كانَ يعلم أن ذبحًا سريعًا خيرٌ من معاناة طويلة… لكن سماع ذلك لا يجعل الفعل أسهل.
و تعلّمت فريسيا … بعد كثيرٍ من الوجع.
وفي اليوم الذي تبقّى فيه 224 يومًا من عمرها، قرّرت أن تفعل ما تعلّمته من قبل، لكن هذه المرة… لم يكن الهدف حملًا وديعًا.
و إنما قلبها هي.
‘كُنتُ أظن دائمًا أن هدفي هو أن أترك إيزار يندم على فراقي بعد موتي…’
على الأقل، هكذا كانت تفكّر… حتّى رأت بعينيها علاقته معَ أتريا.
و حينَ استعاد عقلها أجواء الأكاديمية… دبّت فيها رغبة خفيّة، لامست أطراف أصابعها، كأنها حرمانٌ جديد.
‘رُبما … كانَ عليّ أن أوسّع آفاقي خلال ما تبقّى لي من الوقت؟’
إن ظلَّ الندم يتسلّل إلى قلبها كـدخانٍ خانق، فلا بُدَّ أن تُقدم على قرار، و لهذا السبب تحديدًا، و على طريق العودة من الأكاديمية، جمعت شتات عزيمتها و قدّمت رجاءً، و كأنّها تنتزع الكلمات من حلقٍ يتمزّق من الداخل:
<أعلم أنّك قُلتَ لي ألا أُزعجك… لكن، هل يمكننا أن نقتطع وقتًا صغيرًا للحديث عن المستقبل؟>
لم تستطع طرح الأمر داخل العربة، لم تكن لتحتمل جوًّا خانقًا، و صمتًا قاتلًا يلفّهما عند النزول منها.
عندها، اكتفى إيزار بالتحديق فيها طويلًا…
<…حسنًا.>
بعد صمتٍ طويل، لم يقل أكثر من ذلك.
و الآن، و هي تقف أمام باب مكتب الدوق، ترمقه بنظرةٍ باردة شاردة، كانَ نور الصباح يتسلّل خلفها، لكن قلبها… ظلَّ مُظلِمًا، كـكهفٍ لم يعرف النور قط.
“ادخلي.”
رُبما استشعر وجودها، إذ جاء صوته من الداخل، عميقًا، مبحوحًا، و مُثقلًا بالحذر.
لكن، و ما إن خطَت إلى الداخل، حتّى تراجعت خطوة دون أن تشعر.
‘هل أنهى للتوّ تدريبه مع الفرسان؟’
كانَ شعره الداكن، بلون أجنحة الغراب، مبتلًّا عند الأطراف، و خرزات الماء لا تزال تُسافر على طول فكه حتّى تجفّ، بعضها تسلّل نحو عنقه، ثم اختفى تحت ياقة قميصٍ مفتوح الأزرار بخفّةٍ مستفزّة.
كـعادته، لم يُبدِ أيّ اكتراث بكونها امرأة، تدخل إلى غرفته الخاصّة.
و كانت، كـعادتها أيضًا، الوحيدة التي تخجل و تتوتر و تشيح بنظرها.
تطلّع إيزار إليها، بنظرة باردة كـحدّ السكين.
“قُلتِ إنّ لديكِ ما تقولينه.”
“نعم، سموّ الدوق.”
كانت قد أمضت يومًا كاملًا تُعيد ترتيب الكلمات في عقلها، منذ عادت من الأكاديمية.
و رغم ذلك، لم تقوَ على النظر في عينيه، جلست على الكرسي بصمت، و ضمّت كفّيها فوق حجرها، ثم قالت، دون أن ترفع رأسها:
“لقد أصبح من المعروف الآن، في قصر أنتاريس، أننا لم نُكمل زواجنا بعد.”
“ثم ماذا…؟”
“و هذا يعني أنه، في أي وقت تشاء… يمكنك إعادتي إليهم.”
“……”
“أعلم أنك لا تريدني زوجةً لك، و أعلم أنني لا أملك ما يكفي لأملأ مكان دوقة أركتوروس…”
كلّ كلمة نطقتها كانت كـشوكةٍ حارقة تنغرز في حلقها.
راحت نفسٌ أخرى بداخلها تهمس لها بمرارة:
‘هل هذا كل ما تبقّى من حبّك؟ لقد عدتِ من الموت، ألم يكن بوسعك التحمل أكثر؟’
لكن…
“أرجوك، حتّى لو كانت المرة الأخيرة،
اسمح لي أن أشاركك مهرجان الصيد.”
قالتها فريسيا هامسة، تدفع الكلمات دفعًا من بين فكيها المرتجفين.
أحبّته منذ أن كانت في الخامسة عشرة، و رغم كل الجفاء، و رغم لامبالاته القاتلة، لم تستطع، بحماقةٍ ما، أن تنساه.
و لهذا السبب بالذات، كان قرارها الأخير:
أن تُنقذ ريغيل، لا لأجلها… بل لأجل إيزار.
و كانَ ذلك، في قلبها، آخر فعلٍ نقيّ من بقايا حبّها.
‘وبعد ذلك… سأترك كلّ شيء.’
لم يكن ذلك شيئًا بوسعها إنجازه وحدها على أية حال.
من دون أن تكون جزءًا من أسرة الدوق، سيكون من الصعب تتبّع تحركات ريغيل داخل القصر.
هكذا، بطريقةٍ أو بأخرى، ستكون تلك نهاية مشاعرها المتبقية.
ارتسمت على شفتيها ابتسامة حزينة، مترعة بالأسى، لكن صوتًا باردًا، خافتًا كـنسيم ليلي، قطع عليها ذلك الصمت:
“و ماذا بعد؟”
“عذرًا؟”
“بعد المهرجان، لا بد أن هناك شيئًا تريدينه، و لهذا كُنتِ تُمهّدين بهذا الحديث الطويل.”
رفعت فريسيا رأسها ببطء.
‘نبرة إيزار … لم تتغيّر.’
و معَ ذلك، شعرت فجأة و كأن صفيحة جليد ضخمة قد وُضعت فوق كتفيها. برودة قاتلة، تسري في عظامها.
“قولي كلّ ما يدور في بالك.”
رغم أن ملامحه لم تتغيّر كثيرًا، إلا أن وقع كلماته كانَ أشبه بالولوج إلى غابةٍ مظلمة في منتصف الليل.
“في الواقع… بعد ذلك، هل يمكنني أن أستمرّ في زيارة الأكاديمية؟”
“لماذا؟”
“اليوم، سمعتُ أنه يمكنني المجيء ليس فقط كـزائرة، بل كـطالبة أيضًا، إن رغبتُ في التعلّم.”
خلال الوقت القصير الذي أمضته في شرب الشاي، كانت فييلا ألفيراتز قد شاركتها كثيرًا من المعلومات بشغفٍ صادق:
<أوه، لا تحتاجين لاجتياز امتحان للالتحاق! طالما سجلّك نظيف، يمكنك البقاء و الدراسة لفترة قصيرة، تمامًا كما أفعل أنا!>
<لكنني متزوجة… هل سيكون من المقبول أن آتي و أغادر بحرّية؟>
<أصبحت النساء ذوات القدرات نادرات! حتّى مشاركة واحدة في المجال الأكاديمي تُعتبر فخرًا للعائلة! لنفعلها معًا، سيدتي!>
لم تكن فريسيا تهتم بالفخر العائلي، لكنها لم تتصور يومًا أن يُعرض عليها أمر كهذا، لم يسبق لامرأةٍ من عمرها أن خاطبتها بهذه العفوية، و دعتها لفعل شيءٍ “معًا”.
‘هل يستحقّ ما تبقى من حياتي أن أقضيه في تجربة جديدة كهذه؟’
لا أحد يعرف الجواب.
لكنها، على الأقل، إن قابلت طفلها المدفون تحت الأشواك مجددًا، تستطيع أن تبتسم له وتقول: “لقد حاولت.”
“ها.”
ضحكةٌ ساخرة مفاجئة قطعت أفكارها كـالسهم.
رمشت فريسيا، مصدومة، بينما كانت عينها تتابع إيزار وهو يمرر يده فوق شعره الأسود المبلّل، تقاطر الماء على فكه، و تجعدت جبهته، بينما اتخذت شفتاه هيئة سخرية مريرة.
“ما هذا الهراء؟”
“لـ-ليس هراءً…!”
“يبدو أن رأسك امتلأ بالتفاهات بعد زيارتك لذلك المكان.”
ارتعشت فريسيا. نبرة صوته لم تكن عادية، بل متوترة و محمّلة بعدم الرضا، لكن ما أرعبها حقًا كانَ عيناه.
تلك العينان الذهبيتان، التي شابهما العتمة، انقضّتا عليها كـجمرةٍ محترقة.
“كلّ هذا الحرص في الحديث معي… و كانَ هذا هو ما أردتِ قوله؟”
“آه…”
لم يكن إيزار، لا في أنتاريس ولا في أركتوروس، قد رفع يده عليها يومًا.
‘فـلماذا…؟’
لماذا كانت تتراجع بخوف نحو الباب؟
خطا نحوها، محاصرًا إياها بين الحائط و جسده، جفّ ريقها بالكامل.
لطالما رأته من بعيد و فكرت كم هو طويل و ضخم، لكنها الآن… تدرك حقًا كم يبدو مُهيبًا.
و لماذا، بحقّ السماء، ينظر إليها بهذه النظرة الداكنة؟ نظرة مَن احترق صدره غضبًا؟
هل عليها أن تعيد صياغة طلبها؟ أن تشرح له بطريقةٍ تُرضيه؟
“دوق… مـ-ما بك؟”
“إلى أين تظنين نفسك ذاهبة؟”
زمجر بصوتٍ متوتّر، يُخفي غضبًا عميقًا.
فريسيا شهقت، و قد تقوّست بين ذراعيه كـغصن هش.
منذ أن بدأت تتحدث، كانَ هناك غضبٌ يتجمّع في صدره، يتصاعد ببطء، يعتصر قلبه، ثم يشتعل نارًا في أعماقه.
كانت هذه المرأة بلا شكّ، لعنته.
كيف يمكن لكلّ ما تنطق به أن يستفزه إلى هذا الحدّ؟
‘الأكاديمية، من بين كلّ الأماكن؟’
ذاك المكان الذي وجد فيه ريغيل، الذي لم يُقدّم له أحد عرض زواج في حياته، امرأةً أحبّها.
المكان الذي يتجول فيه ذلك الرجل، ألبيريو دينِب، دون حول و لا قوة، و قد وقع هو الآخر في شباك فريسيا.
و الآن… تقول إنها تريد الذهاب إلى هناك، من تلقاء نفسها؟!
رفع إيزار ذقن فريسيا بإصبعه، مُجبِرًا إيّاها على النظر إليه. كان قد مرَّ وقتٌ طويل منذ أن نظر في عينيها عن قُربٍ كهذا.
‘متى أصبحت بهذا الجمال؟’
جهله بهذا التحوّل لم يزد إلا من غيظه.
لكن، حينَ لامس طرف إصبعه أسفل ذقنها برفق، شهقت فريسيا بخفة، و كأن الهواء قد اختنق في صدرها.
و في لحظة، تلاشى الصداع الذي كانَ يضرب صدغيه، و اندفع بدلاً منه دفءٌ غريبٌ من أعماقه، تسلل نحو صدره ثم عقله.
‘هذا جنون.’
أي رغبةٍ هذه التي تشتعل فيه بهذه السهولة؟
“دوق… لا، أرجوك…”
قالت ذلك بصوتٍ مرتجف و هي تلهث بخفة تحت وطأة الموقف، فيما كانت يده الأخرى قد ارتفعت دون وعي منه إلى كتفها، ثم انزلقت بثبات إلى منتصف ظهرها، تُثبّتها في مكانها.
لم تكن حركته قاسية، لكنها كافية لجعلها تشعر و كأنها عاجزة عن الفرار.
“لـ-لحظة، انتظر…”
بحكم فارق الطول بينهما، اختلطت خطواتهما، و تضاءلت المسافة بين جسديهما حتّى انعدمت تقريبًا.
‘ما الذي يحدث…؟ كيف وصلنا إلى هذا الحد؟’
ابتسم إيزار بمرارة و هو يراقب تعابير الذهول المرسومة على وجهها، و سأل بنبرةٍ خافتة مشوبة بالغضب:
“سأُعيد سؤالي… لمن كُنتِ تُعدّين هذه الأعذار؟ إلى مَن كنتِ تنوين الذهاب؟”
“ماذا؟ عمّ تتحدث؟ أنـ…”
لكن صوتها اختنق قبل أن تُكتمِل.
لأن إيزار، من دون إنذار، اقترب منها أكثر… أكثر مما ينبغي.
و في لحظةٍ خاطفة، طبع شفتيه على شفتيها، حاسمًا كل ارتباكها و سؤالها بقبلةٍ مفاجئة، صامتة… لكنها حملت بين طيّاتها كل ما لم يُقال.
✨ انضم إلى المجتمع – منتديات الموقع
عالم الأنمي
عـام
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان!
شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة.
سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات.
هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات.
هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
التعليقات لهذا الفصل " 69"