ففي أعين بعض العامّة، لا يُعدّ الطفل أكثر من يدٍ إضافية للعمل، أما في نظر بعض النبلاء، فلا يُعترف بوجوده إلا حينَ تدخل المصلحة ميزان الحساب.
و بهذا المعنى، يمكن اعتبار عائلة دينيب عائلة متناغمة إلى حدٍّ كبير.
فلا عقوبات جسدية تُذكر، و لا كلمات قاسية تُتبادل، و حتّى الوريث الأكبر، سيدار، لم يكن ممّن يدفع ألبيريو جانبًا بفظاظة أو كره.
و معَ ذلك، ظلَّ ألبيريو طوال حياته يرزح تحت ثقل فراغ خفيٍّ، لا يُرى، لكنه حاضر.
‘كيف لي أن أتجاهله؟’
ما مُنِح له من عائلة دينيب لم يكن حبًّا صافياً، بل بقايا عاطفة أُفرِغت أولاً في أخيه،
و”استعدادات مبهمة لمستقبل مجهول”.
و لأنّه كره أن ينهشه هذا الفراغ كلّما تقدّم به العمر، راح يتنقّل في أروقة البلاط كـفراشةٍ هاربة، ثم غاص في عالم الأكاديمية.
مكانان لا يجمعهما شيء سوى امتلاؤهما بأرواح تحاول أن تملأ فراغاتها، فشعر أنه ليس غريبًا بين أمثالهم.
و لكن الآن، في كلّ مرّة تقع عيناه على إيزار أركتوروس، كانَ الغضب يغلي في أحشائه و يعصف به كإعصار.
كيف له أن يترك زوجته معَ خادمة واحدة أثناء هجوم الوحوش؟
‘لحسن الحظ أن السيدة كانت تملك قُدرات، و إلا…’
لكانتا قد مُزِّقتا إربًا.
ثم… حينَ ساءت حالتها في قصر أنتاريس، لم يحرّك ساكنًا.
‘ذلك اللعين قد أهمل زوجته بوضوح.’
لكن ما ألهب نيران الحنق في قلب ألبيريو أكثر، هو أنّ هذا الرجل لم يقدّر مشاعر فريسيا و لم يثمّن حبّها.
بينما هناك مَن يقضون أعمارهم عطشى إلى مثل هذا الحب و لا ينالون منه قطرة.
و لم تغب عن إيزار تلك النظرة المتّقدة باللوم، و التي لم تُخفها عين ألبيريو، إذ تنقّلت بينه و بين فريسيا.
‘لو كان بمقدوري، لمسحت أثره من العشب الذي داسه إلى الشعرة في رأسه…’
وجد نفسه يتمنى لو أن هذا “الإنسان العاقل” كانَ وحشًا.
أما ريغيل، فكان يراقب هذا التوتّر الصامت، رافعًا حاجبًا بسكون.
‘يا للسخرية… و يزعم أنه لا يملك مشاعر تجاه زوجته.’
كانَ المشهد خليطًا من الفكاهة و الشفقة. و معَ ذلك، وجّهَ ريغيل ابتسامة مشفقة نحو أكثرهم بؤسًا.
“سيّدتي، أعتذر إن كُنتُ قد أبقيتكِ منتظرة، رغم أنّ شمس اليوم ليست ساطعة.”
“آه، لا، صاحب السمو…”
ابتلعت فريسيا ريقها بقلق. بصراحة، كانت تشكّ في أنّ حفيد الإمبراطور قد ورث شيئًا من ميل العائلة للانحراف.
‘على الأقل، لن ينهال عليّ بأسئلة عن قواعد الإتيكيت كما حدث في قصر أنتاريس، أليس كذلك؟’
أمال ريغيل رأسه بخفة.
لم يكن طرح أسئلة سطحية عن حالها في القصر ليُرضي هذه السيدة.
‘إلا إذا كانت الإهانة لكونها ابنة غير شرعية… فهي ما تثير الانتباه فقط.’
و كانَ يعلم أن هذه النظرة المتعالية من النبلاء لا بد من اجتثاثها عندما يعتلي العرش.
لكن في هذه اللحظة، اكتفى بأن قال بلطف:
“سيّدتي، إن شعرتِ يومًا بالوحدة و أنتِ مقيمة في العاصمة، لا تترددي بزيارة الحديقة الداخلية هنا. و إن راقك الأمر، فـبإمكانك الاطلاع على مكتبة القصر أيضًا، تحوي كنوزًا من الكتب القديمة.”
“…!”
“و إن أحببتِ، يمكنني ترتيب الأمر لتكون الزيارة مريحة و خاصّة لكِ.”
شعرت فريسيا بأنّ الخجل يلون وجنتيها دون إرادة، و كأنّه قد لمحها و هي تتنقّل بين أرفف الكتب الملوّنة، تتأملها بصمت.
“مُجرّد كلماتك شرف لي، صاحب السمو.”
لكنها لم تشعر بالإحراج، لأن نبرته لم تحمل سخرية و لا استخفافًا، بل كانت صادقة، تدعوها للراحة لا لمحاسبتها.
هل هو أسلوب الأمير؟
لا تدري لماذا، لكن فجأة شعرت و كأنها طفلة تقف أمامه، طفلةٌ يبدو من الطبيعي أن يُربّت أحدهم على رأسها، لا أن يوبّخها.
‘كانَ يجب أن أجلب له نظّارته اليوم…’
كانَ من الأجدر، و رُبما الأوقع، أن تُعرض تلك الأمور أمام كبار النبلاء، لكنها لم تفعل. لم تُخرجها تفاخرًا أجوف أو رياءً أجوف، و فجأة، شعرت بالخجل من نفسها.
و لكتم ذلك الحرج، ارتشفت فريسيا رشفة من الشاي الطازج، تجرّعت معها عزيمة جديدة لا تَقبل الانكسار، عزيمة على أن تُنقذه، لا محالة.
—
—
لم يَطُل ما تبقّى من وقت الزيارة كثيرًا، و كانَ الأمير الإمبراطوري أول من أعلن نهايتها، مودّعًا الحاضرين بلطفه الهادئ.
“إذن، آمل أن نلتقي مجددًا في القصر قريبًا، رحلة موفقة للجميع.”
و معَ تلك الكلمات، تقدّمت فييلا بخفة نحو فريسيا،و قد كانت تراقب بصمت متألّق منذ لحظة دخول الأمير، و عيناها تلمعان بفضول نبيل، فما قضتاه من وقت معًا، و إن كانَ قصيرًا، قد أزال الحواجز النفسية بينهما.
“سيّدتي، لا بد أن تعودي مجددًا…! ما زال هناك الكثير مما يجب رؤيته… لنتمكّن من تأكيد كل شيء تمامًا!”
“آه… نعم. شكرًا لكِ، سيّدة ألفيراتز.”
ثم انحنى ألبيريو بدوره، تعلو محيّاه ابتسامة دافئة.
“إذن، فلتعتني بنفسكِ جيّدًا، سيّدتي، و إن احتجتِ إلى مساعدتي يومًا… فلا تترددي، رجاءً.”
“سير دينيب.”
و في تلك اللحظة، هبَّ نسيم خفيف حرّك الوشاح الشفاف الذي يغطي جزءًا من وجهها،
فأخذت الريح تلاعب الدانتيل بلينٍ عذب، حتّى ظهر من خلفه بريق عيني فريسيا.
“شكرًا لك… بصدق.”
وقف ألبيريو جامدًا، كأنّ الزمان توقف للحظة، عاجزًا حتّى عن الرد، كأن تلك الكلمات القليلة، بقدر ما كانت بسيطة، قد اخترقت شيئًا دفينًا في روحه.
تلك العيون التي أُخمِدَ فيها النور في قصر أنتاريس، كانت الآن تتلألأ من جديد، كما لو أن ضوءًا خافتًا أُعيد إشعاله، و بفضل ذلك، أشرق وجهها الصافي و عيناها الخضراوتان بلون أوراق الصيف.
كأنما أراد بتلك الهيئة أن يكبح مشاعره كي لا تنفلت من قلبه، لسانه كانَ أثقل من أن ينطق، كأنّه قد شُلّ، و في ذات اللحظة، شعر بحرارة محرجة تشتعل عند عنقه، تحت طوق قميصه.
“آه… لَكِ كلّ الشكر، سيدتي، هذا أقلّ ما يُقال.”
‘يا لك من أحمق، تماسَك! حتّى إن لم تكن قادرًا على تخطّي الحد، على الأقل تظاهر بأنك تستطيع.’
فهو من اقترح في البداية أن تظلّ علاقتُهما “صداقةً نزيهة”.
لكن، و قبل أن يتمكّن من إتمام وداعه، خفت ذلك البريق الذي سطع في عينيها قبل لحظات،
و انحنت نظرتها، لا نحوه بل إلى الأرض.
كانَ الرجل الواقف بجانبها قد أطرق برأسه نحوها.
“ادخلي أولاً.”
“نعم…”
كانت تلك العيون، يومًا ما، تتألّق بحُبٍّ حنون و شجنٍ ناعم و هي تتأمل التوت البري، أما الآن، فقد خمد فيها كل شيء، حتّى في نظر ألبيريو.
و رؤية ذلك، غرز في صدره و خزة حزن مباغتة.
لكن قبل أن يبتلعه هذا الشعور، التفت إليه دوق أركتوروس ببطء… فـنشف التعبير عن وجهه كمن شمّ رائحة الدم.
‘اللحظة الحتميّة قد حلّت.’
حتّى فييلا ألفيراتز، تلك التي قلّما تأبه لأعراف المجالس، تنحّت بصمت و هي تستشعر جوّ الصاعقة التي ستضرب.
كانَ حفيف الأغصان في الهواء الخفيف يُشبه صوت الأمواج حينَ تتلاطم، فيما ضيّق إيزار عينيه نحو ألبيريو بنظرة كالسيف.
“لقد شكرتك كفاية على ما حدث، في ذلك اليوم.”
“ما فعلتُه كانَ واجبًا لا أكثر، و شكركم كانَ مبالغًا فيه.”
فـبمقابل تبليغه عن حال فريسيا في الوقت المناسب، كانت عائلة أركتوروس قد أغدقت على عائلة دينيب بمكافأة سخية، كانت أقرب إلى رشوة لإسكات الحديث. لذا، لم يتوانَ الطرفان.
لكن إيزار، و هو يحبس ذلك الجليد المتراكم في قلبه، تمتم بنبرة جامدة:
“إذن، لماذا تستمرّ في تجاوز الحدود، رغم كلّ هذا الثمن المدفوع؟”
“تجاوز؟ ماذا تعني؟”
“إن كنت تستمتع بلعبتك الصبيانية في البلاط، فابقَ في حدودها، لماذا تلهث بشغف وراء أفعالٍ تُعرّضك للاتهام؟”
منذ لقائهما معَ الأمير الإمبراطوري، بدأ إيزار ينسج خيوط الكراهية في داخله، و الآن، بدا له أن هذا الوقح كشف عن نواياه الخفية، و لو لحظة.
قد لا تكون فريزيا قد لاحظت شيئًا خلف ذلك الحجاب، لكن إيزار رآه، رأى ذلك التلعثم، و تلك الحيرة التي تُصيب من يقف لأول مرة أمام امرأة تسلبه توازنه.
و شعر ألبيريو بومضة من الخجل تلسعه إثر هذا التوبيخ.
“و معَ ذلك، يا دوق، بدوتَ مستمتعًا تمامًا في حديثك معَ السيّدة أتريا تلك الليلة…”
قالها بابتسامة ماكرة، و كأنه يُذكّر بأنّ الخطأ ليس حكرًا عليه.
و للحظة، أحسّ ببعض الرضا و هو يرى حاجبي إيزار ينعقدان بانزعاج.
“الجميع يعلم أن السيّدة أتريا كانت خطيبتك الأصلية، فكيف تظنّ أن الأمر بدا في أعين الآخرين؟”
و بينما عقد ألبيريو ذراعيه بتصنّع، حاول أن يرسم على شفتيه ابتسامة باردة، لكن شفتيه بالكاد انفرجتا، الغضب في صدره كانَ يُثقِلها.
“إن كُنتَ ستعاملها على هذا النحو، ألن يكون الطلاق خيارًا أكرم من هذه المهزلة؟”
“……”
“حتى لو قطعت علاقتك بها، و تزوّجت أخت زوجتك، فلن يُدهشنا الأمر.”
و هنا… خفَتَ نور عيني إيزار كما يخفت النجم، تبعثان الرهبة، لكن حينَ تخمدان، تبثّان في الناظرين رعبًا لا يُفسَّر.
و ما إن ارتسم على شفتيه نصف ابتسامة مائلة، حتّى بدا وكأنّ الجليد قد ابتلع الغرفة كلها.
غير أن إيزار، بدلاً من أن يُوبّخه على وقاحته، بادره بسؤالٍ آخر، كأنّه يُسلّط ضوءًا حارقًا على مكمن الجُرح:
“و إن فعلتُها… و إن قطعتُ رباط هذا الزواج، فماذا بعد؟”
“عذرًا؟”
“هل تظن أنّ الدور سيحين لك بعدها؟”
“……”
“أما تُضحكني يا ألبيريو دينيب؟”
تابع إيزار حديثه بابتسامة باهتة، لكنها لم تكن تحمل في طيّاتها شيئًا من التسلية أو المودّة.
فالحقيقة أن الأمر لم يكن مسلّيًا على الإطلاق. بل كانَ مقيتًا، تلك الرهبة التي انغرست فيه يوم فكّر، مجرد تفكير، في طلاق فريسيا، عادت إليه كـطيفٍ أسود يُخيم على صدره.
و في تلك المخيّلة المضطربة، لم يكن هناك وجهٌ للرجل التالي في حياتها، بل مجرد ملامح غامضة، مُلطّخة بحبرٍ قاتم… قاتم و مشوّه و مثير للاشمئزاز.
لكن الآن… ها هو هذا المتغطرس، هذا الأحمق الوقح، يتجرّأ على ملء ذلك الفراغ.
فاشتعلت في صدر إيزار نيران نيةٍ قاتلة.
“قل لي، إذًا، أتملك الجرأة على التقدّم بطلب زواج إلى عائلة أنتاريس؟”
انقبض فكّ ألبيريو حتّى كاد يطحن أسنانه، محاولًا أن يُبقي على ما تبقّى من اتّزانه.
‘لا تتجاوز الحد يا ألبيريو دينيب…’
لن يعود عليه شيء من الوقوف في وجه هذا الرجل، ليس فقط بسبب مكانته الرفيعة… بل لأنه رأى بعينيه كيف سحقت فرقة أركتوروس، تحت قيادته، جحافل الوحوش في أراضي دينيب.
نعم… لا تعبر ذلك الحد.
و لكن…
“لِمَ لا؟ أليس ذلك ممكنًا؟”
قالها بصوتٍ مكسور، تائهٍ بين الغيظ و الجرأة.
“ومن يدري؟ ربما لو تقدّم الابن الثاني للماركيز دينيب بطلب زواج… قد يتساهل دوق أنتاريس هذه المرة.”
✨ انضم إلى المجتمع – منتديات الموقع
عالم الأنمي
عـام
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان!
شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة.
سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات.
هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات.
هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
التعليقات لهذا الفصل " 68"