منذ تلك اللحظة التي استوقف فيها ريغيل ملامح إيزار حينَ أقبلت عليه زوجته، خفق قلبه بابتسامةٍ ماكرة.
إيزار، ذلك النجم المُذنَب، رأس العائلة التي تنثر الرعب في قلوب الوحوش، كانَ يُظهِر غيرةً لم يخفِها، كـصبيٍّ لأول مرةٍ يعانق الحُب، يغتاظُ و يغلي بنار الغيرة.
“هل من أجل ذلك طلبتَ أن تصحب الجولةَ فتاةً من بين المسجّلات هنا؟”
تنبّه ريغيل لمدى احتمال تورّط ألبيريو دينيب، المعروف باعتماده سلاح السحر و الكلمات مع النساء.
لكن الزوجة، بدت بعيدة عن إدراك تلك الغيرة المستترة.
“كن رحيماً بزوجتك، يا دوق.”
صمتٌ ثقيل، ثم قال ريغيل بنغمة ناعمة:
“لنا الذين قُدِر لنا الزواجُ بعقودٍ باردة، إن وجدنا مَن نستحق حبّه، فهذه بركةٌ لا تُقدّر بثمن.”
كانت كلمة خارج إطار السطور، نُطقت برقةٍ عذبة، لكن بينهما كانَ زجاجٌ رفيعٌ، قويٌ، يمنع انفجار المشاعر.
“لقد جرّتها مكائد جدي، كونها ابنةً غير شرعية، ليطعن سمعة عائلتك.”
تلعثم إيزَار، و هو يُكبح خجله المتوهج.
لو لم تكن ابنةً خارج إطار الشرعية، لما تملّكه هذا النفور الغريزي.
لكنَّ ألمًا لاذعًا حلَّ به، إذ كشفت ضعفَه أمام ريغيل، الذي فقد والديه لكنه يحدّق فيه بعينين مشبعتين بالعطف، مما زاد من احتقان إيزار.
“كانَ هدفُ جلالته وصمةً تلطّخ إرث عائلتي، مكافأةً لإنقاذ العاصمة من غزو الوحوش، يا له من عطاء!”
تنهد إيزار بتنهيدة ثقيلة.
نظرت عينا ريغيل إلى إيزار، الذي عجز عن إخفاء استيائه و ذلّه، بحسرة عميقة.
كانَ يدركُ جيدًا سبب تمسّك إيزار بهذه الآلام.
“لا بد وأن الدوق قد سمع هذه الكلمات مرارًا منذ طفولته.”
لأجل عائلته، يجب أن يبقى بلا شائبة، صافياً كالماء العذب.
“كل ذلك لأن آباءهم تركوا هذه الأثقال دون حل.”
و كما لا تنمو الشجرة المعوّجة إلا ملتوية، كذلك قلب إيزار.
“حقًا، العقيدة تدين أبناء غير الشرعيين. لكن، يا دوق، نعلم جميعًا الحقيقة، أليس كذلك؟”
“المعبد يدفع باتجاه نبذهم لأنهم يسعون للسيطرة على زيجات النبلاء.”
“سموّك،”
“و نحن نطردهم حتّى لا نخسر ثرواتنا كـثمن لتساهلنا.”
ظلت ملامح ريغيل هادئة، رغم إنكاره صراحةً للعقيدة السائدة.
ضحك إيزار بمرارة.
‘يظن الجميع أنك مجرد ضعيف غارق في الكتب.’
لكنّه كانَ مجرّد قناع.
كانَ يحافظ على مسافةٍ بعيدة عن النبلاء ليخفي تلك الأفكار الخطيرة.
و أن يُطرح مثل هذا الموضوع الحارق بهذه السهولة يعني أن ريغيل يراه حليفًا.
تنهد إيزار، و هدأت نيرانه.
“سامحني على جفائي، أعتقد أن سموك يدرك تمامًا ما أبتغيه.”
أجاب ريغيل بصراحةٍ جلية:
“عفو تام لعائلتك في عهد حكمي، على الأقل هذا التعهد.”
كانَ جوابًا مباشرًا، بلا مواربة.
“لا تقلق، دوق إيزار، فقد دُفعت ثمن وفاة والديّ و عمّي على يد والدك.”
و إيزار نفسه دفع الثمن ضعفه منذ ذلك الحين…
في شيخوخته، استغل الإمبراطور هذا كـذريعة ليكون حقودًا حتّى يوم وفاته. لم يتوقف عن تأنيب ابنه الثاني، مطلقًا عليه لقب الرجل السافل، و كأنه لم يره إلا بعين الاتهام طوال حياته.
الموت، كما هو الحال دومًا، يرسم صورة رومانسية حتّى لأشد العلاقات مرارة.
“معَ تزايد هجمات الوحوش في الآونة الأخيرة، باتت مساعدتك أكثر حاجة من أي وقت مضى. آن الأوان أن يتوقف عن إيذائك.”
“هل عرف المعبد سبب هذه الزيادة؟”
ضحك ريغيل بسخرية، كانت تلك المرة الأولى منذ وصول الدوق و الدوقة التي يرسم فيها وجهه تعبيرًا ساخرًا.
“ألَم تلاحظ إلى بماذا أصبح المعبد مهووسًا منذ وصولك؟”
‘لقد غرق المعبد في مستنقع الربا.’
ارتفعت مطالبهم مقابل القوة الإلهية بشكلٍ مبالغ فيه. حتّى العقود المقدسة التي تُبرم باسم الآلهة لم تسلم من قبض المال.
كانَ هو و عائلة أنتاريس شركاء في هذا الفساد.
‘ها، لقد أصبحت مكبلًا، كما أولئك الذين أعمى المال أبصارهم.’
كاد يضحك على سخرية القدر، هذا الشعور المهين الذي يملؤه الندم على نفسه.
لكن ريغيل، غير مدرك لتلك العواطف، تحدث بدفء.
“أظن أن الوقت قد حان لتنظيف هذا الفساد، لبناء إمبراطورية أكثر عدلاً. و أود أن أستعين بك عندما يحين ذلك الوقت.”
كانت دعوة واضحة لتحالف مستقبلي. نهض ريغيل من مكانه قرب النافذة.
“لنخرج الآن، رغم أننا تركنا السيدة ألفيراتز معَ الدوقة، لا ينبغي أن نتركك في قلق أطول من هذا.”
كانت فريسيا تستمع إلى فييلا تشرح بحماس شديد لعدة دقائق.
جلس الثلاثة الآن على طاولة في الهواء الطلق، أعدها الخدم لهم، يستمتعون بتناول الشاي. كانت فييلا تتحدث بحيوية عن أبحاثها حتّى برد الشاي بين أيديهم.
“الجميع هنا يبحر في أبحاثه بحرية. لا أحب أن أركز على موضوع واحد فقط، لذا أدمج في بحثي بين تحديد القدرات، و تاريخ العائلة، و علم الوراثة.”
“واو… “
“و متى ما حققت نتائج جيدة، أخطط للسفر عبر الإمبراطورية و الاسترخاء! سأشاهد الدلافين في البحر، و أتأمل النجوم في الصحراء ليلاً…”
“واو…”
لم تكن ردود فريسيا مُجرّد مجاملة، بل كانت مدفوعة بفضول حقيقي، لذا كانت إجاباتها مقتضبة.
في الدوقية، قضت وقتها تعتني بوالدتها، و بعدها في المجتمع الراقي، قلما سنحت لها الفرصة للانفتاح على نساء في مثل سنها بسبب أتريا.
و قبل كل شيء، كانَ مذهلًا كم أن فييلا تحمل الكثير من الأحلام و الطموحات للمستقبل.
‘كم أن للإنسان ما يتمناه.’
كلما تعمقت المعرفة، توسعت دائرة الأحلام. بهذا التفكير، نظرت فريسيا إلى فييلا بقلب أكثر حنينًا.
رفعت فريسيا فنجانها لترتشف قليلاً من الشاي، و لاحظت ابتسامة ألبيريو المرحة.
“كيف هو الحال؟ معَ وجود السيدة ألفيراتز؟”
ردت فييلا بحدة، و عيونها تتسع:
“ماذا تقصد بذلك، يا سيد دينيب!”
راقبت فريسيا المشهد وهي تبتسم بهدوء.
‘يشعرني الأمر كما لو أنني لم أبتسم هكذا منذ زمن طويل.’
كانت سعيدة.
كانَ التواجد معَ النبلاء دومًا كالمشي حافي القدمين على شفرات سكاكين، لكن الآن لم يكن هناك ألم كهذا.
‘بفضل هذا، بدأت جراح أنتاريس تلتئم قليلاً في قلبي.’
و لكن هل سبق لها أن ضحكت بحرية كهذه معَ إيزار؟
رغم حبها، كانَ من الصعب تخيل موقف يجعلها تضحك بصوت عالٍ برفقته.
في تلك اللحظة، تدخل ألبيريو.
“كما ذكرت الليدي ألفيراتز، قدرات التطهير نادرة للغاية. والمشكلة أن هناك عددًا قليلاً جدًا من المواضيع المناسبة لاختبارها. الوحوش هي الخيار الوحيد تقريبًا.”
“بالتأكيد لا نريد أن تظهر الوحوش في العاصمة.”
“بالضبط، تبا لذلك. لكن إذا كانت لديك تلك القدرات حقًا، سيدتي، فلن يكون عليك مجاراة الآخرين.”
نظر ألبيريو إلى عينا فريسيا الخضراوتين الحادتين عبر الوشاح، و ابتسم ابتسامة محرجة.
لكن، متعهدًا بعدم التعدي على الحدود، قرر ألا يغوص في التفكير كثيرًا.
بدلًا من ذلك، قدم سببًا آخر.
“رُبما نحن نتشابه بعض الشيء…”
“أنا و أنت؟”
كادت أن تضحك بسخرية من نفسها أمامه، كيف يمكن لابنة غير شرعية، مهانة حتّى بعد الزواج، أن تتشابه معَ الابن الثاني لدوقية دينيب؟
استشعر ألبيريو أفكارها، فهز كتفيه قائلاً:
“يقولون إن الابن الثاني مجرّد بديل للأول، لا شيء سوى بضائع صعبة البيع حتّى كـمهور.”
“لكنني بوسامتي و مواهبي الاستثنائية، لن أباع بثمن رخيص.”
تذكرت فريسيا موقف الماركيز و الماركيزة.
رغم أنها ضربت ألبيريو بحجر على جبهته، إلا أنهما تعاملوا معها برُقي.
‘لكن لو كانَ الابن الأول، لكان الرد مختلفًا تمامًا.’
كانَ الابن الثاني بمثابة الاحتياطي في حال حدث شيء للأول. أما من الابن الثالث فصاعدًا، فقد أُرسل كثيرون منهم كـتدريب فرسان في العائلات الكبرى، لينشأوا وسط معاناة و صراعات.
المحبة كانت دومًا غير متساوية.
“لو وُزعت المحبة بالتساوي، لكان الأمر أسهل على الجميع، ألا تظنين ذلك؟”
شعرت فريسيا و كأنها رأت خلف تصرفاته المتقلبة ذلك الجوهر الخفي، جوهر الوحدة التي تعيشه.
و في النهاية، أومأت بابتسامة خافتة.
“أنت على حق تمامًا.”
ألقى ألبيريو نظرة على تلك الابتسامة الخافتة التي عبرت الوشاح، ثم أدار رأسه ببطء.
‘تبا…’
طوى ذراعيه بشدة عمدًا.
لو لم يفعل، كان يشعر أنه رُبما سينتهي به الأمر و هو يمسك بيد السيدة.
‘تمسك بالحدود، أوقف هذه الأفكار.’
ما يشعر به الآن يجب أن يكون تعاطفًا نابعًا من شعور بالتشابه.
‘أجدها مثيرة للاهتمام، مثيرة للشفقة، و جميلة، لا يمكن إنكار ذلك.’
و كأنما اكتشف قيمتها هو أولًا…
لكن هناك لحظات لا يستطيع نسيانها.
<ما الضرر لو أخبرتني بما تفضّل؟>
ما كانَ على وشك قوله حينها؟
<شخص بارع في رمي الحجارة، ذو عيون خضراء…>
معَ ذلك، تذكرها بوضوح.
<لماذا أنت هنا؟>
سواء كانَ زواجًا سعيدًا أم لا، فقد كانت تلك المرأة تحب زوجها حقًا.
حبًا مؤلمًا.
يجعل قلب من ينظر إليها يتألم.
‘لكن ما يجعلني غاضبًا بشدة هو…’
من بين الرجلين الذين خرجا من المبنى، لمحَ أن صاحب الشعر الأسود أشعل في صدره غضبًا لا يُطاق.
✨ انضم إلى المجتمع – منتديات الموقع
عالم الأنمي
عـام
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان!
شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة.
سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات.
هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات.
هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
التعليقات لهذا الفصل " 67"