أستغفر الله العظيم واتوب اليه
⚠️لا تجعلوا قراءة الروايات تلهيكم عن الصلاة وعن ممارسة الشعائر الدينية😁
“كان ينبغي أن أُلفَّ معصمي بمنديل على الأقل قبل أن أضربه… يبدو أن الواقع أصعب بكثير من التصوّر.”
ابتلعت غريس هذا التفكير الدموي وهي تمشي في الممر المعتم. توقفت فجأة، ثم التفتت نحو النافذة الداكنة التي انعكس فيها وجهها.
شعر ذهبي طويل متموّج، وملامح دقيقة تتناغم مع وجه صغير بيضوي، وعينان بلون أخضر فاتح ناعم، وطول ليس بقصير، لكنه يبدو أقل مما هو عليه بسبب رقتها النحيلة.
كانت الخادمات يمدحن جمالها كل يوم، لكن غريس لم تحب شكلها طويلاً. حاولت أن تضع مساحيق قوية لتبدو أكثر صلابة، لكن النتيجة لم تتعدَّ كونها طفلة تقلّد الكبار.
حين كانت تتذمر: “لو أن نظراتي وحدها تكفي لشلّ أقدام خصومي، لكان الأمر أسهل”، ضحك معلّمها في الصيد وقال لها:
“في رأيي، مولاتي، لديك بالفعل سلاحًا ممتازًا.”
“سلاح؟ تقصد مظهري؟”
“عندما تَصطادين فريسة أكبر منك جسدًا، لا ينبغي أن تُظهري القوة. من يبدو مخيفًا يُقتل أولاً في العادة. عليكِ أن تجعلي خصمك يرخي كل حذره، ثم تضربين قفاه.”
منذ ذلك اليوم، جعلت غريس مظهرها سلاحها. تظاهرت بأنها آنسة لطيفة ساذجة لا تعرف شيئًا عن الدنيا؛ تبتسم بوداعة، وتتصرف برصانة، وأيًا كان ما تسمعه من إهانات، كانت تحولها في داخلها إلى نباح كلب وتمضي.
وبفضل ذلك، نظر إليها دوق ودوقة تايلور كـ”ورقة” يمكن استخدامها ثم رميها متى شاءا، بل وتركوا حتى الأوراق التي تستدعي توقيع رب البيت وقراره بين يديها لتتعامل معها كما تشاء. وفي ظل هذا الاطمئنان الكامل، راحت غريس تنتظر الفرصة وهي تجمع المعلومات بصبر.
في اللحظة التي همّت فيها بمتابعة السير، دوى من نهاية الممر صوت ساخر:
“زوجك المستقبلي… ممتاز حقًا.”
أقبلت روزيت تايلور، نسخة عن أمها الدوقة.
“إنه ابن أخت جلالة الإمبراطورة، أليس كذلك؟ حقًا، يا لكِ من محظوظة يا غريس.”
كل إساءة تُترجَم إلى نباح كلاب.
رددت غريس قاعدتها المألوفة في ذهنها، بينما كانت روزيت تبتسم ابتسامة واسعة.
“من الغد فصاعدًا ستصبحين زوجة ابن أخت جلالتها، يا له من شرف!”
في داخلها، كانت غريس تود أن تبعثر الرماد على وجه تلك التي تبتسم، لكنها لم تكن تستطيع إفساد أي شيء الآن. أمالت رأسها قليلاً وابتسمت:
“شكرًا لكِ، يا روزيت.”
كان صوتها ناعمًا رصينًا يحمل في ظاهره امتنانًا حقيقيًا، فالتوى وجه روزيت فجأة.
مهما كان الكلام لاذعًا وقاسيًا، كانت غريس ترد عليه دائمًا بالابتسام، وهذا ما كان يدفع روزيت إلى الجنون. كم من مرة راودتها الرغبة في رمي حجر في هذا الوجه النبيل! اقتربت أكثر وحدقت بها بخشونة:
“نعم، ابتسمي بتلك البلاهة طوال حياتك. هذا الزوج بالذات يناسبك تمامًا، فعيشي في خدمته وتحملّي حتى الموت.”
استمعت غريس إلى كلماتها وهي تفكر في أنها للتو كانت تلوّح بزجاجة نبيذ فوق رأس ذلك الرجل نفسه.
تابعت روزيت:
“وحتى بعد موتك، لا تفكري في العودة إلى آل تايلور. هذا ليس منزلك يا غريس.”
“……”
“إنه منزلي أنا.”
قلّدَت نبرة غريس الهادئة، ثم استدارت بعنف وغادرت. بقيت غريس واقفة تنظر إلى الفراغ الذي تركته وراءها.
لم يُفلِت وجهها المتعوّد على السكون أي انفعال حتى في مثل هذه اللحظات. حتى ضحكتها الخفيفة التي فلتت منها بدت أقرب إلى ابتسامة هادئة منها إلى سخرية. لكن جملة واحدة لم تستطع احتمالها، فشقّت صدرها كالنصل:
“منزلي؟”
عضّت شفتها واستأنفت المشي.
مضحك حقًا… كل ما في بيت دوقات تايلور. الناس، والأشياء، بل حتى قطرة ماء من النهر الذي يمر في أراضيه، وهبّة ريح تعبر فوقه…
“لا شيء من هذا لكم.”
كانت الكلمات أقرب إلى حركة شفتين منها إلى صوتٍ مسموع، وغمرها صرير الريح خلف النافذة.
●●●●
في تلك الأثناء، كان غريبٌ يصل إلى أراضي دوقية تايلور.
شعره الأسود القاتم كان مرتبًا على نحو لا يليق برجل قطع العتمة سفرًا، وملامحه وسيمة إلى حد لافت، إلا أن الحدة في عينيه جعلت هيئته كلها تبدو حادة كالنصل.
حارس بوابة الدوقية، الذي بهرته الهالة غير العادية المنبعثة من الرجل عريض المنكبين، لم يجرؤ حتى على النظر إلى وجهه مباشرة. اكتفى بفحص بطاقة هويته، ثم فتح له البوابة.
تمتم المرافق الذي كان يمشي إلى جانبه في تبرّم خافت:
“ما الحاجة لتزوير هوية كاملة؟ مادمتَ قد تلقيت دعوة زفاف رسمية، كان يمكنك الحضور علنًا.”
كان هذا هو جوزيف ريكستون، مساعده. ضحك والتر ريتشموند بخفة وهو يخرج بطاقة صغيرة من جيبه.
[إلى الدوق المحترم والتر ريتشموند.
من غريس تايلور.]
كان اسم المرسلة وخطّها الأنيق ينسج انسجامًا غريبًا مع هذه البطاقة.
قال والتر:
“لا أدري… تساءلت إن كانت هذه حقًا دعوة زفاف.”
“تدعوكِ لحضور حفل زواجها. أليست هذه دعوة، إذن؟”
هزَّ والتر كتفيه وأعاد البطاقة إلى جيبه، ثم رفع رأسه نحو قصر تايلور الغارق في الظلام وقال:
“كم عروسٍ في الدنيا ترسل بنفسها دعوة زفاف كهذه؟”
صمت لحظة ثم أكمل ببطء:
“تقول فيها… إذا حضرتُ زفافها بنفسي، فسأحصل على أمضى سيفٍ يحمي سرِّي.”
عبس جوزيف وهو يحك مؤخرة رأسه، غير قادر على فهم المغزى. أما والتر فمسح ذقنه بأطراف أصابعه وشرع يفكر.
أمضى سيفٍ يحمي سرّي.
ممّ تتحدث هذه المرأة بالضبط؟
وما الذي تعرفه عن أسراره؟
●●●●
مع بزوغ فجر اليوم التالي، فُتِح الباب العظيم لكنيسة القصر داخل دوقية تايلور.
غطت الأقمشة البيضاء الفضية التي ترمز للقداسة جدران الكنيسة، وتوزعت باقات الزنبق – رمز الطهر والمحبة – في كل مكان. كان الخدم يتحركون في عجلة لإتمام اللمسات الأخيرة لحفل زفاف مثالي، بينما انشغل الكهنة القادمون من المعبد بإقامة الطقوس الدينية التي تسبق مراسم الزواج.
أما الضيوف المدعوون، فكانوا يستعدون في غرفهم، رجالاً ونساءً، بأفخر ما يملكون من ثياب وحليّ. زفاف في قصر دوقات تايلور العريق! والعريس هو الكونت الصغير لآل زاكسن، عائلة الإمبراطورة نفسها. كان من الطبيعي أن تتصاعد التوقعات، وأن تعلو همسات الاستمتاع بالحدث القادم في كل زاوية.
وفي هذه الأثناء، في جناح آل زاكسن:
“كيف تجرؤون على التعامل مع ابن سيدكم هكذا؟!”
دوّى صراخ حاد من الكونتيسة زوجة زاكسن، تلاه صوت صفعة قوية على خد نائبة مديرة الخدم. لم يهدأ غضب الكونتيسة بعد الضربة الأولى، فأتبعتها بأخرى.
“أنا آسفة، سيدتي…”
استدارت الكونتيسة، وهي تلهث غيظًا، نحو ابنها. في لحظة تبدلت ملامحها، وتحوّل الغضب إلى أسفٍ عميق وهي تتأمل وجهه:
كدمة على هذا الوجه الوسيم! وفي هذا اليوم بالذات!!
كانت عين جاك زاكسن اليمنى وجبينه قد ازرقّا بكدمة ضخمة. حضر الطبيب على عجل ووضع مرهمًا لتخفيف الورم، لكن المادة اللامعة لم تُزِد الكدمة إلا بروزًا. وإلى جانب ذلك، كان صداع ثقيل يسحق رأسه من آثار الشراب، حتى كاد يتمنى الموت.
“كيف… كيف حصل هذا؟!”
سألت الكونتيسة بوجه يكاد يبكي.
كان جاك نفسه لا يعرف، فالفراغ في ذاكرته – كما يحدث دومًا بعد الشراب – كان كاملاً. تململ من انزعاجه وقال بحدّة:
“قلت لا تهتمي بالأمر.”
حدقت الكونتيسة في الكدمة طويلًا وتمتمت:
“شكلها لا يبدو كالسقوط… أقرب إلى ضربة مباشرة.”
“قلت لكِ لا تهتمي!”
هنا نهض الكونت زاكسن من على الأريكة بغضبٍ مفاجئ:
“كيف لا نهتم وأنت ستدخل الكنيسة بهذا الشكل؟ يبدو أنك سقطت فوق الطاولة وأنت ثمل! أو تهشمت على زجاجة نبيذ، أيها الأحمق!”
رمقه بنظرة حادة ثم نهض فجأة:
“على أي حال، لم يعد يمكن إخفاء ما حدث! انتهى الوقت، توقف عن تلطيخ وجهك بتلك المراهم السخيفة واستعد! وأنتِ، كفي عن التمطيط وتعالي!”
اشتدّت ملامح جاك حنقًا، بينما عضّت الكونتيسة شفتها من الغضب.
“يُسمّون أنفسهم دوقات، ولا يعرفون حتى كيف يحمون ضيوفهم! كيف يسمحون بأن يتعرض وجه ضيف مهم مثل ابني لهذه الإصابة! ثم ماذا عن عروسهم تلك؟! ما هذا السلوك؟! آل زاكسن ليسوا عائلة عادية! كيف لا تخرج لاستقبال أصهارها؟!”
كانت تهزّ المروحة بعصبية تبرد بها حرارة وجهها المشتعلة، ثم تبعت زوجها إلى الخارج وهي تتمتم لنفسها:
“حالما تعود إلى قصرنا، سألقّن تلك الفتاة وقبل كل شيء تقاليد آل زاكسن!”
وعلى طول الطريق إلى الكنيسة، كررت في رأسها عبارة: “آل زاكسن هم العائلة التي أنجبت جلالتَها الإمبراطورة.” كانت ثقتها بنفسها واعتدادها بعائلتها كبيرين إلى حد جعل سيدات النبلاء الأخريات يفسحن لها الطريق صامتات.
لكن ما إن وصلت إلى الرواق الطويل المؤدي إلى باب الكنيسة، حتى توقفت خطواتها قليلاً.
انسحبت الأحاديث من بين شفاه الضيوف المتجمعين في مجموعات صغيرة، وحتى عينا دوق تايلور وزوجته، وروزيت، والوريث الشاب وليام اتجهت جميعًا إلى نقطة واحدة.
في آخر الرواق المتصل مباشرة بباب الكنيسة الرئيسي، تحت سقف يحمل بين أحجاره تاريخ آل تايلور، كانت بطلة هذا الزفاف تقترب بخطوات ثابتة.
Sel
للدعم :
https://ko-fi.com/sel08
أستغفر الله العظيم واتوب اليه
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
الانتقام يُفعَل هكذا
تحتوي القصة على موضوعات حساسة أو مشاهد عنيفة قد لا تكون مناسبة للقراء الصغار جدا وبالتالي يتم حظرها لحمايتهم.
هل عمرك أكبر من 15 سنة
التعليقات لهذا الفصل " 3"