ما إن خطا خطوةً إلى ما وراء الباب المفتوح، حتى شعر بتداخل هواء الرواق البارد مع هواء القاعة الداخلي الأكثر دفئًا قليلًا. رفع إدوارد نظره عن الأرض. وفي اللحظة التي التقت فيها عيناه بعيني ذلك الرجل، أدرك.
أن أمنية أبيه وأمنيته هو… قد تلاشتا كريحٍ عابرة.
رغم المسافة البعيدة التي لا تسمح بتمييز ملامحه بدقة، إلا أن حضوره كان طاغيًا. حتى راية القماش المعلّقة خلفه لم تستطع أن تطغى على وجوده.
أكان ذلك بسبب بنيته الجسدية المهيبة؟ أم لوسامته التي تثير الإعجاب حتى في عين رجل؟ لا، بدا أن السبب الحقيقي هو الهالة التي تحيط به.
كلما اقترب منه، ازداد جفاف فم إدوارد. وحين توقف أمام المنصة ورفع بصره إليه، فتح الدوق فمه.
“إدوارد لينكو، المركيز الصغير.”
وكأن قوةً ما سحرته، ركع إدوارد على ركبته اليسرى.
راقبه آريس بصمت. كان الزوجان المركيزيان في قلق ظاهر، لكن إدوارد ظل على حاله، ينتظر كلمات الدوق.
“سمعتُ أنك ذهبتَ إلى دوقية تايلور نيابةً عني. لا بد أن الطريق كان طويلًا، أحسنت الصنيع.”
“لا، يا صاحب السمو. لم أفعل سوى ما كان ينبغي عليّ فعله.”
“انهض.”
عندها فقط نهض إدوارد. حدّق آريس طويلًا في عينيه الرماديتين. ابنٌ يلتزم آداب الولاء قبل أن يفعلها والداه.
“أيها المركيز الصغير، هناك أمر واحد أحتاج منك تأكيده.”
ارتعشت حاجبا إدوارد دهشةً، ثم أومأ.
“إن كان تأكيدي مطلوبًا، فواجبي أن أقدّمه.”
شدّ آريس شفتيه بابتسامة. كانت ابتسامةً قادرة على إغواء ملك الموت نفسه. ثم حوّل نظره إلى جهةٍ ما. وبلا وعي، تبع إدوارد نظره.
في الموضع الذي توقفت فيه النظرة، كانت تقف امرأة لا تنتمي إلى هذه القاعة من الأساس. فستانها الأبيض متسخ في مواضع كثيرة، وشَعرها الأشقر منفلت بلا نظام…
“…؟!”
ضاقت عينا إدوارد لحظة، ثم اتسعتا فجأة. كانت مختلفة تمامًا عن آخر مرة رآها فيها، ومع ذلك، كيف له ألا يتعرّف على ذلك الشعر الأشقر المميّز وتلك العينين الخضراوين الداكنتين؟
“لكن… لماذا”
في تلك اللحظة، رفعت والدته سبابتها نحو المرأة وصرخت بحدة:
“إيدي، أتقول إنك تعرف امرأةً كهذه؟!”
“…أمي؟!”
قشعريرة باردة سرت في عمود إدوارد الفقري. لكن المركيزة، وقد استبدّ بها الذعر، لم تلحظ ردّة فعل ابنها.
“تحاول أن تنجو بأي وسيلة، لكن لكل شيء حد! كيف تجرؤ على الزجّ باسم ابني دون أن تعرفي مقامك؟!!”
“أمي!!!”
صرخ إدوارد محاولًا إسكاتها، وفي اللحظة نفسها تداخل صوتٌ أنيق هادئ.
“كنتُ أنوي الاعتذار لأنني تسببتُ لك برحلة غير ضرورية إلى تايلور، لكن يبدو أننا نلتقي هكذا. المركيز الصغير لينكو.”
تقدّمت غريس خطوةً نحو إدوارد. فتحت المركيزة عينيها على اتساعهما، تتنقّل بنظرها بين المرأة وابنها. وبلغت صدمتها ذروتها حين مدت غريس يدها اليمنى نحو أغلى ما في الدنيا لديها ابنها.
“…ماذا تفعلين؟”
رغم سؤال المركيزة الفارغ، ظلت عينا غريس باردة ساكنة كبحرٍ شتوي. وحين التقت عيناهما، خطر لإدوارد أن من استدعاه إلى هنا… ربما لم يكن الدوق، بل غريس.
لماذا هي هنا؟ من الذي جعل الآنسة تايلور بهذه الحال؟ ولماذا…
ترك الأسئلة التي بدت كوحلٍ آسن، واضطر أن ينحني ويقبّل ظاهر يد غريس.
مشهد الابن الذي لا يُقايَض بحياةٍ كاملة وهو يقبّل يد امرأة… كان صاعقًا للمركيزة. لم تستطع النطق، وكذلك زوجها. وحتى فلورا، التي كانت تراقب من بعيد، بقيت فاغرة الفم، لا تفعل سوى الرمش.
“ما الذي…؟”
حدّقت المركيزة في غريس بعينين مضطربتين كعيني سفينةٍ تواجه عاصفة. لكن غريس، التي هزّت كيانها بلا رحمة، أعادت الجواب ذاته بنبرة هادئة تمامًا.
“قلتُ ذلك مرارًا، يا مركيزة.”
“……”
“أنا غريس. وأنا وجيسي لا يمكن أن نكون من (الذين لا يُرون).”
شعر إدوارد وكأن قلبه يهوي إلى أسفل صدره. وبلا وعي، استدار نحو الدوق، فوجد عينيه غارقتين في عمقٍ شديد وهو يراقب الموقف. شعر إدوارد بخوفٍ لا يمكن وصفه من الرجل الواقف هناك.
تقدّمت غريس خطوةً نحو المركيزة. وفي عينيها التي ظنّها ساكنة اشتعل لهيبٌ مهدِّد كأنه سيحرق المركيزة حيّة.
“اسم الفتاة التي جاءت معي هو جيسي مولتن. كان والدها فارسًا في دوقية تايلور يحمل لقبًا أدنى، وقد احترق حتى الرماد وهو يحمي والديّ حتى اللحظة الأخيرة. على يد (الذين لا يُرون).”
تايلور؟ لماذا يُذكر اسم ذلك البيت الآن؟
ساد الاضطراب صفوف النبلاء، وانقضّت المركيزة ممسكة بذراع ابنها.
“إيدي… إيدي؟!”
عضّ إدوارد على أسنانه وهمس بصوتٍ ثقيل:
“كفى، يا أمي. إنها آنسة تايلور.”
كانت كلماتٍ مرعبة.
لم تستطع المركيزة تصديق ما سمعته. آنسة تايلور؟
تركت ذراع ابنها وهزّت رأسها.
“مستحيل.”
أسرع إدوارد ليقف أمامها، يحجبها عن أنظار الدوق وغريس.
“أمي، أرجوكِ.”
لكن المركيزة لم تعد قادرة على التراجع. لقد مضت بعيدًا أكثر من اللازم. ابتسمت بتكلّف وقالت لابنها:
“لا بد أنك مخطئ. آنسة تايلور؟! انظر إلى حالها أين تشبه آنسة تايلر”
ثم خفت صوتها… وانقطع.
«شعري من أبي، وعيناي من أمي. وأنا أشبه أبي أكثر. كما كان أسلافي دائمًا.»
تعلّق نظر المركيزة بالشعر الأشقر المتدلّي.
تايلور، حقول القمح الذهبية. ألم يُقل إن أفراد ذلك البيت يولدون وكأن الذهب قد سُكب في شعورهم؟
ارتعشت زاوية عينها تشنجًا.
أما إدوارد، وهو يرى أمه كذلك، فقد أصبح عقله صفحةً بيضاء. قبل أن تُدفع أكثر إلى الهاوية، كان عليه إخراجها من القاعة فورًا.
هذا المكان… كان فخًا هائلًا نصبه الدوق وغريس. م.م: ونجحوا 🔥🔥🔥
“يا صاحب السمو، لا تبدو صحة والدتي على ما يرام. أعتذر، لكننا سننسحب”
لم يكن الصوت عاليًا، ومع ذلك بدا كأنه يُغرس في الأذن مباشرة، بفضل نطقٍ واضحٍ صارم لا يمتلكه إلا من تلقّى تدريبًا صارمًا منذ نعومة أظفاره.
ذلك الصوت الذي كان يومًا ما يُصنّف بين السيدات كـ«نبرة النبلاء العليا» جعل وجوه النبلاء الكبار من فصيل المركيز تظلم.
تك، تك.
صوت كعب حذاءٍ صلب شقّ هواء القاعة المشحون بالتوتر. وبعد لحظات، ظهرت هي من حافة راية القماش العظمى التي تمثل ريتشموند.
كل شيء كان كما هو: الظهر المستقيم، الأكتاف المشدودة، الحركة الانسيابية كجريان الماء. وحده الفستان الأسود الخالي من الزينة كثوب حداد وشَعرها الذي صار فضيًا أبيض، كانا مختلفين.
لكن ذلك لم يكن مهمًا.
المهم أن ملكة ريتشموند ظهرت أمام الناس لأول مرة منذ أكثر من عشر سنوات.
م.م: أخيرا 🔥🔥🔥😭
نهض نبلاء بيوت الفرسان دفعة واحدة، واضطر نبلاء فصيل المركيز إلى الوقوف أيضًا. تقدّم آريس ومدّ يده بأدب، فانحنى الجميع. حيّت غريس إليزا باحترام، وكذلك فعل إدوارد. وحدهما الزوجان المركيزيان بقيا واقفين، يحدّقان فيها بذهول.
وحين قبضت إليزا على يد آريس وصعدت معه إلى المنصة، لمحت الغضب في عينيها، فأفاق الزوجان أخيرًا وقدّما التحية متأخرين. عند النظرة الحادة في عيني العجوز، ارتفعت زاوية فم آريس قليلًا ثم انخفضت.
“أيها الدوق، هذه العجوز تؤلمها ساقاها وتحتاج إلى الجلوس. أخرجوا لي كرسيًا أيضًا.”
“لا داعي لذلك، جدّتي.”
قادها آريس إلى كرسي الدوق.
“تفضّلي بالجلوس. أنا من ساقاه سليمتان، سأبقى واقفًا.”
ضحكت إليزا بخفة عند وقاحته الظاهرة، ثم باغتها ألم حاد في صدرها. رؤية الكرسي الذي كان ينبغي أن يجلس عليه «والتر» مزّقت قلبها. لكنها لم تعد قادرة على الاستسلام للعجز.
“إذن فليكن.”
استدارت إليزا بأناقة وجلست ببطء على الكرسي العظيم. وقفت وصيفتها عن يسارها، فيما وقف آريس عن يمينها شامخًا، يشبك يديه خلف ظهره.
مرّت نظرة إليزا ببطء على وجوه التابعين المصطفّين كالرماح. بعضهم بلا تعبير، بعضهم مذهول، وبعضهم يكبح دموعه. وحين مرّ نظرها على غريس الواقفة بأدب، انتقل إلى وريث البيت الذي كانت تثق به أكثر من غيره.
تأملت إليزا الزوجين المركيزيين طويلًا، ثم أغمضت عينيها، وزفرت زفرة عميقة قبل أن تنطق اسمه.
“هنري لينكو.”
“…نعم، يا سيدتي الكبرى.”
“تَلُ الميثاق. ميثاق الولاء.”
Sel للدعم : https://ko-fi.com/sel08 أستغفر الله العظيم واتوب اليه
التعليقات لهذا الفصل " 48"