في ذلك الوقت، كانت فلورا تسير قرب المشتل حيث الحديقة الزجاجية، ترافقها وصيفتان من وصيفات المركيزة. ما إن رآها الخدم عند مدخل الحديقة حتى كفّوا عمّا بأيديهم، وانحنوا لها باحترام بالغ، ثم ظلّوا على هيئتهم تلك حتى مرّت فلورا من أمامهم.
كان هذا نوعًا من الحفاوة لم تكن لتتخيله حين كانت مجرد آنسة.
فبعد أن تلقت كنوز ريتشموند من المركيزة، وانتشار الحديث عن كونها حبيبة الدوق، صار شائعًا بين الخدم وكأنه حقيقة مسلَّم بها أن فلورا لوين ستكون الدوقة القادمة. كما أن إلحاق المركيزة وصيفتين بها زاد هذا الاعتقاد ترسيخًا.
شعرت فلورا وكأن السماء والأرض قد انقلبتا رأسًا على عقب. بل إن الأمر لم يكن بعيدًا عن الحقيقة.
هذا الصباح، وللمرة الأولى، شعرت بالملل من الفساتين ذات التصاميم اللطيفة. لذلك اختارت من بين ما تملك فستانًا أحمر يبدو أكثر وقارًا وهيبة. ورفعت شعرها على طريقة المركيزة، وزيّنت أصابعها بخاتم ذي حجر كريم كبير. م.م: أحلام جميلة 🤭
المرأة في المرآة بدت جميلة، لكنها أيضًا بدت صاحبة سلطة.
فلورا ريتشموند. مظهر يليق تمامًا بهذا الاسم.
وبينما كانت تمشي مرفوعة الكتفين، متجاوزة الخدم المنحنين، مرّت بجانب شجرة حديقة ضخمة، فبلغ سمعها ضحك مرح. التفتت نحو مصدر الصوت، فرأت مجموعة من الآنسات والسادة الشبان، كلٌّ بزينته، يتبادلون الأحاديث.
ارتسمت على شفتي فلورا سخرية خفيفة بالكاد تُرى، ثم اختفت.
في زمنٍ مضى، كانت هي أيضًا تضحك وتتنافس وسط تلك المجموعة. آنذاك، كانت تظن أن ذلك التنافس هو كل العالم. هكذا إذًا: الخبرة مهمة، وبقدر ما يعرف المرء يرى العالم.
كانت تلك المجموعة مجرد ناتجٍ ثانوي. ناتج ثانوي لا يُسمح له بدخول قاعة «النسر الأزرق» حيث يُعقد المجلس الأعلى أي لا يقترب حتى من جوار السلطة.
نقرت فلورا لسانها بخفة وهمّت أن تحوّل نظرها إلى وجهتها المقصودة.
«فلورا!»
ما إن دوّى الصوت الرنّان حتى تغيّر وجه فلورا في لحظة، واكتسى بالبرود. كادت ضحكة ساخرة تفلت منها، لكنها تماسكت، مراعيةً العيون التي تراقب. ثم، وكأن شيئًا لم يكن، ابتسمت واستدارت نحو القادمة مسرعة.
في طرفة عين، مسحت فلورا هيئة المرأة بعين ناقدة.
فستان شيفون ارتدته لتبدو لطيفة بأي ثمن، وأقراط من كنوز العائلة لتبدو ثرية قدر الإمكان… والمشكلة أن تلك «الكنوز» لم تكن سوى مصوغات قديمة تعود إلى قرون خلت، مبتذلة المظهر، لا توحي بقيمة تُذكر.
«فلورا!»
من أي زاوية نُظر إليها، لم تكن تليق بأن تكون صديقة لدوقة.
«كنت أبحث عنك أصلًا! وعلى أي حال، أنتِ أيضًا لن تدخلي القاعة، أليس كذلك؟ هل أنتِ مشغولة؟ الجميع مجتمعون…»
«آنسة.»
تعثّر صوت المرأة التي كانت تثرثر بحماسة عند اللقب الرسمي المهذّب الذي خرج من فم فلورا.
اقتربت فلورا منها خطوة، مبتسمة، ثم همست عند أذنها بصوتٍ خفيض:
«ليس لديّ الآن متسع من الوقت لأتبادل الأحاديث مع آنسة.»
Sel للدعم : https://ko-fi.com/sel08 أستغفر الله العظيم واتوب اليه
التعليقات لهذا الفصل " 44"