لم تكن المركيزة تنوي قتلها فورًا. وهذا يعني أنها لن تموت بهذا الدخان. يكفي هذا.
فلنُفكّر بالخطوة التالية.
كم مضى من الوقت منذ أُدخلت إلى هنا؟ اثنتا عشرة ساعة تقريبًا؟ إن كان كذلك، فقد اقتربت اللحظة. يكفي أن تصبر قليلًا. قليلًا فقط… قليلًا آخر……
تشابكت خيوط التفكير التي كانت تتشبّث بها بكل ما أوتيت من قوة، ثم امتدّت طويلًا، طويلًا… قبل أن تنقطع فجأة بإحساسٍ حاد، ومعه انبثق صوتٌ قريب من الصراخ، حيٌّ على نحوٍ مروّع.
«آنسة الدوق!! توقّفي، آنسة الدوق!! لا، لا تنظري!»
«أبعدوها، أسرعوا!»
هبط قلبها بعنفٍ خارج إرادتها. دقّ، دقّ خفقانٌ قاسٍ يدوّي في أذنيها، وكأن الأرض التي تقف عليها انهارت وفقدت توازنها.
هزّت غريس رأسها وجثت، تغطّي عينيها بيديها.
لكن، رغم ذلك، كانت ترى كل شيء.
في ذلك اليوم، تحت سماءٍ مكفهرة مثقلة بالغيوم، كانت هناك عربة احترقت حتى اسودّت، حتى لم يبقَ لها شكلٌ يُعرَف. خيوطٌ رفيعة من دخانٍ رماديّ كانت تتصاعد بلا انقطاع، وامتلأت الحديقة الكبرى الشاسعة لقصر تايلر برائحة الاحتراق الخانقة.
«سيدي الدوق… سيدتي…»
«وماذا سيحلّ بدوقية تايلور الآن؟»
«الآنسة غريس موجودة، أليس كذلك؟»
«وهل تستطيع تلك الطفلة تحمّل عبء تايلور؟ إنها مجرد طفلة مسكينة فقدت والديها…»
همسات الخدم المشوبة بالشفقة، وبكاءٌ مكبوت من مكانٍ ما كانت كلها خناجر تمزّق صدرها. كادت أنينٌ أشبه بأنين وحشٍ جريح أن يفلت من فمها. فغطّت فمها بإحكام.
لا تُصدري صوتًا. إن سمعوا بكاءكِ، فسيعرفون.
كانت جثتا والديها المتفحّمتان تمامًا ماثلتين أمام عينيها.
* * *
على أحد جوانب الحديقة الكبرى لقصر ريتشموند، انسدل الخريف على طاولةٍ أُعدّت بعناية.
كانت الطاولة، المزيّنة بقطعة مركزية من أغصان أشجارٍ متساقطة الأوراق، جميلة على نحوٍ لافت. ولم يكن هذا كل شيء؛ فالأكواب الموضوعة أمام السيدات النبيلات كانت من مقتنيات دوقات ريتشموند المتعاقبين. لم تكن المركيزة تُخرج هذه الأكواب إلا في الأيام السعيدة حقًا، ولذلك أيقنت السيدات المواليات لها أن النصر بات وشيكًا.
«أحقًا أن صاحب السمو لم يأكل شيئًا منذ يومين؟»
«يبدو أنه لا يأكل ولا ينام.»
قالت وصيفة المركيزة بصوتٍ خافتٍ حائر، فاظلم وجه فلورا.
«طبيعي… أن يكتشف أن المرأة التي ظنّها حبيبته حليفة لقتلة والديه كم لا بد أن يكون الألم عظيمًا. ربما ينبغي لي أن أذهب إليه الآن…»
«انتظري، فلورا.»
قاطعتها المركيزة بلطف وهي تضع فنجان الشاي جانبًا. وأضافت وصيفة أخرى إلى جانبها:
«الخادمات يهربن من غرفة صاحب السمو وكأنهن يفررن من طاعون. سمعتهن يتهامسن بأن الأمر مخيف. في مثل هذا الوقت، لن يكون من الخير أن تذهبي.»
«نعم، فلورا. أطيعي كلام المركيزة.»
حتى كونتيسة لوين شاركت، فخفضت فلورا نظرها وتمتمت بصوتٍ حزين:
«أنا فقط قلقة… أخشى أن ينهك جسده.»
«سموه محظوظ حقًا. فالمركيز والمركيزة لم يكتفيا بحماية ريتشموند، بل كشفا أيضًا مخطط تلك المرأة السوقية قبل وقوعه.»
«بل وأكثر من ذلك أليست الآنسة فلورا الجميلة، ذات القلب الطيب، تنتظر؟»
ابتسمت المركيزة بعينيها في مواجهة تملّق السيدات.
«لكن… هل ما زالت تلك المرأة ترفض الكلام؟»
عند سؤال فلورا الحذر، أراحت المركيزة ظهرها إلى المقعد.
مرّ يومان على حبسها في الزنزانة. ويومٌ ونصف منذ جعلوها تستنشق رائحة العصا التي تعيد أسوأ الذكريات بلا توقف. لا بد أنها تتقلّب الآن في الجحيم.
لا يمكن أن تبقى سليمة العقل. ستفتح عينيها غدًا عند الظهر، لكنها ستكون هاذية لا تعي ما تقول وسيكون مشهد المجلس الأعلى ممتعًا للغاية.
حين ابتسمت المركيزة ابتسامةً هادئة، ارتسمت على شفتي فلورا ابتسامةٌ خفية ثم اختفت.
ساد الضحك الودّي طاولة الشاي دون انقطاع.
وانتهى تجمع السيدات حين بدأ قرص الشمس، المعلّق فوق الرؤوس، يميل ببطء نحو الغرب. ومع عودة كل واحدة إلى قصرها، انسكب الظلام بشفافية ليغطي العالم.
الخادمات اللواتي دخلن لإضاءة غرفة الدوق ارتجفت أيديهن من بردٍ يخز العمود الفقري. من الدوق الجالس على الأريكة قرب النافذة انبعثت هالة يصعب وصفها بالكلمات. لم يجرؤن حتى على النظر إلى ظهره، فضلًا عن إشعال الشموع الموضوعة أمامه. حملن الأطباق والكؤوس التي لم يمسّها وفررن.
حين تلاشى أثرهن، فتح والتر عينيه.
كان القصر لا يزال في اضطراب. لا بد أن السبب هو الفشل في العثور على جيسي. لم يصله خبر من جوزيف بعد، لكنه سيعود في الوقت المناسب.
وفوق ذلك، أرسل معسكر المركيز الذي غاص في الفخ دون أن يدري إخطارًا بعقد المجلس الأعلى غدًا عند الظهر. كانوا ينوون، أمام جميع تابعي ريتشموند، إثبات ذنب غريس وتحطيم هيبة الدوق.
لم يصله خبر من إليزا بعد، لكن كل شيء كان يسير وفق الخطة. ومع ذلك، كلما مرّ الوقت، شعر وكأنه على وشك الجنون.
غريس محتجزة في زنزانة تحت الأرض. قالوا إن من يُحبس هناك ينسى أبويه وأبناءه، ويتوسّل باكيًا ليُترك حيًا، ثم يفقد عقله في النهاية.
«إن لم أستطع الصمود، فكما قلتَ… تخلَّ عني.»
فرك والتر وجهه بعنف. غاصت عيناه السوداوان بين أصابعه الطويلة، بينما كان صدره يضطرب كبحرٍ هائج.
لا سبب لهذا الاضطراب.
غريس تايلور امرأة قادرة على الصمود بل وأكثر. وحتى لو انهارت وفقدت عقلها، فذلك قد يتحوّل ورقةً بيده. في كل الأحوال، لن يخسر شيئًا.
لكن كلما اشتدّ الظلام، ازداد البحر في صدره هيجانًا.
عيناها المستديرتان بلون الخُضرة، الدفء الذي شعر به حين تلامست الأجساد، الملمس الناعم الذي استقرّ في كفّه، والابتسامة تتابعت الصور واحدة تلو الأخرى. كيف لأفعالٍ بلا معنى يُذكر أن تترك جروحًا لا تندمل؟ أمر يثير السخرية.
ثم تذكّر فجأة ذلك المشهد.
«هل تعرفين اسمي؟»
سؤالٌ يبعث على الضحك، ومع ذلك كانت قد أومأت برأسها. وتمايل شعرها الذهبي مع الحركة.
تباطأ الزمن… ثم توقّف.
حبس والتر أنفاسه وهو يحدّق في ذلك الأثر. وحين التقت عيناه بعينيها الصافيتين، نهض فجأة، وتحرك بسرعة تناقض السكون الذي ظلّ عليه كأنّه أنقاض جدارٍ منهار.
نشر المركيز جنودًا أمام الباب ليحبسه، لكن الأمر كان بلا جدوى.
سعى المركيز وزوجته المحمومان لمعرفة الممرّ السري لقصر الدوق، الموروث بين أزواج الدوقات وحدهم، لكنهما فشلا. لأن الخاتم المفتاح الوحيد للممرّات السرية ولكل أبواب القصر كان مع والتر.
دخل والتر حمّام جناحه. على الجدار فسيفساء لنسر.
فتح غطاء الخاتم في إصبعه الوسطى، ودار به ليطابق عين النسر. طَقّ. دفع الجدار بكل قوته، فانشقّ ليظهر ممرٌّ أسود. كان صوت الريح القادمة من عمقه يشبه عواء وحش.
حين أغلق الباب، صار المصباح في يده الضوء الوحيد في العالم.
طريقٌ أسود من كل الجهات، بلا بداية ولا نهاية. لا أحد يخبرك أين أنت أو إلى أين تذهب.
هاجمتْه برودة ووحدة لا يعتاد عليهما.
خطوة، خطوتان تسارعت خطواته حتى صار يعدو.
بعد ممراتٍ لا تنتهي وسلالم لا تُحصى، انكشف له قاع القصر، عميقًا كهاوية.
قالوا إن الزنازين لا تحتاج إلى حرّاس وكانوا على حق. بدا أن أنفاسه وصوت تقاطر الماء هما كل ما في هذا العالم.
أشعل المصباح من جديد، وتقدّم نحو بابٍ أسود. وكلما اقترب، فاحت رائحة تُخدّر الحواس. من لم يجرّبها لا يراها إلا «رائحة زهور»، أما من عرف حقيقتها فلا ينساها أبدًا.
كانت رائحة زهرة الكابوس التي لا تنمو إلا وراء جدار الموت، وجوهر كل ما يحدث.
بحث والتر عن مصدرها حتى رأى رمادًا أبيض في شقٍّ قرب الباب.
«…ريس…»
نسمةٌ واهنة لامست أذنه. تجمّد. انتظر، ناسيًا حتى التنفّس.
هل أخطأ السمع؟ هل هو وهم الرائحة؟ أم حلم تلاشى؟
«…آريس…»
حين سمع الصوت ثانية، فتح الباب بعجلة. اندفع إلى غريس المتكوّرة، رفعها بين ذراعيه. كانت فاقدة الوعي، جسدها باردًا على نحوٍ مقلق.
لو تُركت هكذا، لقتلتها البرودة. أسند ظهره إلى الجدار وضمّها إلى صدره.
ارتجف جسدها النحيل. رائحة الكابوس تعيد أبشع الذكريات بلا رحمة كانت تجوب الجحيم الآن. تجعّد جبينها، وعضّت شفتيها. ثم تسلّل صوتٌ واهن كهواءٍ متسرّب:
«…آريس…»
كلمةٌ مشحونة بالروح انزلقت إلى قلبه.
تحرّكت شفتاه أخيرًا، وأجاب بصوتٍ مبحوح:
«…أنا هنا.»
Sel للدعم : https://ko-fi.com/sel08 أستغفر الله العظيم واتوب اليه
التعليقات لهذا الفصل " 42"