطف الثمار، و لن ترتجف من البرد في ثيابٍ بالية.
سيكون لها وقتٌ لتلعب عند الجداول، و تغمر قدميها في الماء.
بدأ قلب فريسيا يخفق بسرعةٍ مؤلمة مع تلك الفكرة.
‘لو قُدِّر لي أن أنجب طفلاً قبل موتي…’
فـرُبما، فقط رُبما، أستطيع أن أهب له الحياة التي حُرِمتُ منها.
شاردة الذهن، لم تنتبه فريسيا إلى ثيا التي كانت تساعدها بحماسة على تصفيف شعرها.
“تهانينا، سيّدتي! الآن بعدما علم الجميع أن السيّد يحبك بهذا الشكل، سيبدأون بخدمتك كما يليق!”
لكن فريسيا تمتمت، بصوتٍ اختنق أكثر مما أرادت له أن يُظهِر من مشاعر:
“و مَن يدري متى قد يغيّر الدوق رأيه مجددًا…”
لا يمكن إنكار أن شيئًا من المتعة قد تسرّب إلى قلبها، لكن المفاجأة التي باغتت كل شيء، و الألم الذي لا يزال يشقّ جسدها، جعلا من كل ذلك عبئًا ثقيلًا على روحها.
‘ذكريات ما حدث في قصر أَنتاريس لا تزال حاضرة في ذهني، كأنها حدثت بالأمس.’
ما جعلها تتحمّل، هو تلك الهمسات التي نطق بها إيزار بحرارة، و ذلك اللمس المشتعل الذي هبط عليها برفق.
<«فريسيا، انظري إليّ مباشرةً.»>
‘لم أظنّه سيظلّ إلى جانبي عندما أستيقظ.’
و معَ ذلك، وبرغم هذا اليقين الذي رسخ في عقلها، خرج من فمها سؤال طفولي ممزوج بالضيق:
“أين ذهب الدوق؟”
“آه… أعتذر، نحن لا نعلم أيضًا…”
“…”
“رأيناه يغادر في العربة، و لكن، أوه!”
صفّقت ثيا بيديها كمن توهّجت في ذهنه فكرة:
“هل يُعقَل أن سموّه خرج ليشتري هدية بنفسه؟”
“هدية؟ ما الذي تعنينه؟”
كانت هناك عادة قديمة تُوجب على الزوج تقديم هدية بعد ليلتهم الأولى معًا، لكنها لم تثق بأن إيزاز سيهتم بها أصلًا.
في النهاية، كانت هي من أحبّته، و هي من نامت بين ذراعيه، لكن شعورها كان و كأنها تغوص أكثر في وحل لا قرار له.
صحيح أنها أصبحت زوجته الحقيقية، لكنها أحسّت و كأنّه اكتفى منها في لحظة نزوة، ثم ترك لها كلّ ما تبقّى من تبعات.
تركها وحدها… وسط العاصفة.
—
—
—
بعد تلك الليلة الطويلة، حينَ غرقت فريسيا في النوم و هي تبكي من الإرهاق، ظلَّ إيزار يحتضنها من الخلف لفترة طويلة.
حتّى حينَ انسكبت ظلال الفجر الزرقاء الشفافة فوق السرير.
كانَ جسدها، الذي غسلته أنوار الفجر، مغطًى تمامًا بعلاماته.
كلما نظر إليها، شعر برضًا غريب، و بعطشٍ آخر لم يخمد.
“فريسيا…”
همس باسمها بصوتٍ ناعم في أذنها، شفاهه تلامس رقبتها الدافئة. و حينَ لامست شفتاه الجلد الذي عبث به طوال الليل، ارتجف كتفها قليلًا.
و برغم نومها العميق، بدا أن هذا النوع من التحفيز لا يزال مرهقًا لها، فقد أطلقت أنينًا خافتًا.
بينما كانت ترفع كتفيها، أظلمت عينا إيزار الذهبيّتان بجوعٍ متجدّد.
طوال الليل، شعر و كأنه على شفا الجنون.
ولو لم تنهك فريسيا نفسها بالمقاومة، لربما أيقظها من جديد.
‘لم أستعد تلك النظرة بعد.’
ضمَّ جسدها الناعم إليه بقوة، تلك العيون الخضراء المضيئة التي أشعلت رغبته ذات يوم، لم تعد بعد.
‘لكن… لا يهم.’
فها هي الآن ملكه.
و مادام لن يسمح لها بالرحيل، فكل شيء سيكون كما أراد.
طبع قبلة مترددة أخيرة على كتفها قبل أن ينهض.
‘لا بُدَّ أن الخبر انتشر بين العاملين الآن.’
لقد أعلن إيزار ذات مرة صراحةً أنه لن يلمسها، لكنه الآن كسر وعده… و بطريقة مدوّية.
و بينما كانَ من الصعب عليه أن يواجه مشاعره قبل أن يتجاوز ذلك الخط، فقد هدأت عاصفته الآن.
و قد حان وقت التسوية معَ الواقع، حتّى لو كلّفه ذلك شيئًا من الخسارة.
خصوصًا إذا كانَ ما يرغبه… هو فريسيا فقط.
و إذا رُزِقوا بطفل في المستقبل، فلا يجوز أن يكون غير شرعي.
إذًا، هناك أمور لا بُدَّ من تسويتها.
و حينَ سحب الجرس في مكتبه، كانَ تشارلز هو أول من حضر، كعادته.
و كان يدرك، تمامًا، لماذا استُدعي.
و كانَ يعلم أيضًا أن سيّده قد استسلم لسحر تلك المرأة… و اتخذ قرارًا يراه خاطئًا.
“تشارلز، هل أعددت ما طلبتُه منك سابقًا؟”
“نعم، سيّدي.”
ناول تشارلز إيزار المستندات المرتّبة بعناية، و هو يحاول جاهدًا أن يُخفي الانقباض الذي انعكس على ملامحه.
كانت تلك الأوراق خلاصة التحقيق بشأن والدة فريسيا… المرأة التي نُعِتت يومًا بـ”المجنونة”.
“لقد كانت بلا شك من سلالة نبيلة، لكنها من بيت سقط عن مجده، و يبدو أن العائلة انقرضت، فلا وريث، و لا أرض متبقّية.”
“همم…”
“و عندما أتت إلى العاصمة، ارتبطت بعدد من الرجال.”
كانَ الرجال الذين ارتبطت بهم ينتمون إلى عائلات نبيلة متفرقة، أو من فرسان المقاطعات المتمرّسين.
و الأدهى، أن كثيرًا منهم كانوا متزوّجين فعلًا، و لديهم أبناء.
‘و معَ ذلك، من المحتمل أن هذا التحقيق لم يكشف عن كلّ شيء.’
فـلو أراد أحدهم الحفر أعمق في ماضي والدة فريسيا، فسيلقى بالتأكيد من يغضب و يسعى لإسكات تلك الحقيقة بأي وسيلة.
“هذا يكفي في الوقت الحالي.”
قالها إيزار و هو يطوي الأوراق بعد أن تصفّح محتواها.
ثم أعقب بصوته الحازم:
“حسنًا، لنتوجّه إلى قصر أَنتاريس أولًا.”
✨ انضم إلى المجتمع – منتديات الموقع
عالم الأنمي
عـام
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان!
شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة.
سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات.
هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات.
هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
التعليقات لهذا الفصل " 73"