ابتعد جوزيف خطوةً خطوةً عن والتر وهو يسير. من الخارج قد لا يبدو الأمر مختلفًا، لكن جوزيف الذي عاش معه وشاركه كل شيء كان يدرك بحسٍّ حاد أن مزاج والتر في الحضيض. بل ليس منخفضًا فحسب، وإنما في غاية السوء.
وبجوار والتر كانَت غريس.
فتاة صغيرة لا تصل، مقارنةً بجسده المتين، إلا إلى مستوى صدره تقريبًا. ومع ذلك، أدرك جوزيف أن ميزان القوة بين هذين الاثنين كان، في هذه اللحظة تحديدًا، يميل لصالح غريس.
أي أن الأمر…
«ذئب ينساق ملفوفًا بذيل ثعلب…»
تمتم بها دون وعي. فاستدار والتر فورًا نحوه بنظرة متجهمة. عندها تعمّد جوزيف أن يوسّع عينيه ويهز رأسه.
«لم أقل شيئًا؟»
في الواقع، كما حدس جوزيف، لم يكن والتر في مزاج جيد على الإطلاق. ومع ذلك، ها هو يتحرك ويواصل السير مدفوعًا بكلمات غريس الهادئة الرتيبة، رغم أنها لا تبلغ نصف قامته. لذا فتشبيه «ذئب ينساق بذيل ثعلب» لم يكن خاطئًا تمامًا.
لكن انزعاج والتر لم يكن سببه الوحيد عجزه عن دحض كلامها.
فهو أيضًا شخصٌ انتظر واستعدّ لأكثر من عشر سنوات. كان يمتلك فرسانًا صاروا الأقوى في الإمبراطورية، ولن تتمكن سيوف ريتشموند الصدئة من إيقافهم. وحين يستعيد ريتشموند على هذا النحو، كان ينوي أن يعيد القلعة بأكملها إلى حضن إليزا.
طبعًا، إليزا في خطته لم تنهض في النهاية، ولم تواجهه وجهًا لوجه. كانت، بعد أن تحدد وريثًا بصعوبة، ستغفو أخيرًا في رقادها الأبدي.
آخر ما خطط له والتر كنوع من الوفاء لإليزا، كان أن يُدفن حفيدها إلى جوارها.
لكن إليزا في خطة غريس… كانت مختلفة.
في تصور غريس، كانت إليزا ملكةً كما كانت في الماضي، المرأة التي حكمت ريتشموند بقبضةٍ لا تُرد.
ألم يتخيل والتر هذا المشهد يومًا؟
خلال السنوات الثلاث التي قضاها معها، حافظت إليزا على هيبة الملكة حتى وهي مقيمة في الملحق. رآها تبكي خفيةً مرةً أو مرتين، لكن حتى ذلك لم يُفقدها اتزانها. هي من علّمته سرًا، وهي من أخبرته أنه يجب أن يذهب إلى «جدار الموت» ليكسب الفرسان إلى جانبه.
— «بما أنك نجوتَ بثمن حياة ابني وكنّتي وحفيدي، فلا يحق لك أن تموت أبدًا، يا صاحب السمو. عش مهما كلّف الأمر، واكتسب القوة، واصعد إلى العرش الإمبراطوري متحدّيًا الجميع.»
قالت ذلك بصوتٍ بارد كالجليد.
لكن خلال السنوات الطويلة التي قضاها والتر متنقلًا عند جدار الموت، لم تُجب إليزا نداءه مرة واحدة. قالت إنها لن تخرج من الملحق، وإنه حتى لو بُترت أطرافها فلن تدري. وهكذا انهارت وحدها، بينما هو نجا واكتسب القوة بأي وسيلة.
هل من الممكن أن تعود إليزا ريتشموند إلى ما كانت عليه؟
ولو حدث ذلك… فهل سيتمكن أخيرًا من نزع هذا القيد الخانق من الذنب الذي يضغط على كتفيه وكأنه يحمل العالم بأسره؟
وبينما كان غارقًا في أفكاره، وجد نفسه وقد بلغ الملحق.
كما لو أنهم كانوا بانتظاره، فُتح الباب، وظهرت السيدة إيزاك وانحنت باحترام.
لم ينتظر والتر إرشادها، بل اندفع إلى الداخل بخطوات واسعة.
«جوزيف، تأكّد أن لا أحد يتنصّت.»
«نعم، سموّك!»
كان هواء الداخل أبرد من الخارج، فتسلل بردٌ لاذع إلى جسده. بخلاف ممر الأمس الذي حجبت عينيه عتمة الغسق، بدا ممر اليوم قاحلًا إلى حدٍّ موحش.
لا زينة، ولا حتى لوحة واحدة لائقة معلّقة على الجدران.
لم يستطع والتر كبح ضحكته.
لو كان ضحك إليزا أشبه بدمٍ أسود راكد في أمعاء يابسة، فإن ضحك والتر كان كدمٍ أحمر قانٍ يندفع من قلبٍ نابض.
— «سأعود حيًّا وأعيد لك الاسم، فلا تموتي وانتظريني.»
كان قد قال لها ذلك يوم غادر إلى جدار الموت.
كانت بصيرة غريس دقيقة؛ فلوالتر بالفعل هدفٌ واضح قادر على إيقاظ إليزا. والسبب الذي جعلها، رغم مظهرها القريب من الموت، تبقى حيّة حتى اليوم… كان هو.
غلى صدره غليانًا. حفيدها الذي كانت تعتز به قد مات منذ زمن، ومع ذلك ظلّت تتعفن عشر سنوات وهي تنتظر رفاتًا لا تحمل سوى اسمٍ أجوف وثروة جوفاء. كم كان ذلك حماقة.
— «لا يجوز لكِ الاستسلام أبدًا، أبدًا، أبدًا.»
قالت ذلك وكأنها ستلاحقه إلى أقاصي الجحيم لتقتله إن استسلم، ثم ها هي اليوم في هذا الحال.
— «أخي! آه، لا… أقصد سموّ ولي العهد!»
من قتل ذلك الطفل؟
بانغ!!
«سموّك!»
انفتح الباب بعنف دون طرق، فصرخت السيدة إيزاك وهرعت، لكن والتر لم يتوقف.
الغرفة الوحيدة الدافئة في هذا الملحق البائس. بجوار إليزا المستلقية كأنها جثة، وُضع طبق حساء لم يُمسّ.
نظر والتر إليها نظرة ساخرة وجلس على حافة سريرها.
«سـ…!»
كادت إيزاك تصرخ باسمه، لكن غريس أمسكت بذراعها. التفتت إيزاك مصدومة، فتجمّدت في مكانها. فقد كان وجه غريس وهي تراقب المواجهة بين والتر والدوقة الكبرى صارمًا كقائد جيش.
ثم انساب صوت جعل القشعريرة تسري في الظهور.
«ما هذه الوقاحة؟»
مال والتر برأسه وهو يواجه عيني إليزا السوداوين.
«على الأقل أنتِ مستيقظة اليوم.»
«ماذا؟»
«ألم أقل لكِ؟ سأعود حيًّا وأعيد لكِ كل شيء، فانتظري ولا تموتي.»
«ألا تراني حيّة؟»
«آه، أنتِ حيّة إذًا؟»
«……»
«بهذا الشكل؟ كمتسوّلةٍ في قبر.»
كل كلمة كانت تحمل إبرةً جليدية.
متسوّلة. قبر.
من تجرأ يومًا على نطق هذه الكلمات في وجه إليزا ريتشموند؟ فقدت إيزاك وعيها من هول المشهد.
كانا حفيدةً وجدًّا، لكنهما لم يتوافقا يومًا. كلاهما حادّ الطبع كسنان الرمح، فلم يُحبّ أحدهما الآخر أصلًا. غير أن والتر كان صغيرًا حينها، وكان يخفي طبيعته، لذا لم يحدث مشهد كهذا من قبل.
لكن الرجل الذي عاد… كان مختلفًا.
«هل تُسمّى هذه حياة؟ أن تبقي تتنفسين دون أن تدري إن كانت أطرافك قد بُترت كلها، يا جدّتي؟»
حدّقت إليزا فيه طويلًا، ثم انفجرت ضاحكة. ضحكتها الداكنة الثقيلة جعلت إيزاك وغريس تحبسان أنفاسهما، لكن والتر ردّ بابتسامة ساخرة مماثلة.
وبعد أن ضحكت طويلًا، نهضت إليزا ببطء. بين خصلات شعرها الفضي، لمعت عيناها بلون عيني والتر ذاته.
«وهل هذا ما تفعله أنتَ بعدما طلبتُ منك أن تنجو وتجمع القوة؟ تجلب امرأة غير متزوجة وتقلب القلعة رأسًا على عقب؟»
كان واضحًا أنهما من دمٍ واحد؛ في الملامح، وحتى في نبرة الكلام.
«حين لا سبيل لمعرفة أين بدأ الفساد وأين انتهى، لا يبقى إلا قلب كل شيء رأسًا على عقب.»
«حتى ذلك يجب أن يتم بكرامة وبما يليق! لا بهذه الأفعال القذرة التي ستُخلَّد كوصمة!»
«الكرامة؟ آه، لهذا اعتزلتِ هكذا؟ خوفًا من فتح الغطاء ورؤية القذارة المتعفنة في ريتشموند؟»
انبهرَت إيزاك وغريس بفصاحة وقسوة لسان آل ديكان.
«يا لقلّة صبرك.»
قالت إليزا وهي تشدّ على أسنانها، لكن والتر لم يُبالِ.
«طبع عائلتنا ليس بالأمر الجديد، أليس كذلك؟»
ثم تناول بنفسه طبق الحساء وقرّبه منها، متصنعًا لطفًا مبالغًا فيه.
«لحسن الحظ، ما زلتِ قادرة على حمل الملعقة. كنت أخشى أن أضطر لإطعامك بنفسي. يسعدني حقًا أن أراك بهذه العافية، يا جدّتي.»
«ماذا قلت؟»
توجهت كل الأنظار إلى إليزا.
من جسدٍ كان يبدو بلا أي أثر للحياة، انبعثت قوة مشوبة بالغضب. في عينيها السوداوين الذابلتين لمع بريق غريب، وبرزت عروق عنقها النحيل، ثم خرج صوتها ساخرًا ببرود لا يقل عن بروده.
«اخرج.»
«……»
«لماذا تقف متسمّرًا يا أروين؟! سموّ الدوق سيرحل! ودّعيه! لن أشيّعه بعيدًا، يا دوق!»
بصوتها الرنان، اغرورقت عينا إيزاك بالدموع تأثرًا، بينما بدا أن لدى والتر المزيد ليقوله.
في تلك اللحظة، أدركت غريس دورها أخيرًا، فقفزت بين ذئبين مكشرين عن أنيابهما. وتذكرت إيزاك كائنًا وديعًا يندفع بلا خوف بين وحشين مفترسين.
«يا سيدتي الكبرى، يسعدني أن أراكِ وقد نهضتِ. سموّ الدوق كان قلقًا عليكِ أشد القلق.»
التفت الوحشان معًا نحو غريس.
ما الذي تقولينه؟!
لكنها لم تعبأ، بل التفتت أولًا إلى والتر وسدّت عليه الطريق بنظرة حازمة.
«أليس كذلك؟»
ثم استدارت نحو العجوز، وابتسمت بعينين منحنِيَتَين.
«أعتذر لزيارتي مجددًا دون استئذان. لكن أرجو أن تتفهمي رغبتي الصادقة في لقائك، ولو على هذا النحو.»
لم يكن أسلوبها كسهمٍ طاعن، بل دافئًا وحنونًا كحقل قمحٍ وافِر. كانت أشبه بشعاع شمسٍ يتسلل بخفر وسط عاصفة.
وحين سكتت إليزا، استقامت غريس، وأمسكت بطرف تنورتها بكلتا يديها، ثم انحنت بعمق، حتى صار رأسها أخفض من مستوى نظر إليزا.
في تلك اللحظة، توقّف الزمن الذي كان يسير ببطء حول إليزا.
«متأخرةٌ في تقديم نفسي، لكني أحييك الآن كما يليق. أنا غريس من بيت تايلور، أتشرف بلقاء سيدة ريتشموند الكبرى، صخرة ديكان، مالكة جبال تيبِكس ونهر أوروتو، وحامية الشمال الغربي.»
م.م: 😭😭😭😭 أخيرا غاضتني بصح لازم تعاود توقف على رجليها 🫡
Sel للدعم : https://ko-fi.com/sel08 أستغفر الله العظيم واتوب اليه
التعليقات لهذا الفصل " 36"