منذ زمن بعيد، كانت الإمبراطورة إيزابيلا، والدة إليزا، تستخدم هذا الأسلوب حين تحاسب وصيفات القصر أو السيدات النبيلات على ذنوبهن. ومع مرور الوقت، صار يُطلَق على ذلك المكان اسم غرفة العقاب. أما اليوم، فأكثر من يواظب على استخدامها لم تكن سوى مركيزة لينكو نفسها.
استدعت المركيزة، في هذا اليوم، جميع السيدات النبيلات اللواتي دخلن قلعة دوق ريتشموند. جلست من يتقربن إليها ويتملقنها حولها، منتشرات كأجنحة طائر، بينما خُصِّصت مقاعد باقي السيدات إلى أحد الجوانب.
بهذا الترتيب، كانت تستخرج ولاءً أعمق من المخلصات، وتُري المترددات بأعينهن ما الذي ينتظر من يخرج عن رضاها، لتغرس فيهن الخوف والحذر.
خلف المركيزة، اصطفت خادمات بفساتين كحلية داكنة أشبه بالزي العسكري، واقفات في صفوف منتظمة. ومن خلف ظهورهن كان ضوء الشمس يتسلل إلى الغرفة، فينعكس عليهن بإضاءة خلفية جعلت ملامحهن غارقة في الظل، مانحة المشهد رهبة وجلالًا.
في هذه الغرفة، كانت لينكو مركيزة، ملكةً وقاضيةً في آنٍ واحد.
وأمامها مباشرة، في موضع تتجه إليه جميع الأنظار، وُضع كرسي واحد، كرسي لا يخطئ أحد في فهمه: مقعد المذنِبة.
همست إحدى السيدات النبيلات، التي جاءت القلعة فجراً لتسليم غرض لزوجها ثم علقت في هذا الموقف، إلى من تجلس بقربها:
«يبدو أنهم ينوون التحقيق مع المرأة التي جاء بها الدوق، أليس كذلك؟»
«دخلت القلعة بالأمس فقط… لا أعلم كيف سيتصرف سموه. أخشى أن نكون نحن الضعيفات من يدفع الثمن بلا ذنب.»
«سمعتُ أنها اعتدت على خادمتي الآنسة فلورا. تُرى، هل فعلت ذلك حقًا؟»
«سواء فعلت أم لا، فالأمر غير مهم. المهم أن المركيزة أجلسَتها في هذه الغرفة.»
في هذه الأثناء، كانت فلورا تقف خلف ظهر المركيزة، تحدّق في ذلك المقعد بنظرات حادة.
«يا لها من امرأة خسيسة، يا سيدتي المركيزة! يا إلهي، أن تهدد خادمتي فلورا بتلك الطريقة!!»
صرخت كونتيسة لوين، والدة فلورا، وقد برزت عروق عنقها من شدة الغضب. سارعت السيدات الأخريات إلى هزّ رؤوسهن موافقات.
«حقًا، شرور من يسعين للارتقاء بمكانتهن تفوق خيالنا.»
«منذ أن رأيتها أول مرة، شعرتُ بعدم ارتياح تجاهها.»
فركت الكونتيسة ذراعيها وكأن قشعريرة أصابتها، ثم التفتت إلى خادمتَي فلورا وقالت:
«كيف هدّدتكما تلك المرأة الخبيثة؟»
فانهارت الخادمتان باكيتين، وبدأتا بالشكوى:
«قالت إنها ستقتلنا… كنا خائفتين جدًا…»
«نعم، نعم. هذا صحيح. كنا قد قدمنا لها العشاء، وبينما كنا نغادر فجأة سُحبنا إلى مكان ما. ظننا أننا سنُقتل في أي لحظة.»
«يا للسماء! بدل أن تشكر الخادمات اللواتي أعددن لها الطعام!»
شبكت المركيزة ذراعيها بأناقة وأمالت رأسها قليلًا.
«ولِمَ لم تُخبِراني فورًا؟»
«طلبت منا ألا نخبر أحدًا… كنا خائفتين من أن تقتلنا.»
«يا سيدتي المركيزة، لا بد أنها كانت قاسية إلى حدٍ لا يُحتمل، حتى بلغ بهما الخوف هذا المبلغ.»
ارتسم الاشمئزاز على وجه فلورا، الواقفة خلف المركيزة، لكنه ما لبث أن تحول إلى ابتسامة خفية. كم كان سخاء الحظ معها، أن تتصرف تلك المرأة بتهور وتمنحهم هذه الذريعة الثمينة. سارعت فلورا إلى محو ابتسامتها، وارتدت قناع الشفقة، لتقول بصوت مرتجف:
«كان… كان يجب عليّ أن أحميكما أفضل من هذا… أنا آسفة.»
«أوه، فلورا. هذا ليس ذنبك. قلبك رقيق أكثر مما ينبغي…»
مدّت المركيزة يدها وربّتت على ظهر فلورا بنفسها، فلم تستطع الأخيرة إلا أن تنفجر بالبكاء.
«لا تبكي. من ينبغي له أن يسكب الدموع هو شخص آخر.»
ما إن انتهت كلمات المركيزة، حتى دوّى طرق مهذب على الباب. في اللحظة ذاتها، اتجهت أنظار فلورا، التي كانت تمسح دموعها، وأنظار المركيزة، التي كانت تواسيها، نحو الباب.
Sel للدعم : https://ko-fi.com/sel08 أستغفر الله العظيم واتوب اليه
التعليقات لهذا الفصل " 30"