في صباح اليوم، ما إن فتح مركيز لينكو عينيه في سريره حتى ساء مزاجه. فقد ظهر له في المنام الدوق الراحل من السلالة السابقة، وحدّق فيه طويلًا قبل أن يختفي.
«يوم مشؤوم منذ الصباح.»
لم يكن المركيز يؤمن بالأحلام أو الخرافات. في الأيام العادية، كان ينسى حلمًا كهذا فور نهوضه من السرير، لكن على غير العادة، ظل ذلك الشعور البارد المزعج يلازمه حتى وهو جالس في مكتبه. لم يستطع التركيز، وشعر بانقباض في معدته، فنهض من مكانه… وفي تلك اللحظة سُمعت خطوات مسرعة.
تسلل شعور قشعريري كأن القلب يهبط من مكانه، وانتشر برد مفاجئ في جسده كله.
لم يستطع المركيز مقاومة القلق الذي التف حول قلبه كالأفعى، فاندفع بنفسه نحو الباب. ما إن فتحه بعنف حتى تراجع الرجل الذي كان يرفع يده ليطرق، فزعًا.
«سـ، سيدي المركيز!»
«ما الأمر؟!»
تمنى بصدق أن يكون شيئًا لا يستحق القلق، لكن التقرير الذي دخل أذنيه كان مما لا يمكن تجاهله.
«أُستُدعي جميع المسؤولين عن الخزانة؟!»
جلس المركيز مجددًا إلى مكتبه بوجه متجهم، فتبادل النبلاء القريبون نظرات قلقة قبل أن يسأل أحدهم بحذر:
«سيدي المركيز، ما الذي يحدث؟»
«هل وجدتم الملفات المفقودة؟!»
«انتهينا من الفرز، لكننا ما زلنا نبحث عن…»
«تأكدوا فورًا من وجود ملفات الميزانية للربع الأخير! بسرعة!»
شعر بقلق بارد يعبث بأحشائه كأفعى، وتمنى ألا تكون تلك الملفات بالذات هي المفقودة. لكن الحلم اللعين تحوّل أخيرًا إلى واقع.
«غير موجودة؟»
«نعم. ملفات الميزانية الشاملة للربع الأخير غير موجودة.»
كبح المركيز رغبته في الصراخ، وراح يُعمل عقله بجنون. لا يمكنه أن يسلّم هذا القصر لطفلٍ غضّ.
استدعى عددًا محدودًا فقط إلى غرفة سرية، وأمرهم:
«أعيدوا كتابة الملفات المفقودة فورًا. والأموال غير المتطابقة… حمّلوها بأسماء الخمسة الذين استُدعوا إلى الدوق.»
«سيدي المركيز، هذا…»
«هذه خطة الدوق لطرد جميع المسؤولين الحاليين عن الشؤون المالية من القصر. إن لم تفعلوا ذلك، فلن تُطردوا فقط، بل ستُجبرون على دفع مبالغ طائلة لم ترَوها في حياتكم. أهذا ما تريدونه؟»
يجب قطع الذيل.
وبينما كان النبلاء، الذين تلقّوا أوامره السرية، يلهثون لإعادة ترتيب الحسابات وإلقاء الذنب كله على أسماء الخمسة، كان المركيز يفكر: من يُضحّي به ومن يُبقيه حيًا؟ تحميل الذنب للجميع خطرٌ كبير.
الأكثر حكمة أن يُسحق شخص واحد عديم الفائدة، لا نفع منه.
وفي لحظة حرجة كهذه، بدت آلهة النصر وكأنها تقف إلى جانبه. إذ جاءه خبر سار من زوجته.
«إذًا… عشيقة الدوق اعتدت على خادمات ابنة كونت لوين؟»
تبدد البرد، واجتاحته نشوة غامرة.
يا له من تهور، أن يظن نفسه محميًا بهيبة دوقٍ فارغة! كم هو ممتن لتلك الحماقة. دوق يمنح غرفة الثريا لامرأة كهذه؟ لا بد أن النبلاء سيشككون في حكمه.
«أبلغيهم أن يطردوا تلك الوقحة من القصر في هذه الفرصة.»
ولو سارت الأمور على هذا النحو، ستنصرف أنظار الناس إلى الدوق وتلك المرأة، وقد تُدفن مسألة المال بهدوء…
لكن الأمل الذي نبت فوق القلق لم يدم طويلًا. جاءه خبر أسقطه أرضًا.
«سـ، سيدي المركيز! سموّ الدوق استدعى مسؤول أمن القصر!»
«لماذا مسؤول الأمن فجأة؟!!»
«قال إنه سيحاسبه على حادثة احتجاز الخادمات التي وقعت الليلة الماضية…»
«ما الذي حدث حتى يُستدعى مسؤول الأمن بسبب ذلك؟!»
لم يعد المركيز يحتمل. اندفع لمقابلة الدوق بنفسه. لكنه رأى، من بعيد، كونت لوين، مسؤول الأمن، قادمًا نحوه. كان شاحب الوجه، فاقد الروح. ركض المركيز نحوه وأمسك بذراعه.
«هل أنت بخير؟ لا، الأهم… ماذا قال لك سموّه؟!»
«عفوًا، اسمحوا لي بالمرور!»
تحركت عينا المركيز ببطء مع الشاب الضخم الذي مر بجانبه. كان جوزيف ريكسـتون، الذي قلب مكتب العمل رأسًا على عقب كخنزير بري، يبتعد بخطوات مفعمة بالنشاط. والمشكلة كانت في الرزم السميكة من الأوراق بين ذراعيه.
«ما الذي يحمله ذلك الرجل الآن؟»
سأل المركيز محاولًا التماسك، فيما تسللت البرودة إلى عموده الفقري. عضّ كونت لوين على شفتيه وأجاب:
«وثائق تتعلق بقوات بيت ريتشموند…»
«ماذا؟»
«لم يكن لدي خيار، سيدي. قال إن القوات داخل القصر لا يمكن الوثوق بها لأنها لم تكن على علم بحادثة الاحتجاز…»
تساءل المركيز للحظة: أهذا حلم؟ الدوق الذي عاد بالأمس فقط، يمد يده إلى المال والقوة العسكرية، وهو يقف متفرجًا؟
وفي ذهنه، لاح شبح الدوق الراحل، ينظر إليه بعينين قاتمتين، كظل قلعة ساقطة.
‘أنا… أثق بك، يا مركيز لينكو.’
صوت لطيف، هادئ، يخدش أذنيه.
شعر أسود، عيون سوداء، ظهر دوقٍ يمتطي جوادًا حربيًا ضخمًا، وأرض ريتشموند الشاسعة تمتد خلف كتفيه.
‘إن أصابني مكروه… أرجوك، اعتنِ بوالدتي وبوالتر.’
ارتعد المركيز، وركض نحو مكتبه كالهارب. أخذ يتفحص كل شيء بعينيه. المكتب الذي كان يستخدمه الدوق السابق، الكرسي، حتى ريشة الحبر… كلها ملكه.
نعم. كلها ملكي.
تلألأت عيناه المحتقنتان ببرود حاد. الأشباح لا تخيفه. لا مجال للتراجع ولا للاستسلام.
«إنه لي. هذا القصر كله… لي.»
كرر العبارة مرارًا. صوت رجل كان حكيمًا يومًا، وقد صار كئيبًا معتمًا، رطّب هواء الغرفة اليابس.
* * *
أحست السيدة إيزاك أن عبارة «ذوبان الأحشاء من شدة البرد» لم تكن مجازًا. رأسها مشتعل، لكن بطنها بارد، وكأن أمعاءها تتآكل وتوشك أن تسقط.
«أهذا كل ما خُصص للسيدة الكبرى من ميزانية؟!»
رغم غضبها، ردّت خادمة المركيز دون أن ترمش:
«إنها معدّة وفق ميزانية الربع الماضي التي استخدمتها السيدة الكبرى. فما المشكلة؟»
«حتى ميزانية الربع الماضي كانت كارثة! بهذا لن تستطيع السيدة الكبرى شراء ثوب واحد لشتاء هذا العام. ثم تسألين: ما المشكلة؟!»
ضحكت الخادمة ابتسامة لزجة.
«لا أدري، يا سيدة إيزاك. السيدة الكبرى لا تخرج من الملحق أصلًا، فهل تحتاج فعلًا إلى ثياب جديدة؟ همم… إن لم يعجبك الأمر، اذهبي إلى دائرة الخزانة وقدّمي احتجاجًا. ويفضل أن تذهب السيدة الكبرى بنفسها، بالطبع.»
«……»
«آه، بالمناسبة… كيف حال السيدة الكبرى؟»
تجمد وجه إيزاك، فغطّت الخادمة فمها بمروحة مطرزة بنقوش شرقية تلمع تحت الشمس، وضحكت.
«لم نرها منذ زمن، فقلقنا عليها. الدوق الذي كانت تشتاق إليه عاد، لكنها لم تنهض. أمر مفاجئ بعض الشيء. لكن… ما الذي لم يعد مفاجئًا هذه الأيام؟»
وتركت الخادمة سخرية عائمة خلفها ومضت.
على مدى أكثر من عشر سنوات، ساءت المعاملة تدريجيًا، كما يبتل الثوب تحت المطر الخفيف. كان البقاء إلى جوار سيدٍ تخلى عن حقوقه أمرًا مرهقًا إلى حدٍّ لا يُحتمل. حتى الرد على السخرية صار عبئًا.
لكنها لا تستطيع الانهيار. رتبت السيدة إيزاك ملامحها، واستقامت، وسارت في الممر البارد البائس بأناقة كأنها تمشي في جناح من أجنحة القصر الإمبراطوري.
غرفة نوم إليزا، الوحيدة الدافئة في الملحق.
وكانت إليزا… مستيقظة.
«سيدتي الكبرى.»
اندفعت إيزاك إليها بفرح. كانت إليزا جالسة نصف جلوس، مسندة جسدها إلى السرير، لكنه مشهد كفيل بإدخال البهجة مقارنة باستلقائها الدائم.
«لماذا كل هذا الضجيج؟»
سألت إليزا ببطء، فأجابت إيزاك بسرعة:
«خادمة المركيز زارتنا.»
ارتفعت في قلبها آمال حذرة. إليزا التي لم تتحرك كالماء الراكد، نهضت بنفسها واشتكت من الضجيج. لعلها تسأل عن سبب الزيارة؟
لكن إليزا، بقسوة، أشارت بيدها اليابسة نحو النافذة.
«أغلقي الستائر. أريد أن أنام أكثر.»
«……»
لم تبكِ إيزاك حتى عند إعلان وفاة الدوق السابق. لكنها الآن أرادت أن تصرخ باكية. لو تسأل فقط، عن سبب زيارة الخادمة، عن حال القصر… كانت مستعدة أن تحكي كل شيء.
«ما بكِ، أروين؟ قلتُ أغلقي الستائر.»
لم تستطع إيزاك عصيان أمر سيدتها. تذبل معها، تموت معها ببطء، ولا تملك إلا الدعاء أن تستيقظ.
لكن، بينما كانت تسحب الستارة بيد ثقيلة، توقفت يدها في الهواء. اهتزت عيناها.
على الطريق المؤدي إلى الحديقة الخلفية، كان رجل وامرأة يقتربان من الملحق.
التعليقات لهذا الفصل " 35"