«أيتها الحقيرة! أليست تلك الخادمة التي تصطحبينها من نسل الشياطين؟! ألم تتآمري مع زمرةٍ آثمة لتغشي بصيرة سموّه، ثم تحاولي الاستيلاء على ريتشموند؟! لذلك ما إن وصلتِ حتى روّعتِ الخادمات، وجعلتهن واجهةً لكِ لتجسّسي على شؤون ريتشموند الداخلية، أليس كذلك؟!»
«لا. أنا وخادمتي لا يمكن أن نكون من “غير المرئيين”.»
عندها صاحت فلورا:
«بعد أن قتلتِ خادمتيّ، هذا كل ما لديكِ لتقوليه؟! وكيف ستثبتين أنكِ لستِ من غير المرئيين؟!»
أفلتت المركيزة ذقن غريس كمن ينفض الغبار، ونهضت من مكانها.
«صاحبة الجلالة الإمبراطورة هِتفي، القائمة بالوصاية، اعترفت رسميًا بوجود “غير المرئيين” واعتبرتهم خونة. قبل أكثر من عشرة أعوام، اغتالوا صاحب السمو الأمير آريس وليّ العهد، واغتالوا الدوق والدوقة السابقين لريتشموند، وكذلك الدوق والدوقة السابقين لتايلر.»
غاصت عينا غريس في عمقٍ مظلم. وبصوتٍ محكمٍ كأنه يُسحق بين الأسنان، قالت:
«لا يمكن أن أكون من قتلة سمو الأمير آريس، ولا من قتلة الدوق والدوقة السابقين لريتشموند، ولا من قتلة الدوق والدوقة السابقين لتايلور.»
تنهدت المركيزة تنهيدةً ثقيلة، وهزّت رأسها.
«يبدو أنه لا سبيل لديكِ للإثبات سوى كلماتٍ فارغة.»
«احبسوها في الزنزانة الانفرادية. واعثروا على الخادمة التي جاءت معها.»
«أمرُكِ، سيدتي المركيزة.»
رفعت الخادمات غريس بعنف، واقتدنها عبر ممرّ من بين الممرات العديدة المتصلة بالقاعة، ممرّ بدا أكثرها ظلمة. نزلن بها سلالم حجرية زلِقة غطّتها الطحالب، نزولًا بعد نزول، حتى ظهر بابٌ أسود.
فتح الفارس المرافق الباب، فاندفع هواء أشدّ برودةً ورطوبةً مما سبق. ترددت غريس لا إراديًا، فدفعَتها خادمة بقسوة من ظهرها. غرفة سوداء لا يصلها أدنى ضوء، لا يُعرف لها عرض ولا عمق.
أُغلق الباب بقعقعة. وحين استدارت، لم تعد ترى الباب وقد ابتلعه الظلام. لم يبقَ سوى شقٍّ ضيّق بعرض كف، يتراقص فيه ضوء شمعةٍ خافت. ومن ذلك الشقّ تسلّل صوتٌ بارد:
«لم يخرج أحد من تلك الغرفة بعقلٍ سليم. ثلاثة أيام فقط، ويهذي المرء ويعترف بكل شيء.»
«كان عليكِ ألا تطمعي أكثر من اللازم. من يطمع بما يفوق قدره، يكون هذا مصيره.»
أطلقت الخادمات كلماتٍ ساخرة، ثم ابتعدن.
تلاشى صوت الأحذية وهي تصعد السلالم الرطبة. وحتى الضوء الخافت الذي كان، كنجمة القطب، يهدي الطريق، اختفى. حلّ ظلامٌ كامل.
تحولت الزنزانة، بلا ضوء ولا صوت، إلى هوّةٍ سحيقة.
تحطّم الزمان والمكان، وتلاشى الحدّ بين السماء والأرض.
استنشقت غريس نفسًا عميقًا، ثم أخرجته ببطء، وجلست على الأرض. وحين أخذ جسدها يرتجف ودقّ قلبها بعنف، أغمضت عينيها واستحضرت كلمات معلّمها بكل ما أوتيت من قوة:
«الفريسة التي تنوين الإمساك بها أكبر منكِ حجمًا. عليكِ أن تكوني مستعدةً دائمًا للتضحية بذراعٍ أو اثنتين.»
وفي الوقت نفسه، بدا كأن صوتًا منخفضًا باردًا يتردّد:
«إذن اصمدي، غريس تايلور.»
وعلى نحوٍ غريب، هدأ اضطراب صدرها أكثر مع ذلك الصوت البارد، لا مع صوت المعلّم.
ذلك اليوم الذي اختبرت فيه الهاوية لأول مرة، حين وقفت أمام جثتي والديها المتفحّمتين. يوم تشبّثت بوهم فتى لا تعرف له وجهًا وصمدت. فما هذا إلا لا شيء.
«اصمدي.»
شدّت غريس عضلات بطنها وعضّت على أسنانها.
* * *
كانت قلعة دوق ريتشموند كخلية نحلٍ نُكئت بعصا.
«فتّشوا!!»
تحرّك فرسان وجنود الكونت لوين بانضباطٍ محكم، من أطراف الحديقة المعزولة إلى داخل المباني، بحثًا عن شخصٍ ما.
شقّ والتر الحديقة الخلفية كمن يعاكس تيارًا جارفًا. وما إن رآه الجنود الذين كانوا يقلبون الشجيرات حتى انتصبوا في وضعية الانتباه. مرّ الدوق من دون اكتراث. وحين مرّت الريح التي أثارها، رفع الجنود رؤوسهم خلسةً يتطلعون إليه.
كان الرجل، كجدارٍ أسود أو ظلٍّ هائل، يبتعد بخطواتٍ لا بطيئة ولا سريعة. لمحة وجهه العابرة كانت محايدة إلى حدّ يستحيل معه تقدير مشاعره.
رمش أحد الجنود بقلق وهمس:
«هذا… بأمر سموّه، أليس كذلك؟»
«لا أدري… أظنه أمر المركيز……»
كان جوزيف، الذي يتبع والتر، يعضّ على أضراسه ويحدّق بعينين متّقدتين. كأن حممًا ابتلعها؛ من حلقه إلى قلبه لم يكن في جسده موضعٌ غير ملتهب.
غير أن تفتيش الحديقة لم يكن إلا أمرًا هيّنًا. حين بلغوا الممر المؤدي إلى غرفة الثريّا، أطلق جوزيف ضحكةً ساخرة. فرسان يحملون شعار ريتشموند على صدورهم كانوا يقتحمون غرفة الثريّا ويمارسون العنف من دون أمر دوق ريتشموند.
لقد عضّ الكلب يدَ صاحبه.
اقترب والتر من غرفة الثريّا بصمتٍ يشبه زحف الظلام. أحسّ الفرسان الحارسون بالخارج بوجوده فسارعوا إلى التحية، لكنه لم يردّ.
كان الداخل مبعثرًا كأن لصًا اجتاح المكان. نهض الذين كانوا يفتشون أمتعة غريس الملقاة على الأرض، ووقفوا باستقامة.
من دون أن يُظهر عاطفة، أشار والتر إلى أعلى رتبة بينهم وأمر:
«قُدني إلى حيث وُضعت جثتا الخادمتين.»
قادوه إلى مشرحةٍ تحت الأرض. كان نبلاء، استُدعوا بأمر المركيز، قد سبقوا إليه.
تحلّقوا حول جثتين موضوعتين على منصة حجرية مستطيلة. بعضهم وقف بعيدًا يتهامس، وبعضهم تفحّص الجثتين عن قرب، وآخرون سدّوا أنوفهم بمنديل وبدت على وجوههم علامات الاشمئزاز.
ما إن دخل والتر حتى تراجع النبلاء خطوتين وانحنوا. وكان المركيز يقف عند رأس الجثتين، فأسرع نحوه بوجهٍ قَلِق.
«سموّك! هل أنت بخير؟»
توقّف والتر، واكتفى بتدوير عينيه لينظر إليه من علٍ.
«لا بد أنك فُجعت كثيرًا. لا تقلق بعد الآن، سموّك.»
يا للمفارقة الكلب الذي عضّ صاحبه يقلق عليه!
تجاوز والتر المركيز واقترب من الجثتين. لحقه المركيز مسرعًا وهو يتكلم:
«لا بد أن هاتين المسكينتين كانتا في رعبٍ شديد حتى تركتا وصيةً وانتحرتا……»
طال صوته، لأن والتر بدأ يفحص الجثتين بنفسه. اقترب جوزيف بدوره. كانت نظراتهما باردة إلى حدٍّ لم يجرؤ معه أحد على الاعتراض.
حينها سأل والتر، وهو يحدّق في عنق إحدى الجثتين:
«انتحرتا؟»
«نعم. حين عثر عليهما الجنود، كانتا كلتاهما مشنوقتين.»
أجاب أحد الفرسان، فرفع جوزيف رأسه وقال فورًا:
«لم تنتحرا.»
قطّب المركيز حاجبيه بعنف.
«خمسة جنود شهدوا أنهما وُجدتا مشنوقتين!»
ردّ والتر ببرود:
«لم تشنقا نفسيهما. قُتلتا خنقًا. هناك آثارٌ واضحة على العنق تميّز المختنَقين. استدعوا طبيبًا شرعيًا مختصًا لتحديد سبب الوفاة بدقة.»
«……»
سكت المركيز لحظة. شعر بوضوح بنظرات النبلاء تتدفّق على ظهره. هذا جمعٌ يضمّ كل النبلاء تقريبًا، باستثناء بيوت الفرسان الموالين قطعًا للدوق، ومن بينهم معتدلون قد ينحازون إليه في أي وقت. شدّ المركيز عنقه وأظهر حزنًا مصطنعًا.
«سموّك. عاطفة الشباب أشبه بلهيبٍ جميلٍ متألّق، لكنه يخبو في غمضة عين.»
كانت عينا والتر السوداوان كليلٍ يخترق نظرات المركيز. انقبض قلبه غريزيًا، لكنه صمد ورفع صوته ليسمع الجميع:
«هاتان الخادمتان زعمتا أن خادمةً جاءت مع حبيبة سموّك من “غير المرئيين”!»
في اللحظة ذاتها، اضطرب النبلاء.
«غير المرئيين؟»
«أعادوا الظهور؟!»
تابع المركيز، وقد شعر بالتيار يميل إليه:
«الأهم من سبب وفاة الخادمتين هو أن هذه الحوادث وقعت فور وصول حبيبة سموّك إلى القلعة، وأن هناك احتمالًا لتورّطها في هذه الوفيات. حان الوقت لإقصاء العاطفة والنظر إلى الوقائع بوضوح!»
راقب والتر النبلاء المضطربين، ثم مرّر يده على وجهه ببطء. حركةٌ خفيفة، لكنها أسكتت الأصوات واحدًا تلو الآخر.
كان الدوق كبحرٍ أسود لا يُقاس عمقه. مجرّد النظر إليه يبعث خوفًا خطرًا.
«غير المرئيين؟»
«هكذا ورد في وصايا الخادمتين. أولئك الذين اغتالوا قبل أكثر من عشرة أعوام الأمير آريس وليّ العهد، والدوق والدوقة السابقين لتايلر، وكذلك والدي سموّك، ثم اختفوا!»
«غريس منهم؟»
«للأسف، يجب الاستعداد لهذا الاحتمال، سموّك.»
قال مركيز لينكو بنبرة فارسٍ وفيّ.
سكن صمتٌ شوكيّ وخز أعناق الجميع. وبعد طول تريّث، أغمض والتر عينيه وأصدر أمره:
«أوقفوا استجواب غريس وتفتيشها. واعثروا على كل من كان آخر من خالط الخادمتين قبل موتهما، واجمعوا التفاصيل كاملة.»
Sel للدعم : https://ko-fi.com/sel08 أستغفر الله العظيم واتوب اليه
التعليقات لهذا الفصل " 38"