كان يسير في الطريق حاملًا اسم ميتٍ، فكان حيًّا لكنه ميت، وميتًا لكنه حي. هكذا كان في نظر الجميع، بل وحتى في نظره هو نفسه.
إلا شخصًا واحدًا فقط: غريس تايلر.
حتى في اللحظات التي لم يكن يدري بها، كانت تدرك وجوده على وجه الدقة. حين نادت اسمه، صار ذلك العيش الملتبس الذي لم يكن حياة ولا موتًا واضح المعالم.
«آريس……»
نداء غريس الخافت أذاب ببطء اسم «والتر» الذي كان يغطي آريس بإحكام. ومع ذوبان ذلك الاسم المؤلم، الملطخ بذنبٍ خانق وندوبٍ لا تُحصى، انكشف الاسم الذي ظلّ منكمشًا طوال زمنٍ طويل.
«آريس.»
هل تعلم؟
ما الذي يعنيه نداؤك لي؟
دفن آريس رأسه في كتفها وأجاب:
«أنا إلى جوارك.»
وظلّ يهدّئها بلا انقطاع، يشاركها الدفء.
«غريس. غريس تايلور.»
ونطق اسمها اسمًا أنيقًا حادّ الملمح مرارًا، حتى هدأ ارتجافها.
* * *
كان ثمة من يطلق على قصر دوقية ريتشموند اسم «قلعة النسر الأزرق». يعود ذلك إلى أن النسر هو رمز ريتشموند، لكن السبب الأدقّ يتمثّل في راية النسر الأزرق المعلّقة في قاعة القصر الرئيسية، وفي زخارف الثريّات.
كانت راية النسر الضخمة، المستخدمة منذ عهد الدوق المؤسِّس، لا تزال معلّقة خلف كرسي الدوق مباشرة، تباهي بهيبتها.
القاعة التي شيّدها دوق ريتشموند الأول بعناية كانت إرثًا بحدّ ذاتها، وكنزًا قائمًا. أعمدة القاعة الاثنا عشر بلون العاج التي تحمل القبة كانت لافتة، لكن ما يخطف الأنظار حقًا هو العدد الهائل من الثريّات.
وأعظمها تلك المعلّقة في مركز سقف القاعة، مزدانة بألفي قطعة من الكريستال وألف قطعة من الياقوت الأزرق. وعلى أعلاها مجسّم من الياقوت لنسرٍ محلّق.
اعتادوا فتح القاعة للمناسبات الكبرى والولائم، وكان آخر حدثٍ أُقيم فيها عيد ميلاد المركيزة. يومها، بلغ بريق القاعة حدًّا يعجز الوصف عن إدراكه.
لكن الغد سيشهد استخدام القاعة لسببٍ مختلف.
قالت المركيزة إن القاعة يجب أن تُهيّأ بما يخدم الغاية، فطافت أرجاءها بنفسها طوال يومين.
«انزعوا جميع الزينة.»
لم تكتفِ بإزالة الزينة الفاخرة التي أُعدّت لعيد ميلادها، بل أمرت بإخراج الخزف والجرار العتيقة التي تضاهي تاريخ القاعة قدمًا. واستبدلت الرايات المخملية الزرقاء المعلّقة على الجدران براياتٍ سوداء. رُفعت الثريّات عاليًا حتى يكاد المرء يشعر بعدم وجودها، وحتى مقاعد رؤساء الأسر أُعدّت سوداء.
تبدّل جوّ القاعة تبدّلًا كاملًا، كقلب الكف.
«كأنها قاعة جنازة. حقًا، أنتِ مذهلة.»
ضحك مركيز لينكو بخفّة وهو يمدح زوجته حين جاء يتفقّد القاعة ليلًا.
«أهو موضع تنتهي فيه الحياة السياسية لدوق ريتشموند. أترى من اللائق تزيينه؟»
«هاها، مع ذلك كان سيكون مشهدًا مثيرًا.»
لكن ابتسامة المركيز وهو يربّت ذقنه خفَتت تدريجيًا. حدّق في المنصّة، في كرسي الدوق، ثم سار نحوه كالمسحور.
كان وقع خطواته على الدرج دوم، دوم كأنه رعد. وما إن جلس على الكرسي الهائل حتى سرى في جسده رجفان لاذع من الرأس حتى القدمين، كأن الدم يغلي.
«غدًا. إنه الغد.»
لم يقتله قبل دخوله القصر، لكن غدًا إن أنهى حياته السياسية تمامًا فسيعود كل شيء إلى نصابه.
* * *
وهكذا جاء اليوم التالي.
استيقظ مركيز لينكو بشعورٍ نادرٍ من الانتعاش. لم يرَ حلمًا سيئًا في الليل، ولم يشعر بآلام المفاصل التي طالما لازمته.
«ما أخبار الدوق؟»
«لم يخطُ خارج غرفته خطوة واحدة.»
«لا يختلف عن جدّته إذًا. وهل ما زال العجوز الخرف نائمًا؟»
«نعم. السيدة الكبرى أيضًا بلا أي حركة.»
«جيد، جيد. كل شيء على ما يرام.»
قضى الصباح مستمتعًا بالهدوء، ولم يخرج إلا حين اقترب موعد المجلس الأعلى، مرتديًا بذلة سوداء.
«هل وصل الدوق؟»
«في الحقيقة… كان أوّل الواصلين.»
«الأول؟ يبدو أنه كان متلهّفًا.»
«أم… نعم.»
نبرة الخادم كانت مريبة، لكن المركيز ضحك راضيًا. غير أن ابتسامته بدأت تتلاشى ما إن دخل الممر المؤدي إلى القاعة.
ربما لأن القاعة أُعدّت كجنازة، لكن عادةً ما تتسرّب همسات خفيفة إلى الممر عبر الأبواب المفتوحة. الآن، كان الصمت كثيفًا حتى لتسمع سقوط إبرة. لم يكن وقارًا فحسب، بل توترًا غامضًا.
توقّف المركيز وسأل:
«هل حضر الجميع؟»
«نعم، سيدي المركيز.»
وقد ساء مزاجه بلا سبب، فتعمّد السعال بصوتٍ عالٍ ثم تابع السير.
الأصل أن يظهر صاحب المكان أخيرًا. هكذا كان كل أصحاب السلطة الذين رآهم. يصلون في النهاية، محاطين بالأنظار. لذا فرد كتفيه ورفع ذقنه قليلًا، ومشى كأنه المالك الحقيقي. لكن ما إن بلغ الباب المفتوح واستدار نحو القاعة، حتى شعر وكأنه يُبتلع دون أن يدري.
لم تستوقفه سعة المكان الهائلة ولا راية النسر الأزرق الضخمة.
كان السواد يليق به. بل كأن السواد وُجد من أجله. كل ما أُعدّ ليشبه جنازةً انسجم مع هالة الدوق، حتى بدا المكان كمحكمةٍ للجحيم.
ما هذا الشعور؟ هذا الإحساس المريب بالألفة… أين رآه من قبل؟
في تلك اللحظة، فكّ الدوق ساقيه ببطء، وقد كان متكئًا على الكرسي الهائل، ثم مال بجذعه إلى الأمام. انسكب الضوء المتكسّر على وجهه. ومع انكشاف الوجه الذي كان غارقًا في الظل، خطر للمركيز طيف نمرٍ أسود وفي اللحظة نفسها أدرك حقيقة ذلك الإحساس.
شحبت ملامحه.
قبل أكثر من عشرين عامًا، يوم رافق الدوق السابق إلى القصر الإمبراطوري. يومها، انبهر المركيز بقاعةٍ مهيبة يغلب عليها السواد. وتحت راية نمرٍ أسود، أعظم حتى من راية النسر الأزرق، كان رجل كأن النمر قد تجسّد إنسانًا يبتسم لهم.
«تأخرتَ يا دوق ريتشموند.»
«أعتذر، يا صاحب الجلالة. لكن لمَ تكونون دائمًا هنا باكرًا؟ أليس من المتعارف أن يأتي صاحب المكان بعد دخول الضيوف؟»
«لأن ثمة أشياء كثيرة تستحق النظر: من يأتي، ومع من، وبأي تعبير.»
كان وجه الإمبراطور حاضرًا في ذاكرته كأنه بالأمس، والآن كان الدوق يبتسم بالوجه ذاته.
التعليقات لهذا الفصل " 43"