نبض القلب الذي انتشر في صدرها منحها يقينًا لا مثيل له.
‘مقابل أن أغيّر مصير هذا الشخص كي لا يموت بعضة وحش، حصلتُ على عامٍ واحد.’
لابد أن بقاءه على قيد الحياة يصب في مصلحة المستقبل الذي يريده آدمانت.
〈غيّر مجرى المستقبل الذي كانَ، ذلك المستقبل الذي التهمت فيه النيران كل ما على هذه الأرض.〉
ما هو ذلك المستقبل الذي رآه ذلك الكائن…؟
‘بالطبع، بعد موته، غرق القصر الإمبراطوري في الفوضى.’
لم تكن المشكلة مقتصرة على تزايد الضغوط على بيت آركتوروس فقط.
بل انقلبت العاصمة بأسرها رأسًا على عقب، إذ ركزت العائلة الإمبراطورية جهودها على جمع أفراد العشائر الفرعية الناجين للبحث عن خليفة جديد. و عندما تعمّ الفوضى العاصمة، لا بُدَّ أن يختلّ احترام الناس للعائلة الإمبراطورية، و يبدأون بحمل أفكار أخرى.
نتيجة لذلك، وصلت إلى فريسيا أخبار عن تنفيذ حكم الإعدام على من أطلقوا ادعاءات «غير مقبولة» من محافظات بعيدة.
و في كل مرة، كانَ فرسان بيت آركتوروس يُرسلون لقمع تلك الاضطرابات.
‘مهما بذلوا من جهد، ظل القلق يتصاعد، كأن الأمر لا ينحسر أبدًا.’
كل ذلك بسبب موت حفيد الإمبراطور.
مال الأمير برأسه قليلًا و هو يواجه فريسيا التي تجمدت في نصف حديثها، تعلو وجهها دهشة خفية.
“سيدتي؟”
“…! أ-أعتذر، كلمات صاحب السمو الكريمة أثلجت صدري.”
أصلحّت فريسيا كلامها و وضعها بسرعة.
لو كانَ الإمبراطور شجرة معقودة بعقد كثيرة، فإن الأمير يشبه الشجرة التي تتمايل أغصانها بنعومة في نسيم هادئ.
ناعمة هادئة، لكنها قوية كـالشجرة العظيمة.
ابتسم الأمير بحرارة.
“إن لم تمانعي، هل ترغبين بجولة في الحديقة الداخلية للأكاديمية أولًا؟ سيلتحق بك الدوق و أنا بعد قليل، فـتجوّلي كما تشائين.”
“…! نعم، صاحب السمو.”
استمعت فريسيا لاقتراحه اللطيف، و فهمت المغزى الحقيقي من “الدعوة”.
‘الجولة مُجرّد ذريعة.’
السبب الحقيقي كانَ حديث الأمير معَ إيزار، و حضورها كانَ فقط لتغطية نقاشهما.
لكن قبل أن تغادر، أمسك إيزار بمعصم فريسيا، و عندما همس بهدوء، توترت كتفها تلقائيًا.
“لا تبتعدي عن هنا، ابقي فقط في الحديقة الداخلية.”
“هل فهمتِ؟”
“نعم…”
لم تستطع أن تفسر معناه بأي طريقة أخرى.
لا تسببي مزيدًا من الإحراج.
بثقل في القلب، تبعت فريسيا مرافق الأكاديمية.
و أثار هدوءها قلق ثيا و فين اللذين رافقاها، لكنها لم تعرهم اهتمامًا.
حينَ خرجت إلى الحديقة الداخلية، اتسعت عيناها لما رأت من أشخاص في انتظارها.
وجود ألبيريو دينيب كانَ أمرًا متوقعًا.
“لتكن بركات آدمانت معكِ، سيدتي… هل كنتِ بخير؟”
“و لتكن البركات معك كذلك، نعم، شكرًا لسؤالك. من هذه السيدة إلى جانبك؟”
كانت امرأة ذات شعر بني ناعم مموج و عينين بنفسجيتين تحدّق فيها بتركيز.
لم ترمش تقريبًا، تشبه قطّة فضولية. و بمثل هذه الملامح، استطاعت أن تخمن إلى أي بيت نبيل تنتمي في العاصمة.
“لتكن بركات آدمانت معكِ، هل أنتِ من عائلة ألفيراتز؟”
“…! نعم، أنا فييلا، سيدتي. هل لكِ معرفة بعائلتنا؟”
“لقد التقينا من قبل، سررتُ بلقائك.”
في الحقيقة، كانَ حدسها صحيحًا.
‘ألفيراتز عائلة عريقة ذات تراث سحري، أليس كذلك؟’
لكن في حياتها الماضية، لم يكن بينها و بينهم أي تواصل.
و السبب كانَ تعليقات إلكترا الساخرة.
‘على عكس أنتاريس الغارق في الحفلات الاجتماعية، هذه العائلة تعيش بين غبار الكتب، لا أظنهم يستطيعون سوى توفير مهر لابنتهم.’
ألبيريو أشار بلطف إلى المشهد المحيط.
”حسنًا، حتّى يخرج من يجب أن يخرج، هل ترغبين أن أريكِ الأماكن الخارجية للمبنى؟”
كانت الجولة التي قدمها هو و فييلا أكثر متعة مما توقعت. و قبل كل شيء، كانَ من اللطيف رؤية هؤلاء الناس يلمعون بعزيمة واضحة.
‘كم هو جميل.’
بينما كانت تعيش كـراعية، قضت حياتها تخدم والدتها، و كانت تتظاهر بأنها نبيلة بسبب ظروف الآخرين حتّى الآن.
و كانَ إيزار هو الشخص الوحيد الذي تستطيع الاعتماد عليه.
‘لكن ماذا لو كانَ هناك شيء مختلف في حياتي؟’
في تلك اللحظة، تحدث ألبيريو بصوت منخفض، ليعيدها إلى واقعها.
“هل تذكرين القصة عن الشخص الذي يكتشف القدرات التي ذكرتها سابقًا؟”
“أوه، نعم، بالطبع.”
ألقى ألبيريو نظرة على فييلا و ابتسم.
“في الحقيقة، السيدة ألفيراتز تملك مهارات فائقة في هذا المجال. لهذا طلبت منها أن ترافقنا اليوم.”
سمعت فييلا المدح، فـارتسم على وجهها تعبير رضٍّ يشبه القطة المدللة.
“إذا أردتِ، يمكنني فحص الأمر لكِ الآن على الفور!”
“شكرًا لكِ، سيدتي.”
“إذا أشرتِ إلى أي علامات أو ظواهر، سيكون من الأسهل فهم الأمر!”
“همم.”
العلامات أو الظواهر… ترددت فريسيا قليلاً قبل أن تخاطب بحذر، متسائلة إن كانَ هناك شيء مهم.
“في الحقيقة، في طريقنا إلى هنا، تعرّضنا لهجوم من وحش، ثم حدث شيء غريب…”
“ما الغريب في ذلك؟”
“كانَ الوحش يقترب مني و من خادمتي، لكنه فجأة تراجع.”
“ماذا؟”
“رُبما يكون مُجرّد وهم مني…”
احمرّت وجنتا فريسيا خجلاً، إذ بدا لها أن قول ذلك جهراً نوع من الغرور.
‘هل يتراجع الوحش بسببّي؟ رُبما سيكون من المعقول أكثر أن أقول إنني من نسل الإمبراطور. يا له من إحراج!’
لكن بما أنها بدأت الكلام، قررت أن تكمله.
“كانَ على وشك الهجوم علينا، لكنه تردد بطريقة غريبة ثم فرّ.”
تحول وجهه إلبيريو إلى تعبير جاد.
“هل كُنتِ أنتِ و الخادمة وحدكما في المكان؟”
“نعم، بالطبع.”
“و الوحش ظهر…؟”
“نعم، و لحسن الحظ تراجع، لكنني لا أعلم السبب.”
ظهر على وجه ألبيريو نظرة مريبة.
أما فييلا، فقد لمع بريق الحماس في عينيها.
“رائع! إذن يمكنني فحص الأمر لكِ الآن على الفور.”
” أوه، لكن…”
“لا يؤلم، و سيكون سريعاً جداً!”
رغم فضولها، شعرت فريسيا ببعض القلق، فـاقترب ألبيريو و همس بها بصوت خافت.
“هي غارقة في عالمها الخاص و في هذه المكتبة، فلا تقلقي من انتشار الإشاعات في الأوساط الاجتماعية.”
“شكراً لك.”
في تلك اللحظة، سعل أحدهم بقوة.
كانَ فين، الذي كانَ يتابعهم من بعيد، قد سعل و هو يحدق في فريسيا.
لكن معَ حماس فييلا الشديد، شرعت تبحث في حقيبة يدها، مثيرة ضجة خفيفة.
و بعد تمعن، أخرجت قلادة كبيرة تزيّنها جوهرة مستديرة تشبه الأوبال.
“تفضلي! أمسكِي بها للحظة!”
قبضت فريسيا على القلادة بيدها في حيرة.
ألم يكن من الغريب أن تقف امرأة ناضجة و تفعل شيئاً كهذا؟
لكن في لحظة ما، تحولت الجوهرة التي ظنت أنها أوبال إلى شفافة تماماً و عند رؤيتها ذلك، أخفت فييلا حماسها و همست.
“يا إلهي!”
“تطهير! يبدو أنك تملكين قدرات التطهير، سيدتي!”
بدا على فريسيا الحيرة و عدم الفهم، بينما كانت فييلا تمسك يدها الممسكة بالقلادة بحماس.
“لا عجب…! هذا يفسر سبب تراجع الوحش!”
“ماذا؟”
“في المعبد، يُفسر ظهور الوحوش كـتحذيرات من آدمانت للبشر. لكن في الأكاديمية، هناك تفسير مختلف قليلاً!”
“و كيف يختلف؟”
“يعتقد البعض أن الوحوش تجسيدٌ لخبث البشر…! و في هذه الحالة، لا تكون الوحوش عقاباً من آدمانت، بل هي ــ”
“سيدة ألفيراتز، كفى.”
نبه ألبيريو بسرعة.
رغم أن الفرسان و الخدم كانوا على مسافة، إلا أنه يجب التحفظ.
فـحتى معَ توازن القوى الإمبراطورية و الدينية، فإن التفسيرات التي تنحرف عن تعاليم المعبد قد تكون خطرة.
و خاصة معَ ريغيل نفسه، الذي رغم أنه يخفي ذلك جيداً حالياً، إلا أنه كانَ يستعد لمعارضة المعبد.
قد تأتي العاصفة في يوم ما، لكن لا حاجة لأن يكون المرء في خضمها مبكرًا.
استعادت فييلا رباطة جأشها و سعلت.
“على كل حال! مهما يكن، هذه موهبة استثنائية، سيدتي!”
“ماذا؟”
“هل تفكرين في زيارة الأكاديمية بشكلٍ متكرر طالما أنكِ في العاصمة؟”
غير متوقعة هذا التحول المفاجئ في الحديث، شعرت فريسيا بحيرة.
‘هل هذه هي القدرة التي تحدث عنها آدمانت؟’
كانَ قد وعد بأن يكون معها، لكنها لم تصدقه تماماً بعد. فقد كانَ أثر أنتاريس شديدًا.
لكن فييلا شرحت بحماسة.
“هذه القدرة نادرة حتّى بين العائلات التي تواصل إرث السحر! إذا بحثتِ في قدراتكِ أكثر…!”
” لكنني لستُ عالِمة…”
“أوه، لا تقلقي، الناس يدرسون و يرحلون متى شاؤوا، كما فعل السير ألبيريو!”
“مم… هذا مفاجئ جداً، أحتاج إلى وقت لأفكر…”
توقفت عن قول أنها بحاجة إلى وقت للتفكير.
هل فعلاً بقي لها كل هذا الوقت؟
‘لا، ليس لديّ.’
حينَ نطقت بذلك، شعرت كما لو أن أحدهم ضربها من الخلف.
لو أُعطيت حياة أطول بعد السنة القادمة، لكانت فكرت كما تشاء.
قد يكون الوقت للتفكير مؤلماً، لكنه رفاهية تُمنح فقط لمن ليست حياتهم محددة سلفاً.
أما فريسيا، فلا ترف لها من هذا.
بإصرار، عزمت أن تثبت موقفها بخصوص المستقبل، حتّى لو كلفها الأمر الحياة بعيدًا عن إيزار.
—
بعد مغادرة فريسيا، ابتسم ريغيل بكسل تجاه إيزار.
“لديك زوجة جميلة، يا دوق، أكرر تهنئتي.”
“أقدّر كلماتك اللطيفة.”
كاد إيزار يكبح غضبه بصعوبة و هو يرد.
تذكر أن ريغيل، رغم بلوغه الرابعة و العشرين، لم يتلقَ بعد أي عروض زواج.
و بصفته الوريث الوحيد الحي للعائلة الإمبراطورية، كانَ يجب أن يختار عرضًا من مملكة مجاورة، لكنه يؤجل ذلك بحجة أنه غير مستعد بعد لتولي العرش.
“تلك المرأة هي ابنة دوق أنتاريس… همم.”
لكن عندما تمتم ريغيل بذلك، ضاق صدر إيزار.
إحساس نابض، كـشوكة ملتهبة تخترق صدغه.
رغب في سحب فريسيا إلى مكان بعيد لا يراها فيه أحد.
رغبة شريرة تلتف في قلبه كـالأفعى، تحاول أن تدمّر عقله.
‘تمالك نفسك.’
ريغيل، غير مدرك لما يجول في خاطره، ابتسم بتعاطف.
“لابد أنك و زوجتك عانيتم بسبب قرار جدي.”
“أعتذر باسمه. لابد أن الأمر كانَ مزعجًا إذ فرض عليكم… و معَ ذلك، تبدو و كأنك تقدر زوجتك كثيراً رغم الزواج القسري.”
عقد إيزار حاجبيه عند كلمة ريغيل.
“تقدر… كلام مبالغ فيه.”
تقدير، حب.
حتّى لو كانَ يحمل بعض المشاعر لفريسيا، إلا أن الأمر ليس إلى تلك الدرجة…
طوى ريغيل ذراعيه وضحك من قلبه.
“قبل قليل، حينَ ألقيتُ نظرة على زوجتك، بدا و كأنك بالكاد تطيق ذلك.”
✨ انضم إلى المجتمع – منتديات الموقع
عالم الأنمي
عـام
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان!
شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة.
سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات.
هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات.
هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
التعليقات لهذا الفصل " 66"