و ما إن تكلّم، خرج صوته خشنًا، ممزوجًا بالضيق الذي حاول أن يكتمه.
“يمكنك الانصراف.”
“نعم… “
رُبما كانت ستسقط إن ابتعد عنها، لكنه لم يُفصح عن قلقه، و فريسيا، دون أن تلحظ شيئًا، غادرت دون تردّد.
تركته وحده، فتمتم ساخطًا:
“كانَ عليّ أن أهديها مجوهرات بدلًا من ذلك.”
كانَ من الأفضل أن يُهديها حُليًّا يسهل حملها، بدلًا من أرضٍ يصعب إدارتها فورًا.
جواهر خضراء، رُبما… شيءٌ يُلائم عينيها،
لو أنه قدّم لها قرطًا مثلًا، لكان بوسعه أن يطلب منها ارتداءه حالًا…
في تلك اللحظة، دخل فين و معه عدد من المساعدين ليُقدّموا تقاريرهم حول تحرّكات فريسيا.
“سمعتُ أن عائلة دينيب زارتها، سيدي.”
“نعم.”
“هل حدث شيءٌ غير اعتيادي؟”
“الماركيزة و ابنها الثاني زاراها معًا، و بعد ذلك، ذهبت السيّدة إلى المعبد برفقتهم.”
شعر إيزار بوخزٍ حادّ، كما لو أن إبرة مُحمّاة اخترقت صدغَه.
لكنّه تماسك، و فرك موضع الألم بصمت، دون أن يُظهر ما شعر به، و فين، و هو يلاحظ التجهّم على ملامح سيّده، واصل تقريره.
“و قد قدّم الابن الثاني هدية تمنيًا للشفاء.”
ذلك الكلب المجنون، المهووس بتلك المرأة…
كاد إيزار يطلق شتيمةً صريحة، لكنه كتمها بصعوبة.
و قبل أن يُفكّر في وقاحة ذاك الفتى، كانَ عليه أن يعرف شيئًا آخر أولًا.
“و كيف كانت ردة فعل فريسيا؟”
“استقبلتها بسرور، وفقًا لقواعد الإتيكيت. بدا أنها أعجبت بها كثيرًا.”
غشّى الضبابُ عيني إيزار، كـقمرٍ حجبته الغيوم.
إذًا، كانت سعيدة…
فريسيا، التي لم تُبدِ اهتمامًا حقيقيًا بثروات أنتاريس، و لا خرجت معه حينَ دعاها بنفسه…
لكن هديةً من رجلٍ آخر…؟
و إن كانَ فين قد علم بالأمر، فلا بد أن الآخرين قد علموا أيضًا.
أجبر نفسه على التماسك، و أقنع قلبه بأنّها مُجرّد مجاملة… لا أكثر.
لا بد أنها كذلك.
“قُلتَ إنها ذهبت إلى المعبد أيضًا؟”
“نعم، سيدي.”
قطّب إيزار حاجبيه بضيق.
‘إذا كانت في حالة جيدة للتجوّل، فكان من الممكن أن تستدعي كاهنًا بدلًا من الذهاب بنفسها.’
لكن أفكاره انقطعت فجأة بكلمات فين التالية:
“و قد تحدثت على انفراد معَ الكاهن الذي ساعدها في الشفاء آخر مرة.”
“ذاك الفتى ذو الشعر الفضي و العينين الحمراوتين؟”
“نعم، سيدي.”
“عمَّ دار الحديث بينهما؟”
“تبادلا كلمات الشكر على الزيارة، و تحدثا عن عائلتيهما، حتّى أن الكاهن قال إنه يشعر برابطٍ أخوي معها.”
“وقِح.”
راهبٌ عازب، و يجرؤ على قول مثل هذا؟
ألبيريو دينيب وحده كانَ يُغضبه كفاية،
و الآن، حتّى كاهنٌ مكرّسٌ للعبادة يجرؤ على التقرّب من امرأة متزوّجة؟
‘هل تحوّلتُ إلى غيورٍ أحمق؟’
و لكن، تذكّر أن بينهما معرفة سابقة.
“منذ متى تعرفه فريسيا؟ هل تعرف؟”
“سمعتُ أنها التقت به في قصر دينيب. وقد نالت بركته آنذاك باعتباره كاهن الإقليم.”
“هاه…!”
اللعنة. ذلك المكان اللعين، دينيب.
كانَ ذهابها إلى هناك خطأً جسيمًا.
أكبر زلّة ارتكبها.
لو لم تُعنّفها زوجة أبيه بتلك الوحشية…
استدار إلى تشارلز، الذي دخل معَ فين، و أصدر أمره:
“تشارلز، تحقّق من خلفية الكاهن الذي ذكره السير دريك.”
كانَ عليه أن يتأكّد، هل ذلك الكاهن مُجرّد عاميٍّ وضيع؟ من يجرؤ على القول بأنه يشعر بأخوّةٍ تجاهها؟
“نعم، سيدي.”
“و تحقّق كذلك من حقيقة كون فريسيا الابنة غير الشرعية لدوق أنتاريس.”
“و ابحث عن أمّها أيضًا، أيّ خيط، و لو كانَ ضئيلًا، سيكون مفيدًا.”
“مفهوم.”
أجاب تشارلز، مترددًا، لكن إيزار لم يلحظ ذلك الارتباك الذي مرّ على ملامحه.
—
في اليوم التالي، زارت فريسيا الأكاديمية بصحبة إيزار.
رفعت رأسها إلى البناية التي لم تطأها في حياتها السابقة، و همست بدهشة خفيفة:
“واو…”
رغم أن المبنى كانَ عتيقًا و مهيبًا، إلا أنه لم يملك رهبة القصر الإمبراطوري، و لا فخامة المعبد الثقيلة.
في الحديقة التي لفّها نسيمٌ عليل، كانَ الناس يتحرّكون بهدوء و يقين، يحملون وجوهًا تفيض بالهدف.
و في تلك الأثناء، كانَ إيزار يراقب فريسيا بصمت، دون أن يغفل عن حالتها للحظة.
في بادئ الأمر، أراد أن يمنعها من القدوم.
كانَ يخشى أن تذبل تمامًا إن بقيت حبيسة القصر، كـزهرةٍ خنقتها العزلة.
لكن رُبما … كانت هذه الخطوة موفّقة.
فريسيا، التي كانت تبدو شاردة الذهن و منطفئة داخل القصر، صارت الآن تفتح عينيها على اتّساعهما، تتأمل المكان بهدوءٍ مدهش.
حتّى في العربة، أبقت رأسها منخفضًا طوال الطريق…
أما الآن، فقد أظهرت أخيرًا جزءًا من وجهها على الأقل.
شعورٌ غريب خالج صدره و هو يحدّق بها بصمت.
سحبت فريسيا وشاحها الرقيق عن كتفها، لتتأمل المنظر المحيط بوضوحٍ أكبر، فـكُشف وجهها أكثر للعيان، و رغم أن شحوبًا طفيفًا ما زال يلوّن وجنتيها منذ مأساة الحفل، إلا أن حمرةً خفيفة تشبه تفتّح أزهار الكرز كانت تزيّنها الآن، رُبّما لأنها أحبت هذا المكان فعلًا.
عيناها الخضراوتان الهادئتان كانتا تلمعان بحماسٍ مكبوت، أسفل أنفها الصغير و شفتيها المتورّدتين بلون المرجان.
نسيم عليل عبر المكان، و تناهت إلى الأذن أصوات المارة الذين يدخلون و يخرجون من المبنى من حولها. لكنّ إيزار، و هو يحدّق بها، أحسّ في تلك اللحظة أن العالم من حوله قد خفت صوته تمامًا.
ثم التفتت إليه بهدوء، وقالت:
“سيدي الدوق… “
خفق قلبه بعنف.
و كأن دهورًا قد مضت منذ أن رفعت عينيها إليه بذلك الشكل.
جفّ حلقه، و اضطرّ ليجبر صوته على الخروج:
“ما الأمر…؟”
“سنلتقي اليوم بأحدهم… فهل من اللائق أن أكون بهذا المظهر؟”
قالتها بتردّد، و هي تعبث بحاشية فستانها،
كانت قد سمعت أن الزيّ الفخم لا يُستحب عند زيارة الأكاديمية.
فهل من المناسب أن تكتفي بوشاح رقيق و قلادةٍ واحدة؟
عَقَدَ إيزار حاجبيه على الفور:
“و ما الذي يعيبه؟”
“تساءلتُ فقط إن كانَ بسيطًا أكثر من اللازم…”
“هراء.”
لم يفهم لماذا كانَ أول سؤالٍ توجهه إليه منذ زمن يدور حول شيء بهذا التفاهة.
ألا تدرك أنها ملفتة بما يكفي كما هي؟
ظنَّ أنه ما دامت لا ترتدي جواهر بارزة، فلن تجذب الأنظار… لكن تبيّن أن ذلك مجرد وهم.
عيناها تشدّان الأنظار إلى وجهها أولًا، و جسدها النحيل الرقيق يزداد بروزًا بفضل القماش الخفيف، و انحناءات جسدها الناعمة لم تكن خفية.
اللعنة…
و بما أن ملابسها لا تدلّ على أنها دوقة، بدأ بعض الرجال يرمقونها بنظراتهم.
هؤلاء الحمقى… أولى بهم أن ينشغلوا بدراستهم لا أن يطمعوا بها، يا لهم من رعاع.
كأن وجود المتربّصين حول هذه الراعية البريئة لم يكن كافيًا بعد… هي ليست راعية تحمي قطيعها، بل نعجة تائهة وسط الذئاب.
حينها، أعادت فريسيا الوشاح برفق لتغطّي وجهها، فقد لمحت انزعاج إيزار في ملامحه،
و كانت تلك وسيلتها لوضع مسافة بينهما.
‘بالطبع… ها قد عاد إلى بروده لأنني رفضتُ الذهاب معه إلى شارع مايا.’
لكنها كانت قلقة فعلًا بشأن مظهرها.
فقد تلتقي حفيد الإمبراطور اليوم!
‘ما كُنتُ أعلم أن هنالك طريقة أخرى لرؤيته قبل مهرجان الصيد…’
رغم أنها ناضلت ثلاث سنوات لتُحسب على طبقة النبلاء، إلا أن هنالك أمورًا كثيرة ما تزال تجهلها.
و ما تعرفه، بكل أسف، كانَ مما علّمته إلكترا؛
فكل ما لم تكن تلك المرأة تعلمه، بقي مجهولًا بالنسبة لفريسيا.
مثل حقيقة أن ريغيل بيتيلغيوز يزور هذه المؤسسة دون حراسة تُذكر.
سارت خلف مدير الأكاديمية العجوز و قلبها يخفق بشدّة، الغرفة التي قادهم إليها لم تكن فاخرة كـبهو قصر، بل كانت مكتبة عالية السقف، تفوح منها رائحة الكتب العتيقة.
‘واو… هذا الكمّ من الكتب القديمة… مذهل.’
وُضِعَت وسائد مريحة بجانب النوافذ التي تسلّلت منها الشمس، و نسيم رقيق داعب شعر الرجل الذي جلس عند الشباك، مربوطًا بخيوطٍ فضفاضة.
شعره الأشقر، بلونه الباهت، ذكّرها بزهور الأقحوان.
بالفعل، كانَ متواضع الهيئة إلى حد لا يليق بمن يحمل دمًا إمبراطوريًّا.
‘إيزار كانَ محقًّا… لو كُنتُ ارتديتُ ما هو أكثر من هذا، لبدوتُ سخيفة.’
وقف حفيد الإمبراطور، دون تكلف، فقد كانَ هو و إيزار على معرفة مسبقة.
“مرحبًا بك، دوق آركتورس، مضى وقتٌ طويل.”
“يسرّني أنك بخير.”
“هاها، أشكرك على كلماتك.”
أما فريسيا، و التي لم تكن على معرفة به، فقد وقفت بهدوء خلف زوجها بخطوتين، تنتظر بصبر.
إذًا، هذا هو ريغيل بيتيلغيوس…
في حياتها السابقة، لم تره سوى مرة واحدة فقط. و كانت تلك المرة الأولى و الأخيرة بينهما. وقتٌ وجيز لا يكفي حتّى لتدرك طبيعة هذا الرجل.
لكنّه تمزّق و قُتِل على يد ذئبٍ بهجوم مفاجئ ظهر من العدم…
“إنها المرة الأولى التي ألتقي فيها بدوقة آركتوروس.”
“لتكن نعمة الاله معَ صاحب السمو، الأمير الإمبراطوري، يشرفني لقاؤكم.”
“لا حاجة لكلّ هذا التواضع، مباركٌ زواجكِ يا دوقة، يؤسفني عدم تمكني من حضور الحفل.”
“أنا ممتنة لكلمات صاحب السمو اللطيفة…”
بعد انحناءة أخيرة، استقامت فريسيا ببطء. لكن قبل أن تُكمل حديثها، خفق قلبها بقوة و كأن ثقلًا قد سقط فوقه.
〈أنتِ تسيرين في الطريق الصحيح.〉
صدى صوت ذلك الكائن من حلمها تردّد بوضوح في ذهنها.
‘الآن أصبحتُ متيقنة.’
لقد تأكدت أخيرًا لماذا أخبرها ذلك الكائن بأنها على الطريق الصائب.
إنقاذ هذا الشخص هو بالضبط ما أراده الله منها أن تفعله.
✨ انضم إلى المجتمع – منتديات الموقع
عالم الأنمي
عـام
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان!
شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة.
سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات.
هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات.
هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
التعليقات لهذا الفصل " 65"