بينما قدموا مهرًا فخمًا لتلك الفتاة غير الشرعية، كانَ الهدف أولًا تجنب إغضاب إيزار، وثانيًا تخفيف ضمائرهم المذنبة.
و معَ ذلك، تعمدوا استثناء أي أرض من المهر.
‘لقد احتفظتُ بذلك لزواج أتريا…’
مهر المرأة ليس شيئًا يجوز لعائلة الزوج التدخل فيه.
قد تستخدمه المرأة لزوجها، لكن سلبه بالقوة من المحرمات.
فإذا سلموا سهول غريفياس الآن، فإنها ستصبح بالكامل ملكًا للفتاة الغير شرعية.
أفضل الأراضي الزراعية التي تمتلكها عائلة أنتاريس!
‘لا… هذا غير صحيح!’
خاصة و قد قال أيضًا إنهم سينقطعون عن دعم دفاعات الوحوش!
دوق أنتاريس مدَّ يده ليمسّ شاربه محاولًا المحافظة على كرامته.
“الدوق أركتوروس، طلبك مبالغ فيه… حتّى و إن ظن الآخرون أنه أمر خطير-“
“لو تفكر قليلاً، دوق أنتاريس، هذا غريب، مهما كانت غير شرعية، فإنك تظهر إهمالًا مفرطًا لابنتك الآخرى…”
تلألأت عينا إيزار الذهبيتان كـالمفترس، تبحثان عن فريسة.
“كانت والدة فريسيا قد جُنّت حينَ أتت إلى دوقيتي. علاوة على ذلك، لقد قطعت لسانها، مما صعّب التواصل اللفظي.”
“لا، دوق أركتوروس.”
“هل قدمتَ فتاة عشوائية على أنها ابنتك غير الشرعية و خدعتني…؟”
اصطبغ وجه دوق أنتاريس بلون الرخام الأبيض.
‘هذه كارثة.’
حتّى الإمبراطور، الذي أراد إذلال إيزار، لم يرغب في منحه فتاة لا يمكن تأكيد نسبها.
ينبغي للنبلاء أن يتزوجوا على الأقل من نبلاء. كانت هذه قاعدة بديهية.
‘حتّى لو أراد إذلاله، فلا بد من وجود حدود. إذا غضب إيزار أركتوروس كثيرًا، سيرد ضمن تلك الحدود!’
لقد بذل جهدًا كبيرًا ليجد و يقدم الفتاة غير الشرعية، محتملاً سخرية العائلات الأخرى، و ما مقدار المودة التي حظي بها من الإمبراطور لقاء ذلك!
‘لكن إذا انكشف السر…!’
إذا انكشف أن زوجته و ابنته عذبن فتاة ليست حتّى ابنته الحقيقية، سيجد نفسه في موقف بالغ الصعوبة.
لن يكون مفاجئًا إن انقض الرجل أمامه و جعل عنقه هدفًا للسيف. حينها، لن يجد الإمبراطور سببًا لحمايته.
أجبر دوق أنتاريس نفسه على الابتسام رغم ارتعاش شفتيه.
“هاها، تشبه والدتها كثيرًا، لكنها بالطبع ابنتي. هاها!”
“……”
“لا أظن أنني سأمتنع عن التنازل عن الأرض لابنتي، لا تقلق.”
و بينما لوّح الدوق بيده، نظر إليه إيزار ببرود.
كانَ مُجرّد تهديد ليرى رد فعله، لكن وجه الدوق صار جديًا جدًا.
‘رُبما ليست ابنته…’
حتّى و إن ورثت من والدتها، كـأب بيولوجي، يجب أن يظهر بعض الشبه بين فريسيا و شعر الدوق الأشقر اللامع.
‘في البداية، ظننت أن السبب هو مظهرها المتعب جدًا.’
لكن بعد أن أصبحت أكثر تألقًا، لم يظهر أي شبه واحد.
لا حتّى لمحة.
‘الآن و قد فكرت، هناك أمور كثيرة غريبة…’
شعر بالريبة حينَ كانَ تصرف فريسيا لا يتناسب معَ قلة خبرتها المتوقعة بعد أن صارت دوقة.
اعتاد على ذلك و نساه، لكنها كانت دائمًا مختلفة إلى حد ما.
لو كانت فريسيا ابنة شخص آخر، و إذا كانَ الأب البيولوجي قد مات بالفعل…
“……”
غرقت عينا إيزار الذهبيتان في ظلمة الجشع.
من الصعب إخفاء الطفل غير الشرعي إن كانَ أحد الوالدين على قيد الحياة. الأمر أسهل إذا كانَ كلاهما ميتين.
‘مثلاً، يمكنني تسجيل فريسيا تحت اسم عائلة مناسبة.’
كل ما يحتاجه هو دليل أن فريسيا ليست ابنة الدوق.
“همم.”
بدأ قلبه يخفق بخفة.
ألم يكن هذا هو الدليل الذي قد يُعينه على تجاوز كرهه المستمر للّقب الذي يلحقها، لقب «غير الشرعية»؟
لو تمكن فقط من نزْع ذلك الوصم، لكان باستطاعته أن يحتفظ بفريسيا بجانبه و بضميرٍ صافٍ لا يشوبه شك.
لم يكن يهمه إن كانت العائلة أدنى منزلة من أركتوروس. ما كانَ يهمه فقط هو إزالة تلك اللطخة الشائنة عنها.
أما دوق أنتاريس، فكان يراقبه بنظرة تكاد تدمع من الحسرة،
لكن إيزار تجاهله بقوة وصلابة.
هناك أمور لا تقبلها الدموع و لا تستسلم لها.
—
و في النهاية، استطاع إيزار، بطريقة تكاد تُشبه الابتزاز، أن ينتزع سند الأرض من دوق أنتاريس.
كانَ عليه أن يواصل الحصول على معلومات مفصلة عن سهول غريفياس، لكن الأهم أنه صار يملك شيئًا يقدمه لفريسيا.
بعد أن استدعى فريسيا إلى مكتبه في القصر، أدرك فجأة أن ذراعيه المتقاطعتين مشدودتان على نحو متصلب.
هل سبق له أن شعر بهذا القلق في حياته؟
“سموّك، هل طلبتني؟”
“نعم.”
نظر إلى فريسيا التي ظهرت أخيرًا، فأزدادَ عبوسه.
لا تزال تبدو مريضة بوضوح.
و لم تعد تلتفت إليه مباشرةً.. عيناها الخضراوتان الفاتحتان لا زالتا قاتمتين و باهتتين.
وهذا زاد من قلقه.
‘تلك العيون.’
مهما يكن الأمر، عليه أن يستعيدها إلى سابق نضارتها.
دفع إيزار بقوة المخطوطة المعلقة على المكتب نحو فريسيا.
“خذي هذا.”
“ما هذا…؟”
“اقرئيه بنفسك لتعرفي.”
“……؟”
رمشت فريسيا مندهشة و هي تتلقى المخطوطة المختومة بالشمع.
و لما لمحت شعار عائلة أنتاريس منقوشًا عليها، ترددت، ثم ألقت نظرة على محتواها فشعرت بدوار.
‘سهول غريفياس؟’
أليست تلك الأرض من ممتلكات عائلة أنتاريس؟ لم تزرها من قبل، لكنها تعلم أنها أرض مهمة للعائلة.
‘لماذا أصبحت هذه المخطوطة فجأة في يدي؟’
في ظل قصر عمرها، كانَ من الجميل أن تمتلك عقارًا ملموسًا… لكن شيء بهذه الضخامة لم يكن ضروريًا.
‘سيكون أمرًا مزعجًا لو طُلب مني فجأة إدارتها.’
المهر الذي تملكه الآن هو بالحجم المناسب، سهل التنازل عنه كـ رشاوي أو تحويله بسرعة إلى نقود فضية.
كانت تتساءل كيف تمكن إيزار من انتزاع هذا من أنتاريس، و لماذا يمنحه لها.
إيزار، الذي كانَ يراقب تعابير وجهها عن كثب، فسّر الأمر سريعًا.
“هذا تعويض عما فعلوه.”
“أوه.”
أومأت فريسيا أخيرًا بفهم.
التعويض عن معاملتها كـحيوان هو سهول غريفياس. لا بد أنها كانت أغلى كـ ماشية مما ظنت…
ألم يكن من المنطق ألا يرتكبوا مثل هذه الأفعال، و ألا يفرطوا في سهول مقابل تعويض؟
معَ ذلك، بما أنه قد أُعطي، لفّت المخطوطة بعناية.
“شكرًا لك، سموّك.”
“…….”
عبس إيزار قليلًا أمام تعبيرها المهذب الهادئ.
لم يتوقع أن تظهر حماسًا مفرطًا أو فرحًا شديدًا، فهي بطبيعتها امرأة رصينة.
لكن ظن أنه على الأقل ستشعر ببعض الرضى لأنّها أخذت قطعة أرض ذات شأن من عائلة أنتاريس.
في العائلات النبيلة، الأرض أغلى من الجواهر…
‘على الأقل، رُبما تشعر بقليل من النشوة لامتلاك شيء يفوقهم.’
لا، لقد كانَ يتمنى أن تنظر إليه و لو للحظة واحدة بعينين تلمعان بالسعادة…
يريد أن يرى شرارة الحياة في عينيها، حتّى لو للحظة عابرة.
تلك النظرة في عيونها حينَ قالت أنها تحبه.
‘إذًن الأرض لم تكن الحلّ.’
طوى إيزار ذراعيه على صدره و هو يتقلّب في وجهه عبوس من عدم الرضا. بعد كل تلك السنوات التي قضتها فريسيا كـراعية، قد يكون مفهوم قيمة الأرض أقل عمقًا في قلبها مقارنةً بمن وُلدوا في أحضان النبلاء.
‘فما الذي تحبه فريسيا حقًا؟’
لم يسألها قط عن ما تُحب أو تُبغض، و لا حتّى أحدٌ من سكان القصر قد يعرفها حق المعرفة.
و منذ أن أعلن أنه لا حاجة للتعامل معها كـسيدة القصر، قل من يعيرها اهتمامًا يُذكر.
و أبرز ما خطر بباله كان…
‘التوت البري…؟’
رغم أنه خارج الموسم، إلا أن إيزار لو أمر، لما استحال إيجاد بعض من تلك الثمار حتّى لو تطلب الأمر قلب العاصمة رأسًا على عقب.
لكن ثمة سبب جعله يتردد في إصدار مثل هذا الأمر.
‘ألبيريو دينيب هو من أهداهما لها.’
كانَ القصد من الهدية أن ترفع من معنوياتها، فهل يعقل أن يجعل هذا اللعين سعيدًا؟ خصوصًا و أنه هو من وجدها منهارة و جاء إليه أولًا…
“شارع مايا؟”
“عفوًا؟”
رمشت فريسيا مرتين، مترقبة أن ينهي حديثه.
كانَ من الصعب دائمًا فهم نواياه، و اليوم كانَ الأمر أصعب من أي وقت مضى.
“أسألك فقط: هل لا تزالين ترغبين في زيارة شارع مايا؟”
“أوه…”
“أليس هو المكان الذي طلبت مني أن آخذك إليه؟”
“……”
“إن شئت، يمكننا الذهاب معًا.”
تنفست فريسيا ببطء، غير مصدقة هذه الإمكانية. هل يحاول فعلاً أن يكون لطيفًا معها؟
‘بسبب ما حدث لي في قصر أنتاريس.’
كانت هذه الفرضية أقلها معقولية، لكنها الوحيدة التي تبرر الأمر.
ذلك التفكير أثقل قلبها وكأنه يُضغط عليه بقضيب حديد ثقيلٍ و عريض.
“أقدّر العرض، لكنني بخير، سموّك… “
لكنها ألزمت نفسها برفض ذلك الإغراء.
لو سُئلت إن كانت ما تزال تحب إيزار، فماذا كانت ستجيب؟
‘لأكون صادقة، ما زلت أحبه.’
لهذا السبب لم تجرؤ على النظر إليه مباشرة. فـمشاهدته تعيد إليها ذكريات وقع حبها الأول به، و أيام عشقها له بأقصى ما تكون.
ذلك إيزار الذي أنقذها من البحيرة حينَ كانت في الثامنة عشرة، ذلك الفتى الهادئ.
و ذاك إيزار الذي كانَ يعتني بها بصمت عندما كانت تعاني من الحمل في السادسة و العشرين.
و هنا تكمن مأساة المحب : كلما كانَ الحب أكثر عمقًا، زادت خسارته.
فـعلى الرغم من أن جراحها تجاه الآخر أكثر، فإنها تخنق نفسها لترى فقط الذكريات الجميلة.
رغم اليأس الذي انتابها عندما رأته معَ أتريا، فإن الذكريات ظلّت راسخة.
‘حتّى الآن، مُجرّد التفكير في الذهاب معًا إلى شارع مايا يُسرع نبض قلبي.’
لكن بلا شك، إنما يفعل ذلك بدافع الذنب و الشفقة. كما حينَ أخذها إلى دينيب بعد أن ضربتها إلكترا، أو حينَ ساعدها بعد هجوم الوحوش.
كانَ ذلك بمثابة رحمة سيد تجاه تابعه، و بعد أداء الواجب، يعود باردًا كما كانَ، لأسباب لا تدريها هي.
‘لذا عليّ أن أبقي مسافة بيننا الآن…’
فإذا تألمت أكثر في هذه الحالة، فلن تقدر على التفكير بوضوح.
اليوم، بقي لها 230 يومًا فقط.
و عليها أن تبدأ في التفكير بخيارات أخرى، حتّى لو كانَ الهدف هو إنقاذ ريغل بيتيلغيوز.
أضافت فريسيا بشرود.
“بعد ما حدث في قصر أنتاريس، قد تكون السيدة أتريا أيضًا في تلك المنطقة… و إذا كانَ لديها أصدقاء هناك، فقد يكون الأمر مزعجًا.”
“أفهم… “
حدق إيزار في فريسيا بعينين صارمتين كالحديد.
كانت تدلي بحقائق صحيحة، لكنها لا تزال تتجنب نظراته بذكاء.
كل ما كانت تفعله هو أن تتجنب النظر إليه مباشرة. و معَ ذلك، كانَ ذلك كافيًا ليشعر و كأن وحشًا يمضغ أحشائه.
لكن إيزار تحدث بهدوء.
“فما رأيك بزيارة أكاديمية السحر إذن؟”
و أضاف كأنه يمرر كلامًا عابرًا.
“لابد أن يكون الابن الثاني لعائلة دينيب حاضرًا هناك أيضًا.”
“آه…!”
اتسعت عينا فريسيا ببهجة مفاجئة.
ذلك الفارس كانَ قد اقترح فحص قواها في الأكاديمية.
للأسف، لم يكن ذلك ممكنًا إلا في الأكاديمية، وكانت قد تراودها الحيرة في كيفية طرح الموضوع. و لكن عندما جاء الاقتراح من إيزار نفسه…
استراحت فريسيا قليلاً، و ارتسم على شفتيها ابتسامة رقيقة كـنسمة عذبة.
“سيكون من الجميل رؤيته مرة أخرى.”
تصلّبت يد إيزار و هي تمسك بدعوة الأكاديمية بين أصابعه.
مهما حاول، لم يرسم على وجهها أي ابتسامة. لكن حينَ ذُكِرَ اسم ذلك الوغد، ارتسمت على محياها ابتسامة ساحرة لا تخطئها العين.
✨ انضم إلى المجتمع – منتديات الموقع
عالم الأنمي
عـام
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان!
شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة.
سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات.
هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات.
هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
التعليقات لهذا الفصل " 64"