كان الباب أشبه بحدٍّ فاصلٍ بين زمنين أو عالمين. وما إن انفتح، حتى ساور المركيزة شعورٌ غريب، كأنها عادت فجأة إلى ما قبل أكثر من عشر سنوات.
دخلت خادمات السيدة الكبرى الغرفة بانسيابٍ صامت، يرتدين فساتين رمادية داكنة، وظهورهن مستقيمة لا تنحني. كانت نظراتهن عميقة وصلبة، كخشب الماهوغني الذي صمد أمام عواصف السنين. حتى كونتيسة لوين، التي كادت قبل لحظات أن تنقضّ على خدّ سيدة آيزاك، لم تجد إلا أن تفتح فمها وتغلقه بلا صوت، وقد خبا اندفاعها أمام تلك الهيبة.
تلاقت نظرات سيدة آيزاك والمركيزة في الفراغ. قرأت سيدة آيزاك في عيني المركيزة مقاومةً شرسة؛ مقاومة امرأة اعتبرت كل شيء ملكًا لها، ولم تكن مستعدة للتخلي حتى عن حزمة حطب واحدة.
يا له من جحودٍ وقح.
تقدمت خطوة إلى الأمام، وأخيرًا نطقت بالكلمات التي رغبت في قولها طوال تلك السنوات.
“جئنا لاستلام ما أمرت السيدة الكبرى بإحضاره، يا مركيزة لينكو.”
وكانت تنوي، في الوقت نفسه، أن تبيّن لها شيئًا فشيئًا كم كانت تلك الرغبات أوهامًا فارغة.
“أحضري كنوز ريتشموند، مع مفتاح الغرفة الزرقاء.”
ما إن ذُكر كنز ريتشموند والغرفة الزرقاء حتى تصدعت ملامح النبيلات اللواتي كنّ يحافظن على تعابير متعالية. من كانت ترتدي خاتمًا أخفته سريعًا، ومن كانت تضع عقدًا شدّت ذقنها إلى أسفل بلا داعٍ. كنّ جميعًا يعرفن في قرارة أنفسهن أن ما فعلنَه كان خطأً.
مرّت نظرة سيدة آيزاك على وجوههن واحدةً واحدة، قبل أن تستقر أخيرًا على المركيزة.
“كل من تحمل كنزًا على جسدها تخلعه الآن، وكل ما هو محفوظ يُعاد اليوم قبل الغد.”
قالت ذلك مقطعًا مقطعًا، محمّلةً كل كلمة بثقل السنين الماضية.
“أما جريمة التصرّف بالكنوز دون إذن السيدة الكبرى، فسيُحاسَب عليها في وقتها.”
لم يكن أمام المركيزة سوى أن تشاهد بعينيها المفتوحتين كيف يُمزَّق ما تبقى من هيبتها.
وتساءلت، بيأسٍ خافت، إن كان هذا اليوم الجحيمي مجرد حلم.
* * *
قبل أكثر من عشر سنوات، مُنيَ أنصار الدوق بهزيمة سياسية أمام أنصار المركيز. كان المركيز في أوج عمره ونفوذه، بينما كان الدوق طفلًا يتيمًا، يلوذ بحِجر جدته. لم يكن هناك مجال حقيقي للمقارنة.
وهكذا، أُرسل الدوق الصغير مع خمسمئة فارس إلى جدار الموت. كان موتهم شبه محتوم، إلى حدّ أن الجميع في قصر ريتشموند كان سيهزّ رأسه بتفهّم لو وصل نعيهم في أي وقت. المسألة، كما ظنوا، لم تكن سوى مسألة وقت.
لكن عامًا تلو عام، ولم يصل أي نعي. قالوا إنها مصادفة. ثم تكررت المصادفة، إلى أن وقع ما يشبه المعجزة: عادوا جميعًا أحياء.
كيف نجوا؟ أكانت الوحوش التي يُقال إنها تظهر بلا انقطاع قد تجنبت الدوق وفرسانه وحدهم؟
سرعان ما أدرك حرّاس السجن السفلي والجنود أن نجاتهم لم تكن محض حظ.
كانوا ثلاثة فقط.
الدوق، وجوزيف ليكستون، وكريمسن آيزاك.
لكن وجودهم وحده كان كافيًا لابتلاع ظلمات السجن. نظراتهم، تعابيرهم، خطواتهم، وحتى حركاتهم الصغيرة، كانت تضغط على صدور الجنود المخضرمين هناك.
كي ينجوا بين الوحوش، صاروا هم أنفسهم أعتى من الوحوش. الوحوش التي لم تقتلهم، جعلتهم أقوى.
وفي قلب تلك المجموعة، كان الدوق.
“آآآه… أااااه!”
“اللعنة عليك! ألن تصمت؟!”
زمجر جوزيف بوجه قد يطارد المرء في الكوابيس، لكن “القدم الحديدية” لم يعد يسمع شيئًا، كان يصرخ كالمجنون.
لم يكن صراخه الهستيري أكثر ما يبعث القشعريرة في قلوب الفرسان، بل كان ما يفعل ذلك حقًا هو موقف الدوق وهو يراقب. جالسًا على كرسي القاضي، كان وجهه خاليًا من أي إحساس، كأنه ينظر إلى شيء جامد.
“آآآااااه!”
حين ازداد جنونه، نهض الدوق أخيرًا. تراجع “القدم الحديدية” مذعورًا وهو يزحف على الأرض، فسدّ جوزيف طريقه بساقه، وفي تلك اللحظة اقترب آريس حتى صار على بعد خطوة، واضعًا يديه في جيبيه، يحدّق في الكاذب بلا كلمة.
ثم ألقى جملة واحدة، ببرودٍ قاتل:
“تابع.”
تراجعت الهستيريا أمام تلك القسوة.
“انتهيت؟”
حدّق “القدم الحديدية” في الرجل الذي بدا وكأنه امتدادٌ لظلمة السجن. أدرك، للمرة الأولى، أن نظرة ملل قد تكون مرعبة إلى هذا الحد.
أخرج آريس يده من جيبه وجثا، فبدا جسده العريض كأنه سلسلة جبال. وحين راقبه الرجل المرتجف بأنفاس متقطعة، همس آريس:
“تحمّلتُ سخافتك حتى الآن. افتح فمك.”
“….”
“مع من عقدت الصفقة؟”
“….”
“فهمت.”
“مـ… ماذا؟”
سأل “القدم الحديدية” بذهول، لكن آريس، وقد نفد صبره تمامًا، استدار وأمر جوزيف:
“أعيدوه إلى الزنزانة.”
“يا… يا سيدي!”
“أغلقوا فمه وضعوا له كمامة.”
“أمرك!”
تلاشى لون وجه “القدم الحديدية”. أدرك أن الدوق لا ينوي التفاوض. لا يهم إن قال الحقيقة أم لا. لم يكن هذا وقت الصفقات.
ارتمى أرضًا، في أحقر وضعٍ ممكن.
“سأقول كل ما أعرفه! كل شيء، صدقًا! أرجوك، أرجوك دعني أعيش!”
وسط توسلاته، وقعت عيناه على طرف حذاء أسود. رفع رأسه ببطء، فرأى الرجل الذي يمسك بخيط حياته يحدّق فيه بصمت.
“لن أطرح الأسئلة. أنت ستقول كل ما تعرفه. وآمل أن يكون بينه ما أحتاجه.”
كان الخوف أشدّ من ظلمة السجن نفسها. خسر يده وساقه بسبب المال، وها هو يدخل عرين نمر أسود بقدميه. شتم نفسه بمرارة، ثم أسرع بالكلام قبل أن ينفد صبر آريس تمامًا.
* * *
كان مكتب مركيز لينكو متوترًا ومشحونًا.
“خادمات السيدة الكبرى دخلن القصر.”
“إذًا دخول الفرسان مسألة وقت.”
“على الأرجح.”
كان إدوارد، واقفًا قرب النافذة وذراعاه معقودتان، يرفع نظره عند سماع الهمسات.
“أأنت بلا حسٍّ إلى هذا الحد؟! رأيتَ تعبير أمك، ومع ذلك أدليتَ بتلك الشهادة؟!”
“….”
“بسببك، انهار كل شيء!”
“أبي.”
توقف المركيز عند نبرة ابنه الهادئة.
ربما لأنه ورث اسم جده، كان إدوارد أشبه به منه بوالده في الملامح والطبع.
“أي أسرة أخرى كانت ستدفن الأمر وتقتل الشهود. كيف يمكن ربط ابنة دوق تايلور بـ’اللامرئيين’؟”
“اللعنة…”
“هل فكرتَ يومًا كيف أصبح الدوق، الذي كان عند جدار الموت، والآنسة التي عاشت في قصر تايلور، عاشقين أصلًا؟”
مسح المركيز وجهه.
“هذا ما حيّرني.”
“ليس حيرة. إنه فخ.”
“….”
“الدوق والآنسة تايلور نصبا فخًا معًا.”
احمرّ وجه المركيز، وراح يذرع الغرفة بأنفاس متقطعة. بدا مضطربًا… كما كان دائمًا.
عندها فقط فهم إدوارد حقيقة القلق الذي عاش فيه والداه طوال حياتهما.
تنفّس بعمق، ثم قال:
“اذهب واعتذر للدوق والسيدة الكبرى.”
“…ماذا؟”
“تخلَّ عن كل شيء، وعد إلى قصر لينكو. اطلب الرحمة مقابل ما قدمته من خدمة، لعلهم يعفون عنك.”
“…أنت!”
“أترفض الاعتذار؟ أم أنك تعلم أنك لن تُغفر لك حتى لو اعتذرت؟”
صمت المركيز. ومن صمته، قرأ إدوارد الجواب.
“هل كنتم متورطين في موت الدوق السابق؟”
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، تم فتح مجموعة جديدة للمترجمات لنشر الروايات التي نعمل عليها ولقد نشرت أعمالي بفصول متقدمة فيها، هذا هو رابط الانضمام لها يا أحلى قراء💕:
https://t.me/+Ze9Miye3D21mZWI0
Sel للدعم : https://ko-fi.com/sel08 أستغفر الله العظيم واتوب اليه
التعليقات لهذا الفصل " 52"