كان حال غريس سيئًا حتى من بعيد. لكن حين اقتربت جيسي ووقفت إلى جوارها، أدركت أن الأمر تجاوز السوء إلى الخطورة. ما إن غادرت إليزا القاعة حتى أمسكت جيسي بذراع غريس. كانت حرارة الجسد، من خلال الملابس الرطبة، مرتفعة على نحو غير طبيعي.
“آنستي، لا يمكن الاستمرار. علينا أن نعود الآن.”
كانت غريس تدرك هي الأخرى أن الوقوف أكثر من ذلك مستحيل. لم يكن من السهل الحفاظ على توازنها، كأن الأرض تتمايل تحت قدميها، كما أن البرد كان لا يُحتمل.
أومأت غريس برأسها إيماءة صغيرة، ثم استدارت نحو حيث يقف آريس. حتى هذا القدر الضئيل من الحركة جعل العالم يهتز أمام عينيها، كأن الماء قد تجمّع في رأسها. بحركة أقرب إلى اللاوعي أدّت التحية، ثم بدأت تمشي نحو الباب الرئيسي للقاعة، تحاول جهدها ألا تترنح.
كانت آثار الزنزانة السفلية تتدفّق عليها كسيولٍ انفجرت سدودها.
ما إن خرجت من باب القاعة حتى لفّ جسدها بردٌ لم تختبر مثله في حياتها. كلما مرّ الهواء على جسدها، شعرت كأن عشرات السكاكين تمزّق جلدها.
“آ… آن… ستي… هل… أنتِ بخيـ..”
جاء صوت جيسي ممتدًا وبعيدًا، كأنه قادم من عالم آخر.
تمتمت غريس بكلمات غير مفهومة، تقول إن الأمر لا بأس به وإنه يجب أن تواصل السير، وحاولت أن تخطو خطوة أخرى. في تلك اللحظة، احتواها فجأة صدرٌ كبير وصلب. قبل أن تدرك ما الذي حدث، دخل وجهه مجال رؤيتها الضبابي.
كان آريس يحمل غريس بين ذراعيه وينظر إليها بصمت، بينما كانت هي تحدّق فيه بذهول. وبينما كان العالم يتأرجح حولها، بقيت عيناه السوداوان وحدهما واضحتين على نحو غريب.
لم تمكث في السجن سوى أيام معدودة، لكنها بالنسبة لغريس كانت كأنها سنوات.
اضطرت لأن تشهد موت والديها مئات، آلاف المرات. رائحة ذلك اليوم، رطوبته، حرارته، الدموع التي سالت على خديها، وكفّ الطفلة الصغيرة التي اضطرت إلى كتم فمها بيدها.
كان كل شيء واضحًا إلى حدٍّ مؤلم، حتى إنها في لحظة ما نسيت أن ما تراه مجرد أوهام. نسيت أن هذا كله ليس سوى جزء من الخطة، وأن عليها فقط أن تصمد أيامًا قليلة. غرقت فحسب في يأسٍ وحزنٍ لا قرار لهما.
وفي قلب تلك الكوابيس، الشيء الوحيد الذي تشبّثت به غريس وصمدت من أجله… كان هذا الرجل صاحب العينين السوداوين.
آريس… آريس ديكان.
كما في طفولتها، نادت اسمه مئات، آلاف المرات.
لكن بدا أن هناك شيئًا مختلفًا هذه المرة. في كل لحظة حاولت فيها أن تفقد عقلها تمامًا، أن تترك نفسها للجنون، كان هناك ما يمسك بها ويمنعها من السقوط.
ذراعان قويتان تحيطان بها من الخلف، دفء، يد تمسّد شعرها…
ثم
‘آريس…’
وفي نداءٍ فارغ،
‘أنا هنا.’
كأن جوابًا عاد إليها.
“غريس.”
ظل آريس يراقب حتى اللحظة التي اختفت فيها عيناها الصافيتان خلف جفنيها. في اللحظة التي أغمضت فيهما، ارتخى جسدها تمامًا. كانت حرارة جسدها، عبر الملابس، أعلى بكثير مما كانت عليه مساء الأمس.
“آنستي!”
“كفى.”
أوقف آريس جيسي التي كانت على وشك الانهيار، ثم تابع السير كأن شيئًا لم يحدث.
“أحضري طبيبًا موثوقًا خلال ساعة. ذلك المدعو إريك كان داخل ريتشموند طوال هذا الوقت، لا بد أنه قادر على ذلك.”
على عكس حركاته التي بدت باردة، كان صوته واضحًا وسريعًا، كقائد جيش في ساحة حرب.
“حسنًا.”
“أرسلي من ينتظر عند البوابة الشمالية الغربية، وليأتوا من هناك.”
“نعم، سيدي الدوق… أرجوك اعتنِ بالآنسة.”
لم يضيّع آريس وقتًا في الرد، بل ابتعد بخطوات سريعة.
* * *
كانت إليزا تسير ببطء في أرجاء القصر الغارق في الخريف. حين كانت في الملحق، كان مجرد النهوض من السرير أمرًا شاقًا، لكنها الآن لم تشعر بثقل في جسدها، كأن قوة ما قد دبّت فيها من جديد.
“هل تودّين العودة إلى الملحق؟” سألتها سيدة آيزاك بحذر.
هزّت إليزا رأسها ببطء.
“لم يعد هناك ما أُخفيه، ولا سبب للاختباء. فلماذا أعود إلى هناك؟”
كانت شجرة البلوط في الفناء كما هي، وأعمدة الرواق السميكة لم تتغير. لم يكن في هذا القصر مكان لم تترك فيه أثرًا من حياتها.
وبينما كانت تتجول هكذا، وصلت إلى بسطة الدرج العظيمة في القصر الرئيسي.
في تلك اللحظة، شعرت بحضور غير عادي وخطوات ثقيلة من خلفها. حين نظرت إليزا وسيدة آيزاك إلى أسفل الدرج، كان آريس قد بدأ يصعد، وغريس بين ذراعيه.
شهقت سيدة آيزاك بدهشة، أما إليزا فَنَقَرت بلسانها، كأنها كانت تتوقع ذلك.
“أروين، أحضري طبيبًا.”
“نعم، سيدتي الكبرى. لكن الطبيب المقيم في القصر هو قريب للمركيزة، لذا سأرسل شخصًا إلى خارج القصر. سيستغرق الأمر بعض الوقت.”
“أحضري خافض حرارة أولًا، وضعي حرسًا عند البوابة الشمالية الغربية. خادمة غريس ستأتي بالطبيب من هناك.”
قال آريس ذلك على عجل، وكأن التوقف للحظة خسارة، ثم تابع صعود الدرج مباشرة. أشارت إليزا بيدها أن يُنفّذ ما قاله، ثم صعدت هي الأخرى.
وبينما كانت تنظر إلى ظهرهما المتشابه إلى حدٍّ يُخيّل للمرء أنهما من جيل واحد، تمتمت سيدة آيزاك: “حقًا… الدم أثخن من الماء.” ثم أسرعت بالنزول.
في تلك الأثناء، كان الخدم ينظفون الرواق المؤدي إلى مخدع الدوق، ففزعوا مرة من هيئته المندفعة، ومرة أخرى حين رأوا المرأة المترهلة بين ذراعيه.
“املأن حوض الاستحمام بماء فاتر. أحضرن أربع خادمات للاعتناء بالاستحمام. جهّزن مناشف مبللة وملابس مريحة، وارفعن حرارة الغرفة.”
“نعم، سيدي الدوق.”
في تلك اللحظة، دخلت إليزا الغرفة. وقع نظرها على آريس واقفًا بلا حراك، يراقب غريس. ضاقت عيناها تلقائيًا، ثم تقدمت ولمست جبين غريس بيدها.
“حرارتها كالجمر. لا عجب، بعد أن صمدت ثلاثة أيام في تلك الغرفة اللعينة.”
“……”
نهضت إليزا وألقت نظرة خاطفة على آريس. لم يكن ينظر إلا إلى غريس. مالت إليزا برأسها قليلًا؛ كان هناك تناقض. نظراته وملامحه توحي بالبرود، لكن أفعاله كانت مشبعة بعجلة وقلق مكتوم.
وحين رفع آريس عينيه وأدرك نظرتها، فهمت إليزا أن ما يغطي عينيه السوداوين ليس برودًا، بل طبقة رقيقة جدًا من الجليد. وما الذي يكمن تحت ذلك الجليد، فوق مياه سوداء عميقة… حتى إليزا ريتشموند لم تجرؤ على تخيّله.
وبينما كانت لا تزال صامتة، فتح آريس فمه:
“هل نمتِ جيدًا؟”
“ما تبقّى من نومي سأقضيه في التابوت، أليس كذلك؟”
“كيف وجدتِ ساحة ريتشموند بعد طول غياب؟ هل بدا لكِ البستان معتنىً به؟”
كان كلامًا مجازيًا حادًّا.
“…الأعشاب الضارة نمت كثيرًا. ذنب صاحب الحديقة الذي نام وترك أرضه.”
تنهدت إليزا بعمق، ثم قالت بهدوء:
“شكرًا لأنك لم تحرق الحديقة لمجرد أن الأعشاب نمت.”
نظر آريس إلى غريس. كانت ترتجف حتى في نومها، من شدة البرد. قبض لاشعوريًا على طرف الغطاء، ثم أفلت يده.
“عندما يصل خافض الحرارة”
“لا حاجة. أعرف ما يجب فعله. يمكنك الانصراف الآن.”
كما كان آريس يكره الإطالة، كانت إليزا كذلك. قطعت كلامه، ثم صاحت نحو الخارج بصوت حاد:
“أين المناشف المبللة؟!”
“نعم! جاهزة، سيدتي الكبرى!”
“تحرّكن بسرعة. اقتربن، ابدأن بخلع ثياب الآنسة ولماذا لا تزال واقفًا هناك؟! أتريد أن أخرجك دفعًا؟!”
رفع آريس يديه، كأنه يقول إنه يرفض مشاهدة ذلك، واستدار خارجًا.
“من أين تعلّمتِ هذه التصرفات غير اللائقة؟!”
تجاهل توبيخها وهو يبتعد، واتجه مباشرة إلى السجن السفلي. ما إن دخل حتى شعر بالهواء البارد الرطب يلتصق بجسده. استقبله جوزيف، الذي كان قد أحكم السيطرة على الحراس.
“تم حبسهم في زنازين منفردة، سيدي.”
“أحسنت.”
في تلك اللحظة، تردّد في الأرجاء صوت بكاء فقد صاحبه عقله.
“آه… آآه…”
أدرك أحد الفرسان، المتراجع جانبًا، أن الصوت يعود إلى قائده الكونت لُوين. وحين نظر إلى الدوق بعينين مرتعدتين، كان آريس جالسًا على كرسي القاضي الذي اغتصبته المركيزة قبل أيام.
كان جالسًا وذراعاه على ركبتيه، غارقًا في تفكير عميق، كقائد يفكر في العقوبة المناسبة للمهزوم. فجأة دوّى صوت طرق عنيف على باب حديدي.
“أخرجوني! أرجوكم!! نـ، نار!! الظلام… آآه!!”
رفع آريس عينيه ببطء، وحدّق في فتحة مظلمة. كانت مدخل السلم المؤدي إلى الزنزانة التي سُجنت فيها غريس.
تدفقت الأفكار دون استئذان. الجسد الذي كان باردًا حدّ الموت قبل أيام، كان اليوم حارًا كالنار. قبض آريس على كفّه ثم بسطها، وتمتم بسخرية:
“لم يمضِ وقت طويل على حبسهم، وها هم يولولون.”
ضغط بأصابعه على جفنيه. لم ينم طوال الأيام الثلاثة الماضية، فكانت عيناه تؤلمانه. مسح وجهه بيده، ثم استقام وقال:
“سنستجوبهم واحدًا تلو الآخر.”
“من نأتي به أولًا؟”
“أحضروا ‘القدم الحديدية’ أولًا.”
“نعم، سيدي.”
كما لو أن الريح الجنوبية انقلبت فجأة إلى شمالية، تغيّر هواء قصر الدوق. بل لم يكن مجرد تغيّر… كان إيذانًا بعاصفة قادمة.
لم يعرف الجنود حجم تلك العاصفة، ولا ما الذي سيبقى بعدها، فاكتفوا بانكماش أعناقهم انتظارًا لما هو آتٍ.
م.م: كيف حالكم يا أحلى قراء، هنا نهاية الدفعة ونكون متقدمين على أحداث المانهوا، لا تنسوا التعليقات💕
Sel للدعم : https://ko-fi.com/sel08 أستغفر الله العظيم واتوب اليه
التعليقات لهذا الفصل " 50"