هبّت ريحٌ كئيبة. ريحٌ جافة قارسة إلى حدٍّ توقّفت معه الحركة. نسي الفرسان المضطربون حتى كيف يتنفّسون. أرادوا أن يتجاهلوا الأمر، لكن هيبةً لا يمكن تجاهلها قبضت على رؤوسهم وأدارتها قسرًا.
«!»
كان هناك شخصٌ يقف على بسطة السلم، كأنما انبثق من العدم.
تحت ضوء القمر المتسلّل من نافذةٍ قوسيّة كبيرة، وقفت امرأةٌ تَحجب ضياءه بجسدها، تحدّق في الفرسان من علٍ.
قالت ثانيةً:
«أيها الأوغاد.»
كان الصوت متجمّدًا كطبقاتٍ لا تُحصى من الثلج الأبدي، تراكمت فيها المشاعر حتى تصلّبت.
«سيدتي الكبرى!» م.م: ناااضت 😭😭😭🔥
اندفعت السيدة آيزاك، التي كانت تحدّق شاردة، تشقّ صفوف الفرسان.
ضيّقت إليزا عينيها وهي تنظر إلى خادمتها الخادمة الوحيدة التي ظلّت إلى جانبها حتى النهاية. لم تكن على الهيئة التي اعتادتها. الشعر الذي كان مرفوعًا بعنايةٍ تَبعثر، والوجه الذي كان نضرًا كالزهرة ذبل وفقد حيويته.
للمرّة الأولى، واجهت إليزا حقًا هيئة خادمتها التي بقيت معها حتى النهاية.
خفق قلبها كأنه يهبط إلى القاع. بدأ الدم الراكد المتعفّن يسري ببطء، وانقشعت الغشاوة التي كانت تحجب بصرها.
أبوابٌ مكسورة فاغرة أفواهها، والباب الرئيسي مفتوح على مصراعيه يتسرّب منه هواءٌ بارد بلا انقطاع. مشاعل خشنة تنفث سخامًا أسود يصبغ السقف، وأيدٍ تمسك سيوفًا زرقاء وهراوات تملأ الممر.
انفجرت ضحكة ساخرة.
ارتعدت فرائص المتسلّلين إلى ملحقها دون إذن. وبعد ضحكٍ طويلٍ كئيب، سألت إليزا بكسلٍ متعمّد:
«أالدوق هو من أمركم؟»
ابتلع الكونت لوين ريقه، واستجمع شتاته سريعًا.
«سيدتي الكبرى! ليس هذا وقت»
«سألتُ إن كان الدوق قد أمركم.»
قطعت إليزا تبرير الكونت قطعًا، ثم ركّزت بصرها عليه.
«سيدتي الكبرى، القلعة الآن»
«أتعجز عن الإجابة؟!»
تحوّل الصوت الكسول إلى نصلٍ حادّ شطر كلام الكونت. نزلت إليزا الدرج درجةً درجة، تضغط عليه كأنها تتقيّأ دمًا متكدّسًا.
«من الذي أمر بتفتيش مساحة إليزا ريتشموند، متجاهلًا إذني، ومستخفًّا بتحذير خادمتي؟!»
تحت صرختها، انحنى الفرسان وتراجعوا. حتى من كانوا يرفعون قضبانًا حديدية لكسر الأبواب أسقطوها مذعورين.
شقّت إليزا الطريق الذي فتحه تراجعهم، واقتربت من الكونت لوين. كانت راحته قد ابتلّت بالعرق.
قالوا إنها فقدت عقلها، وإن الموت وشيك. صمتت حين طُردت خادماتها، ولم تُبدِ ردّة فعل حين سُلبت غرفها الفاخرة. صارت كنوزها من نصيب مركيزة لينكو، وكأن قلعة ريتشموند لم تعد لها.
لكن حضور العجوز التي ظنّوها ميّتة خنق عنق قائد الفرسان القوي.
توقّفت إليزا على بُعد خطوة منه وقالت:
«هل كان تصرّفك منفردًا، أيها الكونت لوين؟»
«……»
رمقته بنظرةٍ حادّة وأمرت:
«اخرج.»
شحبت ملامحه. لم يعد يستطيع التراجع؛ لقد تجاوز الخطّ بالفعل. قبض على قبضته بقوة.
«لا أستطيع المغادرة قبل تفتيش تلك الغرفة، سيدتي الكبرى.»
«ماذا قلت؟»
«يبدو أن (غير المرئيين) الذين اغتالوا الدوق السابق قد تسلّلوا إلى القلعة. يجب فتح ذلك الباب والتحقّق، سيدتي!»
اشتعل الغضب في عيني إليزا.
«حقًا؟»
«……»
«أولئك الذين قتلوا أولادي… أولئك الذين لا يكفي تمزيقهم إرضاءً… دخلوا قلعتـي؟»
استدارت إليزا بعنف وتقدّمت نحو الباب الذي كاد يُفتح. ثم أمرت الفرسان حاملي القضبان:
«افتحوه. سأتحقّق بنفسي.»
تبادل الفرسان النظرات، فصرخت إليزا:
«ألا تفتحونه حالًا؟!»
في النهاية، فتح أحدهم الباب دفعًا. مدت إليزا يدها إلى حامل المشعل.
«سيدتي، دعيني»
«اصمت!»
انتزعت المشعل منه انتزاعًا. حاولت السيدة آيزاك أخذه منها، لكن إليزا رفضت، وراحت تفتّش الغرفة بنفسها. لم يستطع أحدلا الفرسان ولا الكونت إلا التحديق مذهولًا.
كان في العجوز مسٌّ من الجنون.
فتّشت بجنون، ثم مزّقت الستارة الثقيلة، فتوقّفت فجأة. خلف النافذة مشهدٌ مضطرب. سلّمت المشعل للسيدة آيزاك ببطء، ثم استدارت.
وقد اتّخذت هيئةَ ملاك موتٍ خرج من الجحيم، تحت ضوءٍ أحمر قانٍ. تراجع بعض الفرسان لا إراديًا، وسألت إليزا بهدوء:
«أنفتّش أكثر؟»
لم يجرؤ الكونت لوين على القول نعم. حدّقت به.
«أرون، هل في مساحتي أولئك الأوباش؟»
هزّت السيدة آيزاك رأسها بخفّة.
«لا.»
«حسنًا، لم يبقَ سوى غرفة نومي. من يجرؤ على تفتيشها؟»
«……»
لم يتقدّم أحد.
حتى إمبراطور ديكان لن يأمر بسهولة بتفتيش مخدعها.
وسط صمتٍ حادّ، تقدّمت إليزا ببطء. تراجع الفرسان وانحنوا جميعًا. توقّفت أمام الكونت لوين وقالت:
«إن وجدتم من قتل أولادي، فأتوني بهم. سأحرقهم حتى آخر شعرة.»
«……»
«انسحب، لوين.»
في أعماق عينيها الموجّهتين إليه، تلاطم لهيبٌ حار.
* * *
بعد مغادرة غريس ووالتر، لم تستطع إليزا النوم. كان الأرق مزعجًا. وكادت تغفو حين تعالى صراخ خادمة.
«توقّفوا!! هنا تقيم السيدة الكبرى!»
نزلت الدرج بحالٍ من التثاقل. كان فرسانٌ يحملون شعار ريتشموند يملأون الممر. كمن خرج لتوّه من ماءٍ بارد، استفاقت تمامًا. ثم، حين رأت خادمتها الهرِمة، مرّت عشرة أعوام كوميضٍ أمام عينيها.
وقفت إليزا عند نافذة المخدع، تراقب ابتعاد الفرسان. ومع ابتعاد المشاعل، انعكس وجهها على الزجاج المعتم.
كان هناك شيخٌ واهن.
بدت لها هيئة العجوز ذات الشعر الفضيّ المبعثر غريبة. وبينما تحدّق في نفسها، استعادَت ماضيًا بدا كأنه حدث بالأمس.
كان شعرها الأسود اللامع مفخرةً لها، تصقله الخادمات. حين كان والد الإمبراطور حيًا، احتكرت حبّه وحكمت القصر. وحين صارت دوقة ريتشموند، سيطرت على صالونات الشمال الغربي والعاصمة معًا. كان المقعد الأعلى لها دائمًا، وكانت تجوب الدنيا بموكبٍ من الخادمات.
نظرت إليزا إلى يديها. اعتادت يدًا مرتّبة تتلألأ بخاتمٍ مرصّع، لكن ما رأتْه الآن يدٌ يابسة كغصنٍ ميت.
كيف آلت ملكة ريتشموند، التي حافظت على وقارها حتى أمام زوجها وأبنائها، إلى هذا الحال؟
تذكّرت توبيخ والتر الحادّ، فانفجرت ضحكة قصيرة.
«قلة الأدب… لم تتغيّر منذ صغرك وحتى الآن.» م.م: الحمد لله ناضت 😭😭🫡
Sel للدعم : https://ko-fi.com/sel08 أستغفر الله العظيم واتوب اليه
التعليقات لهذا الفصل " 40"