في تلك اللحظة، حين كانت تتحدث عن المستقبل بصوتٍ متردّد، كانت تعتقد أنها تمسك زمام قرارها.
لكن إيزار، الذي ظلَّ يراقبها بصمتٍ مقيت، شعر كأن خيطًا رفيعًا في أعماقه قد انقطع.
“لا تكوني سخيفة.”
هذه المرأة، التي وُلدت و تربّت على أرضه… من رأسها حتّى قدميها كانت تخصّه. كانت ندبةً في حياته، صحيح. لكنها ندبةٌ من حقه وحده.
‘إن قررتُ أن أبقيكِ، فستبقين، و إن أردتُ التخلي عنكِ، فسأفعل. لكن… لن أترككِ تبتسمين لرجلٍ غيري.’
حتّى فكرة ذلك أشعلت الجنون في عروقه.
و في لحظةٍ من الانفجار العاطفي، دون تفكير، انحنى نحوها و طبع شفتيه على شفتيها، قبلة مباغتة، مشوشة، مشتعلة بالغيرة و الامتلاك.
“آه…!”
شهقت فريسيا، و قد باغتتها القُبلة، بينما يداه تضغطان على جسدها الهشّ، يُقربها إليه، يُحكم تطويقه لخصرها النحيل، و لسانُه يقتحم حدودها بتلهّفٍ لا يُقاوم.
“دوق… لا…!”
همست و هي تلهث، تحاول تحرير نفسها، لكن أنفاسها المُرتبكة كانت تضعفها أكثر.
القبلة لم تكن مُجرّد التقاء شفتين… بل كانت أشبه بنارٍ تتسلل إلى صدرها، تُربك نبضها، تُذيب مقاومتها، و تُغرقها في دوامةٍ من المشاعر القديمة التي حاولت إنكارها مرارًا.
يداه كانتا تسندان رأسها و خصرها، تمنعانها من الفرار، تُغريانها بالبقاء.
كل لمسة من شفتيه، كل همسة ساخنة تلامس بشرتها، كانت توقظ فيها شيئًا دفنته طويلًا.
“ا-انتظر… أرجوك…!”
لكن صوته كانَ قد ضاع بين أنفاسه، و قلبه كان يهمس لها:
“لن أسمح لكِ بالرحيل… لا بعد الآن.”
و بينما كانت تتشبث بياقة قميصه، عاجزة عن الحراك، تُدرك فريسيا، رغم كل التناقضات، أنها لا تملك سوى أن تغرق معه في تلك القبلة الأولى… التي كانت مشتعلة كأنها الأخيرة.
كانَ لديها ما تقوله عن المستقبل.
حينَ طلبت فريسيا من إيزار أن يمنحها بعض الوقت للتحدث في العربة، كانَ قد خمّن سلفًا ما ستقوله.
من نظراتها التي لم تعد تلتقي بنظره، و من عينيها الشاحبتين اللتين فقدتا بريقهما…
كان يعلم أنها ستقول:
“لم يعد الأمر مهمًا.”
و حاول أن يقنع نفسه بأن ذلك أفضل. فـلو لم تقع حادثة قصر أنتاريس، لربما كانَ قد بادر بنفسه إلى قطع أي مشاعر تجاهها.
و معَ ذلك، لم يستطع أن يقول ببساطة: “قولي ما عندكِ الآن.”
كلما همّ بأن يفتح الحديث، تكوّرت غصّة مؤلمة في حنجرته.
‘تماسك.’
ظلَّ يوبّخ نفسه معَ كل دقيقة مرت قبل وصولها.
لكن حينَ نطقت بما لم يتوقّعه…
〈هل بإمكاني الاستمرار بزيارة الأكاديمية بعد ذلك؟〉
في تلك اللحظة، انقطع آخر خيطٍ في أعصابه.
“سخافة.”
هذه المرأة وُلدت و نشأت على أرضه. من رأسها حتّى قدميها، كل جزء منها هو من حقه.
امرأة كانت لطخة في حياته، لكنها لطخة تخصّه وحده.
إن قرر أن يتخلّى عنها، فليكن. و إن شاء أن يُبقيها، فلتبقَ.
لكن أن تبتسم لرجلٍ آخر؟ أن يراها أحد غيره في ذلك الضوء؟ مستحيل.
إن حدث ذلك، سيموت قبل أن يسمح به.
“آه…!”
و قبل أن يستوعب تمامًا ما فعله، كانت شفتاه قد التهمتا شفتيها.
كانت قبلة كاسحة، لا تترك لها فرصة للتفكير.
حتّى و هي تحاول الإفلات، كانَ يُلاحق شفتَيها و يعيد احتواءهما كأنما يخشى أن تُفلت منه.
و لكن حينَ رُفِعَت فجأة عن الأرض، بدأت سحابة الضباب التي خلّفتها تلك القبلة المتأججة بالتبدد تدريجيًا. إذ كانَ إيزار قد حملها بين ذراعيه، مما اضطرّها أن تتشبّث بكتفه على نحوٍ مرتبك. و كانَ يتوجّه بها نحو الغرفة المتصلة بمكتبه.
“…!”
ليست تلك غرفة “الدوق و الدوقة” التي كانَ من المفترض أن يُقضى فيها أولى ليالي الزفاف، بل الغرفة التي اعتاد إيزار استخدامها للراحة بمفرده. و ما إن فتح الباب، حتّى كاد الخدم الذين كانوا يجهزون المكان يقفزون من أماكنهم هلعًا لرؤية سيدهم يقتحم الغرفة على هذا النحو.
“اخرجوا جميعًا، فورًا.”
أمره الجليدي لم يترك لهم فرصة حتّى لالتقاط أنفاسهم من الدهشة. فحتى أحمق لن يجهل ما الذي كانَ على وشك الحدوث، بعد أن رأوا تلك النظرة في عينيه.
حدقت فريسيا بذهول إلى ظهور الخدم و هم ينسحبون بسرعة من الغرفة، ثم تجمدت عيناها عند منتصف الحجرة.
كانَ هناك سرير، لم يمضِ وقت طويل حتّى لامس ظهرها الفراش الناعم، لكن الإحساس اللطيف لم يخفف من ارتجاف جسدها.
‘لا… هذا ليس وقت ذلك.’
لم يكن الوقت مناسبًا. الإمبراطور لم يفرض عليهم شيئًا بعد، و لم يكن هذا هو الظرف الذي يستدعي من إيزار أن يقترب منها بهذه الطريقة.
و معَ ذلك، فإن الكلمات التي كانت تدور في رأسها بفوضى لم تجد طريقها إلى لسانها. كل ما صدر عنها كانَ أنفاسًا متقطعة عندما لامست يداه جسدها.
رغم أنه بالكاد أمسك بخصرها، إلا أنها شعرت و كأنها حيوان صغير عالق في فخ لا مفر منه.
“م-مهلًا، سموّك…!”
صوتها المرتجف لم يكن له صدى أمام هيبته، و حينَ رفعت عينيها نحوه كانت نظراته تحمل طبقات من المشاعر يصعب فكّ رموزها، غضب مكبوت، رغبة، و شيء آخر لا تستطيع تسميته.
فوجئت فريسيا حينَ رأته يتأملها بصمتٍ حاد، و كأنّه يحاول طبع ملامحها في ذاكرته.
“هذا لا يكفي…” همس بصوت خافت، كانَ أقرب إلى نفسه منه إليها.
أشعة الشمس تسللت من خلف الستار نصف المسدول، لتغمر السرير بضوءٍ خافت. و تحت هذا الضوء، بدت فريسيا أكثر هشاشة، أكثر بعدًا… و أكثر قربًا في آن واحد.
نظراته جالت على ملامحها و كأنّه يعيد اكتشافها، لا بعينَي دوقٍ و زوج، بل بشيء أعمق و أقسى.
ثم، دون أن ينبس بكلمة أخرى، أدار ظهره و ابتعد خطوة واحدة… لكنه لم يغادر الغرفة.
كانت أنفاس فريسيا متقطعة، و ملامحها مشوشة بين الارتباك و الخوف و التساؤل.
تملكها إحساس بالضياع… لكنها شعرت أيضًا، و للمرة الأولى منذ زمن بعيد، أنّ هذا الرجل… لا يزال يتصارع في داخله.
✨ انضم إلى المجتمع – منتديات الموقع
عالم الأنمي
عـام
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان!
شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة.
سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات.
هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات.
هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
التعليقات لهذا الفصل " 70"