بعد أن ظلّ والتر مطرقًا، غارقًا في تفكيرٍ طويل، نهض فجأة من دون أي إنذار.
“قديني إلى المكان الذي توجد فيه غريس.”
“لكن الآنسة قالت إن الأمر من شؤون القصر الداخلي، وإن تدخّل سموّكم على عجل قد يكون غير مناسب. لِمَ لا ننتظر قليلًا”
“سواء انتظرتُ أم لا، فهذا قراري.”
“…….”
“إن لم يكن يهمّك ما قد تتعرض له سيدتك، فكُفّي عن الثرثرة وتقدّمي.”
كان وجهه جامدًا، لكن هالة شرسة متعجلة كانت تتلاطم حوله كمدٍّ هائج. لم تكن كلمة تقدّمي اقتراحًا، وحتى لو رفضت جيسي، بدا واضحًا أنه سيعثر على غريس مهما كلّف الأمر.
وبالفعل، ما إن ترددت جيسي لحظة، حتى استدار والتر بلا تردّد وأمر جوزيف:
“ابحث عن غريس، يا جوزيف.”
“أمرك، سموّك!”
خرج الرجلان بخطوات واسعة من الغرفة، ولم تجد جيسي بدًّا من أن تركض خلفهما. فهي الأخرى لم تكن قادرة على ترك غريس لمصيرها.
“سأقودك.”
تحركت كما لو كانت تطير، تقود والتر بسرعة. وحين بدأت تظهر أبواب الغرفة التي اقتيدت إليها غريس، التقطت أذن والتر الحساسة صوتًا حادًّا يتردد في المكان:
“اقتادوها هي الأخرى إلى القبو، وابحثوا عن المرأة التي جاءت معها وأحضروها إليّ!”
“انهضي!!”
القبو.
شعر بحرارةٍ مفاجئة تتوهّج في صدره. تجاوز جيسي في لحظة، وفتح الباب بعنف قبل أن يتمكن الجنود أو الوصيفات من رد الفعل.
اندفع الهواء إلى الداخل، يبعثر شعره، لكن والتر لم يشعر بالريح. من فوضى المشهد داخل الغرفة، لم يلتقط حسّه سوى شيء واحد.
وهو يرى الوصيفات يمسكن بذراعيها بعنف، اجتاحه اندفاعٌ ليطيح بهنّ فورًا. ضغط على أسنانه ونطق كمن يمضغ كلماته:
“ارفعن أيديكن.”
* * *
مع الظهور المفاجئ لوالتر، ازداد اضطراب الغرفة، كأن حريقًا اندلع فيها. أفلتت الوصيفات غريس فزعًا كما لو لمسن قدرًا ساخنًا، وتجمدت فلورا في مكانها قبل أن تشدّها والدتها، كونتيسة لوين، لتقف. تسارعت السيدات النبيلات إلى تحية الدوق، وعمّت الفوضى.
وسط هذا الصخب، وقف والتر كجزيرةٍ صامتة، لا يرى سوى غريس. عندها، بدا أن المركيزة استعادت وعيها، فتنحنحت لتجذب الانتباه.
حين التقت عينا غريس ووالتر بنظرها في آنٍ واحد، فردت المركيزة صدرها وأمالت حاجبيها. كان تعبيرها كتعبير شخص بالغ يوبّخ طفلًا مشاغبًا.
“سموّك.”
حتى نبرتها كانت كذلك. ثم ألقت نظرة صارمة على جيسي وتابعت:
“كنت أنوي أن أشرح فورًا سبب إحضار تلك المرأة دون استئذان سموّكم. لقد كان ذلك وفق أعراف ريتشموند، لضبط اضطرابٍ وقع في القصر الداخلي. أرجو منكم التفهّم.”
كانت كل كلمة تقولها المركيزة مستفزة لوالتر، لكنه أمسك بكلمة واحدة ونطقها بوضوح:
“الأعراف؟”
“نعم.”
الأعراف. ما تراكم عبر الزمن حتى صار عادة.
لكن ما هو الأصل؟ ومن الذي يحدد المدة اللازمة ليغدو الفعل عرفًا؟ أليست الأعراف في جوهرها حيلةً لمن يريد العبث باللوحة كما يشاء، مستخدمًا الزمن ذريعة لفرض أفعالٍ على الجميع؟
ومع ذلك، كانت تتحدث عنها وكأنها قانون سماوي. لم يجد والتر في الأمر سوى سخريةٍ مرة. جال بنظره في ترتيب المقاعد وابتسم ابتسامة ذات طعمٍ معدني.
“كنت أتساءل لِمَ يبدو ترتيب الغرفة مألوفًا… إنه الترتيب الذي كانت تستخدمه الإمبراطورة الراحلة إيزابيلا عند استجواب السيدات النبيلات. منذ متى صار أسلوب الإمبراطورة إيزابيلا من أعراف ريتشموند؟”
“…….”
“هل أخبرتك السيدة الكبرى بذلك؟ قالت إن طريقة والدتها تصلح للتطبيق هنا؟”
أمام زخم الدوق الشاب، تجمدت السيدات النبيلات في أماكنهن. لم يجرؤن على الحركة، بل اكتفين بإدارة أعينهن نحو المركيزة. كان ذكر اسم إليزا من المحرّمات أمامها.
لكن ذلك لم يكن سوى عرفٍ بين النبيلات.
حين نطق والتر الاسم، شعرت المركيزة كأن شوكةً حادة انغرست في قلبها. حاولت كبح أنفاسها بصعوبة.
“كنت أعمل على تسوية نزاعٍ بين نساء القصر. وللأسف، وقع نزاع بين المرأة التي أحضرتموها والخادمات.”
“نزاع؟”
“أعتذر عن القول، لكن الخادمات اللواتي كنّ يخدمنها يزعمْنَ أنهن تعرضن منها للاحتجاز والضرب والتهديد بالقتل. ألا ترون أن مثل هذا الأمر لا يجوز أن يحدث في قلعة ريتشموند؟”
شبك والتر ذراعيه ونظر إلى الخادمتين نظرة ثابتة.
“احتجاز، ضرب، تهديد بالقتل… متى حدث ذلك؟”
“سموّك، هذا من اختصاص القصر الداخلي”
“سأسمع أولًا ثم أقرر.”
قاطعها والتر، ثم وجّه نظره مجددًا إلى الخادمتين:
“أجيبا. متى حدث؟”
قبضت المركيزة على قبضتها وأشارت إليهما بعينيها. شعرتا بجفافٍ في أفواههما قبل أن تتحدثا بحذر:
“أمس، بعد أن قدمنا العشاء، ونحن في طريق العودة.”
“هل تتذكران إلى أين اقتيدتما؟”
“داخل القصر… قرب الطابق الأول… لا نذكر الموقع بدقة…”
“كانت غرفة مظلمة، بلا أي ضوء!”
“داخل قلعة ريتشموند، غرفة مظلمة بلا ضوء… هل أنتما متأكدتان؟”
رفعتا رأسيهما بعنف وأجابتَا معًا:
“نعم، سموّك! هذا الحق، دون ذرة كذب!”
اندفعت فلورا، التي كانت تكاد تلتصق بحضن أمها، إلى جانبهما والدموع معلقة في عينيها.
“سموّك! إنهن فتيات عزيزات عليّ. لا يمكن أن يكذبن. أرجوك صدّقني.”
بكت فلورا بكاءً جميلًا، ثم رفعت رأسها، واثقةً أن الدوق الذي مال قلبه إليها من قبل سيتأثر.
لكن والتر لم يكن ينظر إليها.
أمر مساعده بإحضار كرسي ووضعه أمام الخادمتين، ثم جلس عليه بهدوء.
في اللحظة التي جلس فيها، تغيّر صاحب الغرفة.
ثقلٌ بارد، كتيار أعماق البحر، أخذ يلتف حوله، ثم اندفع بلا صوت كمدٍّ جارف، فابتلع الجميع.
بدأت الخادمتان ترتجفان بوضوح، وسحبت كونتيسة لوين فلورا سريعًا إلى صف السيدات، مدركةً بالفطرة أن هذا وقت الانسحاب.
وقد أحكم والتر سيطرته، استند إلى الكرسي وأمر:
“جوزيف. أحضر مسؤول أمن القلعة.”
ارتجفت كتفا المركيزة.
“تستدعي مسؤول الأمن فجأة؟!”
ابتسم والتر ابتسامة سامة وهو يجيب:
“أنا أصدّق أقوال الخادمتين. لكن غريس كانت معي طوال الليل. بل بعد العشاء تحديدًا.”
“لكن شهادتهن”
“لا يتذكرن حتى موقع الغرفة. هذا يعني أنهن كنّ في حالة ذعر. فكيف يجزمْنَ أن من واجهنها كانت غريس؟”
“ولهذا كنت أحاول اتخاذ موقفٍ محايد”
“كلمة محايد بحد ذاتها خطأ.”
قطعها ببرود، ثم حذّرها بصوتٍ منخفض:
“أنا لستُ من يُثبت. أنا من يحكم، يا إميلي لينكو.”
م.م: 🔥🔥🔥🔥 في منتصف الجبهة
“…….”
“وإن كانت خادمة غريس موضع شك، فسيردّ الفارس ريكستون، الذي كان يحرس الممر طوال الوقت.”
وقبل أن تنتهي كلماته، صدح صوت جوزيف القوي:
“كنت أحرس الممر طوال الوقت. رأيت الخادمتين تختفيان مع العشاء، لكن الآنسة وخادمتها لم تظهرا في الممر بعد العشاء إطلاقًا!”
ألقى والتر نظرة سريعة على المركيزة، ثم أشار إلى جوزيف:
“أحضر مسؤول الأمن. علينا أن نحمّله المسؤولية.”
“أمرك، سموّك!!”
عندها تقدمت كونتيسة لوين بوجهٍ شاحب؛ فزوجها هو مسؤول الأمن.
“سموّك، استدعاؤه على حين غرة… الأمر لا يستحق.”
لكن كلماتها زادت النار اشتعالًا. التفت إليها الدوق الشاب، ينطق كل كلمة كما لو كان يسحقها بأسنانه:
“يحدث هذا داخل القلعة التي أقيم فيها، وفي القصر الرئيسي، ثم تقولين إنه أمرٌ تافه؟”
“ذلك لأن”
لم يُصغِ. استدار إلى الخادمتين المذهولتين:
“سنستدعيكما قريبًا للتحقق من الحقيقة. حتى ذلك الحين، استريحتا وتعافيتما.”
ثم نهض ومدّ يده إلى غريس. نظرت إليه، إلى الرجل الذي لوّح بالسيف الذي أعطته له بلا رحمة، ثم وضعت يدها في راحته. التفّت يده الكبيرة القوية حول يدها فورًا.
وبينما كانت تغادر معه، التقت عيناها بعيني المركيزة.
كانت نظرتها غارقة في عمقٍ موحش… كأنها مستنقعٌ سحيق.
التعليقات لهذا الفصل " 33"