لم تستطع فريسيا أن تمنع دموعها من الانهمار، و هي تستسلم لتلك اللمسات التي أشعلت ارتباكها بالكامل، راحت يداها الصغيرتان تتخبطان بضعف عند معصمه، و كأنها تحاول دفعه بعيدًا عنها.
إيزار، من جهته، لم ينبس ببنت شفة، بل راقبها بعينين تلمعان برغبة مكبوتة، و ابتسامة صامتة ترتسم على شفتيه. لم يسبق له أن شعر بعضلاته ترتجف بهذه الطريقة من فرط الإثارة.
كانَ مشهد فريسيا وهي تهز رأسها بتخبط، غير قادرة على فهم ما يحدث، كفيلًا بأن يزيد نهمه أكثر.
“توقفي عن البكاء.”
همس بصوت هادئ، متهدّج، تملؤه الشهوة، و كان يعلم أنه يبدو غير صادق حتّى لنفسه. لكنه لم يكن يكذب تمامًا… فهذه كانت مجرد البداية.
في الوقت نفسه، لم تستطع فريسيا سوى أن تتنفس بصعوبة و هي تنظر إليه بعينين زائغتين.
لم يكن يكتفي بلمسات سطحية، بل كانَ يضغط بأصابعه على أكثر المواضع حساسية فيها، مما جعل كل لمسة تنعكس صاعقة في جسدها المتوتّر.
كل شيء كانَ حادًا، لاذعًا، و مشتعلًا كـالعسل المذاب فوق لسانها، شعرت بعجز تام عن السيطرة على جسدها، رغم كل ما حاولته.
“آه، لا… هذا كثير…”
في تلك اللحظة، حينَ ضغط بجسده نحوها أكثر، ارتجف جسدها بالكامل، و تصلب ظهرها من الإحساس الغريب الذي تسلل إلى أعماقها.
استطاعت أن تلمح جزءًا من جسده، فاستعادت فجأة ذلك الألم الحاد الذي اختبرته في أول مرة بينهما. الشعور الذي كان يذيب وعيها قبل لحظات تبدّد، و حلَّ مكانه وجع مألوف جعلها تتشبث بكتفيه و تشهق.
“إنه يؤلم… آه…!”
حاولت أن تتماسك، لكن كان ذلك مستحيلًا.
توقعت أن يقول لها ذلك، مثل تلك الليلة الباردة التي لم تحمل أي مشاعر، بل كانت محض واجب.
لكن صوته هذه المرة جاء مختلفًا تمامًا، دافئًا، متوترًا، يملؤه الرجاء:
“فريسيا…”
“فريسيا، استرخي… فقط قليلاً بعد.”
كانت نبرته مزيجًا من الألم و الرجاء، همس لها عند عنقها، ثم خدها، ثم شفتيها… و لسبب ما، شعرت أنها قد تحتمل كل ذلك الألم فقط إن واصل لمسه لها بتلك الطريقة.
في النهاية، أغمضت فريسيا عينيها ببطء و أومأت برأسها، مستسلمة له.
أجبرت نفسها على الاسترخاء، على ألا تقاومه، على أن تسمح له بالاقتراب أكثر.
و إيزار، الذي كانَ منحنياً فوقها، لم يكن بحالٍ أفضل. تنفّسه كان متسارعًا، متقطعًا.
“تـبًّا…” تمتم في نفسه، من شدة المتعة التي كانت تقتله من الداخل.
كانت تشده إليها مثل نبيذٍ معتّق يتدفق في حلقه، و عيناه الذهبيتان أصبحتا معتمتين و هو يراها تحته، ترتجف كـالقطة الصغيرة و هي تبكي.
أراد أن يحتويها بالكامل، أن يملأها به، أن يضيع بها كليًا.
لكنها ما زالت تحاول رفع جسدها في محاولة فطرية للهروب.
كانت ما تزال تقاوم… خوفًا، رُبما، أو خجلًا.
و معَ ذلك، لم يتراجع.
كانَ ينظر إليها كما لو أنها أجمل ما رآه في حياته، حتّى و هي تبكي بصمت. حتّى و هي ترتجف تحته، لم يكن في قلبه سوى رغبة واحدة: أن يجعلها تعرف، بكل طريقة ممكنة، أنها أصبحت له… منذ زمن.
نظرت فريسيا إليه بعينين دامعتين، و هي تفكّر بذهول:
‘فظيع… كم هو فظيع.’
زوجٌ قاسٍ إلى هذا الحد. كم كرهته في تلك اللحظة. لم ينظر إليها بهذا الشكل من قبل، و حتّى الآن، لا يزال يلفظ كلمات باردة كـالصقيع.
لم تنل حتّى تبريرًا عمّا كان بينه و بين أتريا.
كانَ يضمّها إليه بشغفٍ جامح، يترك آثار قُبَلاته على جسدها كما لو أنه لا يستطيع التوقف. و عندما رأت ملامحه المنهكة من الرغبة، أغمضت عينيها في استسلامٍ مرير.
رغم حبّها العميق له، شعرت في تلك اللحظة بكُرهٍ عابر، مؤلم، غير مبرر، لكنها لم تلبث أن ضاعت وسط أحاسيس غريبة عنها… نشوة جعلت ذلك الكُره يتلاشى ببطء.
—
—
—
في عامهما الثالث من الزواج، لم تتمّ علاقتهما إلا مرة واحدة، وكانت لحظة باردة، رسمية لا أكثر.
لكن هذه الليلة… كانت مختلفة.
استمرت تلك الليلة الطويلة، و امتدّت حتّى ابتلعت العتمة ضوء الشمس المنساب عبر النوافذ.
كيف يمكن لإيزار ألّا يستطيع الابتعاد عنها و لو للحظة؟
كلّما استعادت جزءًا من وعيها، كانَ يطبع قُبَلاته من جديد، أو يضمّها إلى صدره كما لو أنه يريد تذويبها بالكامل.
لم تدرِ كم مرَّ من الوقت، أو كم مرّة ناداها باسمها بذلك الصوت الذي يحمل من الحنان بقدر ما يحمل من السيطرة، لكن كل مرة كانت تظن أنها بلغت النهاية، كانَ يحتضنها مجددًا، و يهمس لها و كأنها الشيء الوحيد الذي يخصه.
‘لماذا؟’
أرادت أن تسأله ذلك عندما اعتنى بجسدها المُنهك، و نظّفها بلُطفٍ غريب، مستخدمًا منشفة دافئة.
لكن جسدها كانَ قد وصل حدّه الأخير… و تركها تسقط في نومٍ عميق بلا أحلام.
—
و عندما استيقظت في اليوم التالي، ظنّت للحظة أن كلّ ما حدث كان مُجرّد حلم.
‘هل… هل نمتُ حقًا معَ إيزار؟’
كانت تظن أنها قد حسمت مشاعرها، أنها تجاوزت كل ما يربطها به، لكن ما حدث أثبت العكس.
ظنّت أن كل ذلك كان مُجرّد وهمٍ من صنع التعلّق و الحرمان.
لكن قبل أن تطلق ضحكة باهتة، التقطت أنفاسها و هي تحدّق في سقف الغرفة الغريب عنها.
“م-ماذا… آه”
كانَ صوتها مبحوحًا، و كأنها قضت الليل كله تصرخ، و جسدها لم يعد يملك أي طاقة.
بلمسة خافتة، سحبت الغطاء نحو صدرها، و أرادت أن تنهض، لكن جسدها خانها، الألم الذي شعرت به في عضلاتها، و بالأخص ذاك الذي في ساقيها، جعل وجهها يكتسي حمرة خجولة.
‘هل من الممكن…؟’
هل ما حصل حقًا لم يكن حلمًا؟ هل امتدّت تلك العلاقة منذ الظهيرة و حتّى عمق الليل؟
نظرت فريسيا حولها بذهول.
“هـاا…؟”
إيزار لم يكن موجودًا.
و بحسب رنين الأجراس البعيد، يبدو أن وقت الإفطار قد مضى…
و فجأة، سُمِعَ طَرقٌ خافت على الباب.
تسارعت دقّات قلبها، و غطّت نفسها بالكامل.
“كح— مَن هناك؟”
“سيدتي! أنا ثيا، هل سعَلتِ؟”
كانَ صوت ثيا مليئًا بالقلق، تُرافقه خطواتٌ أخرى خلف الباب، يبدو أن الخادمات المخصّصات لها قد وصلن.
‘لابدّ أنهن علمن بالفعل…’
تنهدت في استسلام، وسمحت لهن بالدخول، بينما كانت الخجل يُغطي ملامحها.
لكن وجوههن، التي امتلأت بالدهشة، فضحت ما رأينه.
بل، ازداد ذهولهن عندما أخذنها إلى الحمّام.
‘من أعلى الترقوة حتّى الفخذين… آثارٌ لا تُخفى.’
لم يكن الأمر بحاجة إلى تفسير.
في العادة، كانت فريسيا ستُصرّ على أن تغسل نفسها بنفسها بدافع الحياء، لكنها كانت مرهقة إلى حدّ أنها لم تستطع حتّى رفع إصبعها، لذلك تركت الخادمات يعتنين بها في صمت.
‘لقد حدث أخيرًا…’
الاكتِمال الذي طالما أُجّل، وقع أخيرًا.
و في لحظة لم تكن بالحُسبان.
كأنها عاصفة اجتاحت حياتها فجأة، دون إنذار.
لم تكن تتخيّل أن طلبًا بسيطًا للسماح بزيارة الأكاديمية، معَ وعدٍ بألا تتصرّف كـزوجة، سينتهي بها إلى هذا المصير…
—
غير أن جسدها المنهك ارتجف فجأة، و كأن تيارًا كهربائيًا صعقها من الداخل.
‘المدة المتبقية من حياتي!’
حتّى و إن كانت القلادة ذات الزر التي تعدّ بها أيامها في غرفة أخرى، فإن العدد محفور في ذاكرتها… كانت تُحصيه كل يوم.
223.
لم يبقَ سوى مئتين و ثلاثة و عشرين يومًا.
و إن كانت قد حملت بعد ما حدث…
فلن يكون ذلك كافيًا، لا لحملٍ كامل… و لا لولادة.
✨ انضم إلى المجتمع – منتديات الموقع
عالم الأنمي
عـام
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان!
شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة.
سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات.
هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات.
هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
التعليقات لهذا الفصل " 72"