⚠️لا تجعلوا قراءة الروايات تلهيكم عن الصلاة وعن ممارسة الشعائر الدينية😁
للمرة الأولى في حياتها، أدركت فلورا لوين معنى العبارة القائلة إن السماء قد انهارت.
وكانت البداية تلك المرأة.
تلقت صدمة عنيفة حين تبيّن أن المرأة التي ظنّتها وضيعة الأصل لم تكن سوى الآنسة من بيت دوق تايلور. ولم يكد وقع الصدمة يهدأ حتى جاء ما هو أشدّ: اقتيد والدها.
خرجت فلورا من القاعة شاردة الذهن، وطافت أرجاء القصر طويلًا بلا هدف. كانت خادمات المركيزة يتبعنها، لكنهن اختفين منذ زمن من دون أن يقلن ذهابًا أو إيابًا. وحين وجدت نفسها، كمن يسير مسحورًا، أمام غرفة والدتها، كانت الصرخات الحادة تنفجر من الداخل.
“أيتها العاهرة! تقولين لي اخرجي؟! من تكونين حتى تأمري وتنهَي عليّ؟!”
أفاقت فلورا على صوت أمها الغاضب، ففتحت الباب بعنف ودخلت. كانت والدتها في مواجهة مباشرة مع خادمات القصر.
“سيدتي الكونتيسة، الكونت لوين محتجز حاليًا في السجن السفلي. ووفقًا للوائح قصر دوق ريتشموند، إذا احتُجز أحد أفراد العائلة في السجن السفلي، فلا يجوز لبقية العائلة البقاء في القصر”
صفعة!!
استدار رأس الخادمة التي كانت تتحدث بحذر بعنف. لهثت الكونتيسة لوين وهي تمسك بشَعر الخادمة بقسوة.
“آه!!”
“يكفي ما لُفّق لزوجي من تهم! ماذا تقولين الآن؟! أيتها الحقيرة، من أرسلك؟ هل أرسلتك المركيزة؟!”
“سـ، سيدتي الكونتيسة!”
“المركيزة لن تطردنا! من الذي تجرّأ وأوعز لك!”
“انتقي ألفاظك!”
قطع صوت بارد متسلّط كلمات الكونتيسة، متسللًا عبر الباب الذي تركته فلورا مفتوحًا. سُمع احتكاك طرف التنورة بالأرض بخطوات سريعة، ثم ظهرت امرأة ترتدي فستانًا بلون الرماد الداكن عند الباب.
كان حول عنقها عقد من اللؤلؤ الكبير، هدية إليزا ريتشموند، وعلى أذنيها زوج من أقراط اللؤلؤ المتطابقة.
ما إن ظهرت سيدة آيزاك حتى تراجعت الخادمات خلفها فورًا. انزلق نظرها من خدّ الخادمة المحمرّ إلى الكونتيسة لوين بنظرة حادة.
“ما الذي تفعلينه؟!”
“…أأنتِ من أرسلتِ هؤلاء؟”
“أتخاطبينني بهذه الطريقة؟ أنا خادمة السيدة الكبرى. التزمي بما يليق.”
ضحكت الكونتيسة لوين ضحكة جوفاء وسألت بسخرية:
“هل صحيح أنها استفاقت فعلًا؟”
“سيدتي الكونتيسة لوين!!”
“أسرة لوين من التابعين الذين حموا القصر! وتأتون اليوم لتأمرونا بالخروج بين ليلة وضحاها؟! هذا مستحيل!!”
راحت تصرخ وتثور، لكن تعبير سيدة آيزاك بقي هادئًا. مقارنة بما ذاقته من إهانات طوال أكثر من عشر سنوات، كان هذا لا يُذكر.
“هل حميتم القصر فعلًا؟”
“…ماذا؟”
“إن كانت أسرتك قد أخلصت حقًا لريتشموند، فلا داعي لكل هذا القلق. حتى لو غادرتم القصر وفق اللوائح، فبإمكانكم العودة لاحقًا. وبالطبع سيُعاد اعتبار الكونت لوين.”
“……”
“هذا إن كنتم قد أخلصتم فعلًا لريتشموند.”
تاهت عينا الكونتيسة لوين بعد أن كانت تصرخ بلا توقف.
“كفى هذا الشغب غير اللائق. انسحبي.”
عند الأمر الجليدي من سيدة آيزاك، أخذ جسد الكونتيسة يرتجف. كان الغيظ يعتصرها، لكنها أدركت أن الاعتراض أكثر لن يجدي نفعًا.
“ستندمين على هذا.”
تركت تهديدًا حاقدًا خلفها، ثم خرجت تبحث عمّن قد يساعدها.
“أمي!!”
توقفت فلورا فجأة وهي تهمّ باللحاق بوالدتها. شيء ما ظلّ عصيًا على الفهم انفجر أخيرًا في داخلها. استدارت بعنف نحو سيدة آيزاك واقتربت منها تصيح بحدة:
“أتظنين أنك ستخرجين سالمة بعد أن تفعلِي هذا بأمي؟!”
“……”
“هل هذا أمر السيدة الكبرى؟! أهذا هو؟!”
“فلورا لوين.”
نطقت سيدة آيزاك بصوت صارم، لكن فلورا لم تستطع التوقف.
“هل السيدة الكبرى عظيمة إلى هذا الحد؟! لم تحضر يومًا شؤون القصر، ولم تفعل شيئًا لأجل ريتشموند، وبكلمة واحدة منها تطردون أبي وأمي اللذين خدما القصر!”
صفعة!!
“الخدمة؟ بل هو واجب التابع.”
تجمّدت فلورا، تومض بعينيها بذهول، ثم حدّقت في سيدة آيزاك بغضب مشتعل.
“هل صفعتِني الآن؟”
“سأعتبر أني لم أسمع كلامك لأنني صفعتك. افعلي ذلك وفاءً لذكرى أجدادك، واشكري أسلافك الراقدين في الأسفل.”
“تتصرفين هكذا لأنك تستندين إلى السيدة الكبرى، أليس كذلك؟”
ضحكت سيدة آيزاك بمرارة ونقرت بلسانها.
“يا فتاة. ثمانون في المئة من أراضي أسرة لوين هي أصلًا باسم السيدة الكبرى. لقد منحت جدّك جزءًا من أراضيها لأنها كانت تُجلّه كثيرًا.”
وأشارت إلى أذني فلورا وعنقها.
“حتى العقد والأقراط اللذان ترتديهما الآن هما مما تلقّته السيدة الكبرى هدية من الإمبراطور أرغون الثالث.”
“؟!”
ارتجفت عينا فلورا بعنف. خمد الغضب الذي كان يغلي فيها فجأة كأنه صُبّ عليه ماء بارد. تراجعت خطوة لا إراديًا، فيما ألقت سيدة آيزاك سؤالًا باردًا:
“وهل استأذنتِ المالكة قبل أن ترتديهما؟”
ازداد وجه فلورا شحوبًا، ثم هربت من الغرفة كما فعلت أمها.
راقبت سيدة آيزاك المكان الذي اختفت فيه فلورا بصمت، ثم أخرجت ساعة جيبها وتحققت من الوقت. أمرت الخادمات المذعورات بتنظيف الغرفة، ثم اتجهت إلى النافذة. وحين نظرت إلى الأسفل، لمع بريق في عينيها.
“حقًا… استغرق الأمر طويلًا.”
وعلى الطريق الذي تمدد فيه ضوء الشمس، كانت نساء يمشين بثبات مهيب. كنّ خادمات قديمات، صديقاتها منذ زمن بعيد، وخادمات إليزا ريتشموند. م.م: يستاهلوا 🤣🤣🤭
* * *
كانت فلورا تركض بلا وعي نحو غرفة المركيزة. هناك، كانت السيدات النبيلات قد تجمعن بالفعل. وكانت الكونتيسة لوين بينهم، تبكي عند جانب المركيزة.
تشبثت المركيزة بوعيها الذي كاد ينهار، وأمسكت بيد الكونتيسة.
“لا تقلقي. لا شيء خطير. المركيز يتحقق من الأمر. اهدئي وامكثي هنا قليلًا.”
“نعم، سيدتي الكونتيسة. ما دامت المركيزة تقول ذلك، فلا بد أن الأمر بسيط.”
“بالطبع.”
راحت السيدات النبيلات، وكل واحدة منهن تتزين بكنز من كنوز ريتشموند، يواسين الكونتيسة.
“أروين آيزاك، تلك المرأة جاءت متعجرفة للغاية! بالكاد كانت تطلب حطبًا للملحق، ثم فجأة فلورا؟!”
توقفت الكونتيسة عن شكواها حين رأت ابنتها تدخل بملابس مبعثرة، فنهضت فزعة.
“ما بكِ؟ ماذا حدث؟!”
ما إن رأت خدّ فلورا المتورم حتى احمرّ وجهها. في تلك اللحظة، تقدمت المركيزة بنفسها نحو فلورا.
تفحصت خدّها، ثم قالت بغضب مكتوم:
“من الذي تجرأ وضرب ابنة لوين؟ لن أدعه يفلت.”
صرخت الكونتيسة:
“أليس واضحًا؟! أروين آيزاك هي من صفعت ابنتي!!”
“هل صحيح أن سيدة آيزاك صفعتك، فلورا؟”
انسابت الدموع من عيني فلورا.
“ولأي سبب؟”
عند سؤال المركيزة الموارب، عضّت فلورا شفتها فقط. جذبتها المركيزة إلى صدرها وربّتت على ظهرها بلطف، كأم حنون.
“لا ينبغي أن يُعاملوك هكذا.”
انهارت فلورا عند كلماتها، وأجهشت بالبكاء.
“أرجوكِ، استدعي أروين آيزاك الآن! لن يهدأ صدري إلا إذا صفعناها هي أيضًا!!”
عقدت المركيزة حاجبيها عند صوت الكونتيسة الحاد، وتمنت لو أن أحدًا يُسكت تلك المرأة الغبية. في تلك اللحظة، اقتربت خادمة بوجه شاحب وأبلغت عن زائر غير متوقع.
“سيدتي المركيزة، خادمات السيدة الكبرى حضرن.”
تجمدت اليد التي كانت تربت على فلورا. توقفت الحركة في الغرفة كلها، كأن الجميع اتفقوا على ذلك.
خادمات السيدة الكبرى.
كانت أروين آيزاك ومن معها من خمس خادمات العقبة الكبرى أمام سيطرة المركيزة على القصر. وبينما كانت آيزاك تعتني بالدوق الصغير والسيدة الكبرى الغارقة في الغياب، واجهت الخادمات الأخريات محاولات المركيز وزوجته للهيمنة على القصر.
وفي النهاية، خسرن وطُردن من القصر… لكن ذلك استغرق وقتًا طويلًا.
والآن…
كتمت المركيزة رغبتها في الصراخ، وبرزت عروق عنقها. جلست في صدر المكان، محافظة على هيبة ملكة. وسارعت السيدات النبيلات إلى الجلوس على الأريكة الطويلة. أمسكت الكونتيسة بيد فلورا بقوة، تحدّق في الباب.
“دعيهن يدخلن.”
عند أمر المركيزة، انفتح الباب الخشبي الداكن بصمت إلى الجانبين.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، تم فتح مجموعة جديدة للمترجمات لنشر الروايات التي نعمل عليها ولقد نشرت أعمالي بفصول متقدمة فيها، هذا هو رابط الانضمام لها يا أحلى قراء💕:
التعليقات لهذا الفصل " 51"