في تلك اللحظة، ومع طرقٍ حذر، فُتح الباب ودخلت السيدة آيزاك.
حين رأت آيزاك إليزا واقفة، أدركت أن ما تراه ليس حلمًا بل واقعًا. كابدت دموعًا كادت تنفجر، واقتربت منها.
«انسحب الفرسان، وقد وفّرنا مكانًا للمبيت لخادمة الآنسة تايلور.»
همّت إليزا أن تقول شيئًا ثم توقّفت، واكتفت بمراقبة خادمتها بصمت.
«ما الأمر؟»
عند سؤال آيزاك، سألت إليزا بصوتٍ خافتٍ مكبوت:
«أما كنتِ ترتدين دائمًا أقراط اللؤلؤ والعقد اللؤلؤي اللذين وهبتُكِ إيّاهما؟ كيف جئتِ اليوم بلا أيّ حُليّ، كأنك عارية اليدين؟»
احمرّت عينا آيزاك، ولمّا لم تستطع حبس دموعها، انحدرت على ذقنها وهي تجثو أمام سيدتها.
«سيدتي الكبرى… كيف لي أن أرتدي أقراط اللؤلؤ والعقد، وسيدتي نفسها لا تتزيّن بشيء؟»
ارتسمت تجاعيد يابسة على عنق إليزا. ابتلعت بصعوبة ما كان يتصاعد في صدرها من حرارة. ثم باغتها النعاس فجأة.
ما قيمة الجواهر، والمجد، والعائلة؟ ماذا ينفع حكم العالم، إذا كان العالم نفسه قد تلاشى؟
«جدّتي!»
لعلّ زمنها توقّف عند تلك اللحظة تحديدًا، كي تتمكّن من الاحتفاظ بذلك الصوت على الأقل.
وبينما كان الزمن الذي بالكاد يسير يتباطأ مجددًا، لمعت في ذهنها فجأة عينان خضراوان حادّتان.
«أيعني أن شرف تايلور سيُصان إذا عشتُ خانعة زوجةً لساكسن، قاتل والديّ؟»
قرأت إليزا في عيني غريس مقاومةً عارمة. رأت نارًا مكتومة بعناية، وشعرت بمرارة من فقد العالم.
كانت مرارة غريس هي ما أيقظ زمن إليزا الذي كان قد جثم وسقط.
«ألم أقل لكِ؟ سأعود حيًّا لا محالة وأُعيد كل شيء، فانتظري ولا تموتي.»
غضب والتر جذب زمن إليزا بعنف ودفعه إلى الأمام.
نظرت إليزا إلى خارج النافذة. كان الفرسان لا يزالون يفتّشون هنا وهناك بحثًا عن جيسي.
«لم أكن سوى مرهَقة فأغمضتُ عيني قليلًا.»
بعد صمتٍ طويل، فتحت إليزا فمها أخيرًا.
«أروِين.»
«نعم، سيدتي الكبرى.»
«أحضري إليّ خادمة غريس تايلور، واستقصي ما يجري في قلعة ريتشموند.»
كاد قلب آيزاك ينفجر فرحًا. لقد حانت اللحظة التي طالما انتظرتها وتمنّتها.
إليزا ريتشموند. سيّدة هذه القلعة تستعد أخيرًا للاستيقاظ من سباتها.
مسحت آيزاك دموعها وأجابت بصوتٍ ثابت:
«أمركِ.»
* * *
في ظهر اليوم التالي.
انفجر مركيز لينكو غضبًا في وجه الكونت لوين، الذي عاد خالي الوفاض.
«فتّشتم حتى ملحق إليزا ريتشموند ولم تجدوه؟! لم يخرج جرذٌ واحد من القلعة! لا بدّ أنه ما زال هنا!!»
«أعتذر…»
انحنى الكونت لوين مرارًا معتذرًا، لكن المركيز صبّ عليه غضبه الممزوج بالقلق. قال الكونت إن السيدة الكبرى نهضت وأعاقت التفتيش، وإن الملحق ما زال موضع شك، لكن ذلك لم يزد المركيز إلا غضبًا.
«أتتذرّع بعجوزٍ مختلّة؟!»
«…أعتذر.»
«ابحث!!»
ما إن غادر الكونت مسرعًا حتى نقرَت المركيزة بلسانها بازدراء.
«فضيلة تلك العائلة لا تتجاوز مظهرًا لائقًا وطموحًا تافهًا.»
شرب المركيز النبيذ كالماء ومسح شاربه وشفتيه بمنديل، ثم قال بعد أن هدأ قليلًا:
«وماذا عن عشيقة الدوق؟ هل فتحت فمها؟»
لمّا لم تُجب، التفت إليها عابسًا.
«حتى أنتِ لم تنجحي؟»
«اصبر. هذا غير البحث عن جرذ. تلك الزنزانة تُجنّن الناس ببطء.»
«لا أريد ببطء. أريدها مجنونة الآن. هذه حرب، ويجب أن ننتصر خلال أيام.»
كان صمت والتر يقلقه. هزّت المركيزة رأسها، لكن في كلامه بعض الحق. الحرب الطويلة تضرّ الطرفين. الوقت لهجومٍ سريع ودقيق.
اقتربت منه وهمست:
«حسنًا. سأجعلها تنهار اليوم. لكن هذا وحده لا يكفي. هل أعددتَ الشخص الذي طلبتُه؟»
«وجدتُ من تنطبق عليه الشروط عند الفجر. نحن نتفاوض الآن.»
«أحسنت. وبالمناسبة، لا داعي للمساس بالملحق. دعوا العجوز المختلّة تنام.»
ثم توقّفت وسألته:
«أين وصل ابننا؟ أليس موعد وصوله قريبًا؟ أردتُ إقامة حفل استقبال، لكن ذلك صعب الآن… على الأقل لنُحضّر الطعام.»
«قالوا إنه سيصل خلال يومين. يبدو أن أمرًا ما حدث في زفاف الآنسة تايلر.»
«لا يوم بلا رياح. عائلة تايلور انتهت يوم قُتل الدوق السابق وزوجته. تقول الإمبراطورة ونبلاء العاصمة إنهم ‘خزنة’. والدوق الحالي وزوجته لا يدركان ذلك، ومع ذلك يتباهيان.»
تمتمت بأن من يطمع أكثر من حقّه ينتهي هكذا، وغادرت.
توجّهت إلى الغرفة الزرقاء، المكدّسة بكنوز ريتشموند. أخرجت صندوقًا أسود بطول كفّين، وحملت فروًا ونزلت مباشرةً إلى القبو.
ما إن دخلت القبو، حيث يختفي الحدّ بين الليل والنهار، حتى صار الفصل شتاءً. لفّت نفسها بالفرو حين هاجمها بردٌ ينفذ إلى العظام.
ومع ذلك، كان هذا البرد لا يُقارن بزنزانة غريس. تلك كانت في أعمق نقطة في ريتشموند، ولم يخرج منها أحد عاقلًا قط.
«هل قالت إنها ستعترف؟»
هزّ الجندي الحارس رأسه.
«لا تبكي حتى.»
«عنيدة.»
رفضت المركيزة المرافقة ونزلت وحدها. ومع كل درجة، اشتدّ الشتاء. بردٌ رطب اخترق الفرو كالسكاكين.
توقّفت أمام بابٍ أسود، وفتحت النافذة الصغيرة في أعلاه. حين قرّبت المشعل، بان الداخل خافتًا: امرأة بثوبٍ كريميّ، مغمضة العينين، متكئة على الجدار.
ضيّقت المركيزة عينيها. عادةً، يكفي يوم واحد ليبكوا ويتوسّلوا، لكن تلك المرأة بدت سليمة تمامًا. رغبت في تعذيبها، لكن كونها امرأةً جاء بها الدوق منعها من ترك آثار.
«أمسكنا بالخادمة التي جئتِ بها، ونستجوبها. الاعتراف بأنكنّ من (غير المرئيين)… أظن أن ساعةً تكفي.»
لم تتحرّك غريس. فصاحت المركيزة غاضبة:
«أيتها الوغدة!! سينكشف مخطّطكم قريبًا!! وحين ينكشف، أتدرين ما ينتظرك؟ عقوباتٌ وحشية. وحتى الدوق لن يحميك. هذه الزنزانة لا شيء.»
التصقت بالباب وهمست بوصف العذاب.
«اعترفي. حمّلي الخادمة كل الذنب، وقولي إنك أُكرهتِ. عندها أُبقي على حياتك.»
آنذاك فقط فتحت غريس عينيها ببطء. ارتفعت زاوية فم المركيزة.
رأت غريس في عينيها المنحنِيَتين ما يشبه عيون الشياطين في الكتب المقدّسة، وقالت ببطء:
«قلتُ لكِ. أنا وجيسي لا يمكن أن نكون من (غير المرئيين).»
اعتدل بصر المركيزة ثم امتلأ غضبًا، لكنها سرعان ما ابتسمت ثانيةً ببرود.
«يبدو أن وقت التفكير لم يكن كافيًا.»
فتحت الصندوق الأسود. بداخله قضيبٌ سميك. أشعلته وغرزته في شقٍّ قريب من الباب، فتصاعد دخانٌ أبيض كثيف.
التعليقات لهذا الفصل " 41"